هل بانتقاد السعودية والإمارات يكون الفيلسوف طه عبد الرحمان تخلى عن واجب التحفظ الفلسفي؟

أوغل الفيلسوف “طه عبد الرحمان” في كتابه الجديد “ثغور المرابطة ـ مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية” الصادر عن “مركز مغارب”، في انتقاد النظامين السعودي والإماراتي وايضا والإيراني، وهي المرة الأولى التي يتخلى فيها الكاتب عن واجب التحفظ الفكري، الذي ألزم به نفسه عقودا من الزمن، لينغمس في أتون الصراعات السياسية في منطقة الشرق الأوسط.

في البداية يعترف “طه عبد الرحمان” بأنه تخلى في كتابه الجديد عن صومه الدائم في الخوض في أمور السياسة وانه “لم يتعوَّد من قبل أن يتكلم في قضايا الساعة كلما استجدت”، إلا أن ما تتعرض إليه الأمتان “الإسلامية” و”العربية” من احداث عظام فرض على الكاتب ” أن يسابق إلى الاشتغال بها، حتى لا تهلك الأمم الإنسانية بما كسبت أياديها”.

لكن فيلسفونا عندما قام بتنزيل مقارباته الفلسفية والأخلاقية على أرض الواقع لم يجد غير النظامين الإيراني والسعودي ثم الإماراتي ليوجه إليهم سهامه النقدية بالرغم من أن صاحب الكتاب يؤكد أن تعرضه لقضايا الامة الحالية هو في عمقه “خوض فلسفي”.

وأقوى انتقاد يوجهه “طه عبد الرحمان” للنظام السعودي في كتابه الجديد هو قوله: “فإذن كيف لنظام سياسي مختل الوجهة أن يحمي قبلة المسلمين، فضلا عن حماية إيمانهم! بل كيف له، وقد فقَد وِجهته مستقويا بأعداء الأمة، أن يحمي أيَّ شيء، حتى ولو كان حكمَه نفسه!”..

ويؤكد “الفيلسوف” أنه حتى إذا تم القضاء على النظام الإيراني، فإن النظام السعودي “سيجد له عدوا آخر يضمن لها دوام الاستنزاف لعوائد نفطه؛ ولا يبعد أن يكون عدوه الجديد هو النظام التركي”..

وخلص الكتاب إلى ان النظام السعودي “بات الهمُّ الشاغل له هو الوصول إلى هدفين اثنين: أحدهما، أن يتفرَّد بهذا النفوذ الإسلامي، مُحرِّما على غيره ما ظل يبيحه لنفسه، على الرغم من أنه لا يَمْلك من مصادر القوة إلا المال؛ والثاني، أن يمنع قيام أي نظام عادل في محيطه، إسلاميا كان أو عربيا، نظامٍ يمكن أن يبعث في شعوب الأمة الأمل بأن ترى أنظمتها تنتهج نهجه في الحكم”.

فهل يقصد من كلامه في الفقرة الأخيرة برفض السعودية قيام نظام عادل في محيطه العربي والإسلامي كل من “قطر و”تركيا”، خصوصا “قطر” التي لم يستطع “فيلسفونا” ان يشير إليها حتى بالاسم، ناهيك عن دولة “تركيا” التي ذكرها في كتابه على سبيل قريب من التزكية، فهل هاتين الدولتين لا تنطبق عليهما النظريات “الائتمانية” للفيلسوف “طه عبد الرحمان”؟

قد يدفع هذا الاستثناء إلى طرح مجموعة من علامات استفهام، خصوصا إذا تأكد أن “الفيلسوف” أوغل أيضا في انتقاد النظام الإماراتي وجعله أسوأ حالا من النظام الإيراني الشيعي عندما قال طه عبد الرحمان في كتابه الجديد: “اغترار النظام الإماراتي بقدرته أسوأ من اغترار النظام الإيراني بقدرته؛ إذ أن اغترار النظام الإيراني يرجع إلى تبنِّيه المركزية الشيعية في العقيدة والثورة، بينما اغترار النظام الإماراتي يرجع إلى تبنِّيه السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة العربية”..

يبقى السؤال المطروح على صاحب الكتاب هو: هل دولة تركيا وقطر وغيرهما من البلدان الإسلامية لا تتبنى “السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة العربية”، هذا فضلا عن وجود قواعد عسكرية قابعة في كل من قطر وتركيا؟

يلاحظ أن انتقادات طه عبد الرحمان كانت موجهة لدول عربية بعينها وهي الممثلة في محور السعودية ـ الإمارات، وهي الدول التي تفرض حصارا على “قطر” وتنافس النظام التركي في المنطقية، وبالتالي يكون صاحب الكتاب ـ عن قصد أو عن غيره ـ قد انحاز في تحليله الفلسفي أو على الأصح السياسي إلى محور دولي ضد آخر، و”تورط” في صراعات تحكمها مصالح وأجندات عالمية..

أما الذين لا يحسنون الظن بفيلسوفنا “طه” فسيربطون تحيزه السياسي هذا بانتمائه إلى المنظومة “الإسلامية” العالمية التي تدافع عنها كل من قطر وتركيا، خصوصا إذا أثاروا مسألة انتماء صاحب الكتاب إلى “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الذي عقد اخيرا في مدينة اسطنبول وانتخب على رأسه “أحمد الريسوني” أحد رموز الاسلام السياسي في المغرب والآن في العالم..
أمينة السليماني