كنت في العدل والاحسان (4)

ينشر موقع اسلام مغربي حلقات من مذكرات يكتبها الاستاذ ابراهيم أتحاش عن تجربته داخل جماعة العدل والإحسان:
ــــــــــــــــــــــــ
المشهد الرابع .. أول مرة أحضر مجلسا للاخوان ..
سلم عبد العالي عند دخولنا إلى البيت سلاما واثقا : السلام عليكم ..
خلعت نعلي و دخلنا الصالة .. قلت بدوري السلام عليكم لكن باحتشام و خجل .. عندما رفعت رأسي لأرى من في الصالة كانت مفاجاتي صادمة .. الإفطار ليس فيه فقط الشباب و من هم في عمري كما توقعت .. رأيت رجالا أغلبهم ملتحي و شبابا بعضهم ملتحي ..
يا إلهي ما هذا ؟!
حيرتي كانت كبيرة إلى درجة أنني أحسست بالندم على حضوري .. ماذا أفعل هنا !
لا مفر الآن .. أنا وسط الصالة و الجميع رد السلام و وجوههم تعلوها البشاشة .. ” حصلت ” ههه ..
تفضل اخي قال أحدهم .. ( زوينة هاد اخي ! ) .. أجلس هنا حتى تكون قريبا إلى قلب المائدة .. قالها ضاحكا .. جلست و ركبتي ترتعشان .. ههه ..
كانت عندي فكرة قليلة عن” الإخوان ” لكنها لم تكن طيبة على كل حال .. ” دون شك للحملة التي تعرض لها منتسبوا حركة الشبيبة الاسلامية في الثمانينات دور في تصوراتنا حولهم ”
أفطرت معهم على احتشام ( واخا ما صايمش ههه ) إفطارا لن أنساه ما حييت . تحلق الجمع حول طاولة مغربية ” حريرة .. تمر .. سفوف .. ملاوي .. لمسمن .. البيض و كل لوازم الأكل المغربي ..
قبل البدء ، أصر الجميع أن يبدأ الأكل أكبرنا سنا و أن يذكرنا بدعاء الإفطار ..
فطور و طريقة طعام فيها نكهة خاصة جديدة علي .. تذكير بأدب الأكل و بما تيسر من أحاديث في الموضوع ، الأكل بالميمنة ، الأكل مما يليك ، تحطيم الحدود ( أول مرة أسمع هذا التعبير ) و الأهم عدم ترك الطعام في الصحون حد التشجيع على مسح الاناء بالأصبع لكي لا يرمى ما تبقى منه مع الأزبال .. كانوا يتنافسون في هذا الأمر و كأنه مزية يؤجر عليها المرء .. أظنها من التربية الصوفية التي ترفض التبذير و تعلي من قيمة ” النعمة ” .
جالس بينهم ، امد يدي الى الطعام متفرسا في الوجوه متوجسا الى خائف ..
وجوه تعلوها البشاشة و بين الفينة و الاخرى ضحكات خفيفة تخرج من هنا او هناك ..
أحسهم يعرفون بعضهم جيدا انا الوحيد الغريب بينهم .. صغارهم يحترمون الكبار و خاصة الاستاذين عبد القادر و عبد الرحيم .
عبد الرحيم هو الرجل الذي كنت أراه معهم بالمسجد.
بعد الافطار حمد الرجل الله و أثنى عليه .. متحدثا عن فضل صيام الإثنين و الخميس و فضل الصلاة خاصة بالمسجد .. أنصت إليه بانتباه و تركيز كما عادتي في مثل هذه المواقف ..
يتكلم الرجل مسترسلا ، الصمت مطبق و كأن على رؤوسنا الطير .. لا حركة و لا كلام و الغريب ان الجميع يحني رأسه في خشوع !
ما هذا الطقس و ما هذه الطريقة في الإنصات حتى ان بعضهم يغمض عينيه ؟!
