قراءة نقدية في مسلسل الجماعة حول تاريخ الإخوان المسلمين

لا شكّ في أنّ مسلسل “الجماعة” ينقسمُ، ككتابةٍ بالمقام الأول، انقساماً بيّناً في جزئه الثاني عن جزئه الأوّل. في الجزء الأوّل، الذي لعبَ فيه إيّاد نصّار دور البنّا بذكاء دراميّ، كان المخرج يحاول تقديم نسخة “موضوعيّة” زعماً لتاريخ الجماعة، عبر شخصيّة الضابط الذي يريد معرفة “حقيقة” الجماعة.

والسرديّة التي كانت مسبوكة ليست أحاديّة بحالٍ في الجزء الأوّل، فهناك تاريخٌ يُروَى، وممارسات الجماعة في الراهن -حينها كان عام 2010-، وبين الاستذكار والحاضر، لعبت السرديّة دورها في تقديم نسخة من التأريخ المزدوج. حاول الجزء الأوّل أيضاً عدم اختزال الجماعة كجماعة تبحث عن مصلحتها، وأنّها فوق الوطن، والمصريين. فقد صوّرها المخرج كجزءٍ من المعارضة للنّظام القائم. يمكنني القول، إنّ الجماعة، عبر التاريخ الذي قُدِّمَ في الأجزاء الأولى الجزء الأوّل، كانت مبهمةً، ولا يمكن إلقاء الأحكام عليها بسرعةٍ. وهذا قصده المخرج قصداً بيّناً.

لكن، وأنا ههنا أيضاً واقف عند الجزء الأوّل، يبدو أنّ المزعج الأكبر للمخرج كان في كلمتيْ “السمع والطاعة” اللتين ملأت المسلسل وأحكمت زمام سرديّته بشكل مزعج. ورغم حقيقيّتها، إلّا أنّ المخرج لا يسمع لـ”السمع والطاعة” الدّولتييْن أيضاً. وكجزءٍ من إخراج الجماعة بوصفها فوق المسلمين، لم يستطع المخرج بحال أن يلعب بسرديّة الدّولة، لأنّه ينطلقُ منها، ولا يمسّها.

بالأخير، فشلت السرديّة في نهاية المطاف، لأنّها تحوّلت إلى سرديّة ملخّصها أنّ الجماعة هي “تنظيم سرّيّ”، والتنظيم السريّ لا يمكن إخفاؤه رغم كلّ محاولات التنظيم العلنيّة للتبرؤ منه. وبالتالي، فقتل النّقراشي وغيره يمثّل صلب اعتقاد الجماعة؛ تلك الجماعة التي حاول المخرج في نهاية الجزء الأوّل أن يجعل مؤسّسها يندم على تشكيلها. نهاية لا معنى لها بحال.

أمّا الجزء الثاني، فمليءٌ بتناقضات لا أعرف كيفَ استقامت في عقل المخرج. فالجماعة، على يد الهضيبي هذه المرّة، تُقرأ بعيون 2013، لا بعيون وقتئذ. ويقع المخرج المشدود إلى “عصر الملكيّة” الليبراليّ المغدور في تناقضٍ عندما يحاول الانتصار لعبد النّاصر ضدّ الجميع، رغم أنّه يكنّ كرهاً لعبد الناصر لا يخطئه كلّ من شاهدَ المسلسل. وعلى غير العادة، وصّف المسلسل محمد نجيب كأبلهٍ تارة، وكمتآمر مع الإخوان تارةً أخرى، لشرعنة إطاحة عبد النّاصر به. ورغم أنّي لا أكنّ كبير أسف على إطاحة عبد الناصر بنجيب، وهذا موضوع آخر، إلّا أنّ الإخراج كان مبتذلاً في ذلك. يمكن فهم هذا أيضاً من وجهة نظر أنّ الجماعة تهدد السلطة السياديّة للدّولة، والدّولة -بغضّ النظر عمّن يمثّلها- كان يجب أن تدافع عن نفسها من الجماعة/التنظيم السرّيّ، وإظهار أنّ كلّ ما يتلقوه في السجن والتعذيب ليس إلّا ما جنت يداهم من تدبير وتخريب. (انظر إلى التقامص بين الآن والماضي في المسلسل).

الأنكى من ذلك، أنّ المسلسل جوهرانيّ بشكل فجّ. يرى أنّ المصريين لهم “تديّنهم” الخاصّ، الذي يمثّل تديّن الإخوان بالنسبة إليه شيئاً غريباً، ولهم وسطيّتهم، التي لا تعرف التنظيمات، إلخ. ويتمّ تصوير الدولة كراعية للدين ضدّ إسلامات التنظيمات الإسلاميّة. بل، والأكثر من ذلك، أنّ على الدّولة أن تقوم بذلك طوال الوقت لحفظ الدين وعقول الناس من الآخرين.

وبالتالي، وفقاً للمسلسل، إنّ الجماعة جماعة محاربة. وليست جماعة وطنيّة. والدّولة الوطنيّة هي التي أنقذت المجتمع المصريّ (ذي الخصائص الجواهرنيّة الأزليّة) منها.
كريم محمد ـ باحث ومترجم مصري