.. أثارني المشهد متسائلا مع نفسي عن السبب ! .. لم أعرف الجواب حتى صرت أفعل ما يفعلون .
لقد صار لاحقا من عادتي غمض العينين عند الإنصات و الاجتهاد في الاستغراق الكلي في ثنايا الكلمات و معانيها مع تحريك لساني بالذكر ثم قلبي الى أن أحس وجودي في حضرة الله .. ( هكذا كنت أحس و أعتقد ) .
عظيم ذلك الحضور و التركيز .. يراه البعض دخولا الى الحضرة الالهية او الحضرة النورانية . صارت شغلي الشاغل لسنوات . رياضة و اية رياضة .
بعد موعظة سي عبد الرحيم ، قام صاحب البيت بجمع الأواني و ما تبقى من الطعام .. في ادب عظيم ..
دقائق .. سمعنا المؤذن يؤذن ..نهض أحدهم للأذان بدوره في الصالة ! مستغربا قلت مع نفسي ما الداعي الى الأذان و قد سمعنا آذان المسجد و لسنا في مسجد ؟! ..
صلى كل واحد من الحاضرين ركعتين ثم صلى بنا الأستاذ عبد القادر صلاة العشاء ..
أثناء الصلاة احسست إحساسا خاصا لم أحسه من قبل .. قلبي يخفق طربا و لساني يناجي الله بشكل لم اعهده ..
صلاتي ليست كصلاتي المعهودة حيث كنت أنقرها و كأني أؤدي واجبا علي الانتهاء منه و تسجيله !
روحانية المجلس بدأت تسري في جسدي مخلفة انطباعا أزال خوفي الذي احسسته عند دخولي .. أحسست في الصلاة أني اندمج معهم و أدخل الى بوتقة جماعية بقلب واحد .. أحسستهم في و احسستني فيهم .. أهذا سحر أم ماذا !
بعد الصلاة تسالم الجميع و نظر الى الكتبي صاحب مكتبة الحي عبد القادر قائلا : ” مرحبا بيك سي ابراهيم ما تغيبش علينا ” .. أجبته : ان شاء الله ..
خرج الجميع فرادى و مثنى .. عرفت فيما بعد أنه لتفادي المتلصصين و إثارة ” البركاكة ” لا يخرجون جماعة ..
خرجت من البيت صحبة بعض الشباب و رأسي يموج بالأسئلة و الشكوك .. كل هؤلاء المجتمعين و أعمارهم المختلفة و طريقة تعاملهم فيما بينهم لست عادية و لا مما ألفناه في بيوتنا و لقاءاتنا العامة .. من يكون هؤلاء ؟!
خرجنا وخرجت مرفوعا مخطوفا كأني كنت في كوكب آخر .. الأدهش أنني خرجت مصحوبا باحساس جديد علي .. غريب و ممتع في آن .. وجنتاي محمرتين ( ولا أدري لماذا ) و قلبي يخفق و شيء ما دخله .. لم استطع فهمه ..
أحس برغبة في البكاء و شعور بالندم على ما كنت ” أقترفه ” من ” آثام ” ..
يا إلهي هل كل ما كنت عليه ” ضلال ” و ان حياتي هباء في هباء .. !
طول الطريق و انا صامت .. ليلتي لن تكون عادية ..
صافحتهم و صعدت الدرج إلى بيتنا و كأني بكل درجة أصعدها أطلق عادة من عاداتي السابقة و أتهيئ لتعويضها بأخرى .. أصعد مطلقا حياة و مستقبلا حياة اخرى ..
قبلت يد أمي و رأسها .. نظرت إلي و قالت : ما بك ؟ قلت لها لا شيء ..
دخلت حجرتي واضعا رأسي على وسادتي متفكرا فيما رأيت و سمعت .. داعيا الله باكيا ان يغفر ذنوبي .. مصمما على تغيير وجهتي ..
نمت و أنا مقبل على يوم جديد و بداية مسار جديد .. يتبع