مفهوم المواطنة من خلال وثيقة المدينة

هذا المقال جزء من بحث قدمه عبد الرزاق سماح، عضو مؤسس سابق لحركة المجاهدين بالمغرب، كمشروع نهاية الدراسة في شعبة الدراسات الإسلامية لنيل شهادة الإجازة بعنوان: “مفهوم المواطنة من خلال وثيقة المدينة”، وهو يمثل بعدا من الأبعاد الحضارية لهذه الوثيقة، يُتبع بمقالات أخرى تُظهر ضرورة قراءة جديدة للسيرة النبوية العطرة لمعرفة الغاية الحقيقية من بعثة المصطفى للبشرية جمعاء:
……………….
“إن وثيقة المدينة تعتبر أول دستور ووثيقة حقوقية نظمت العلاقة العضوية بين أفراد الجماعة السياسية (المسلمين وغير المسلمين)، مثلت عهدًا وميثاقاً قانونياً وحقوقياً جديداً، يحدد العلاقة الاجتماعية بين مختلف مكونات مجتمع المدينة وضوابطها وحدودها بتفصيل. حيث اعتمد الرسول في الوثيقة مبدأ المواطنة الكاملة التي يتساوي فيها المسلمون مع غيرهم من ساكني المدينة المنورة ومن حولها، يوضح الحقوق وواجبات كل عنصر من عناصرها، كما يؤكد على احترام التعددية العقدية والقومية.”
هل تعلم : “أن (صحيفة المدينة)، عدت أول وثيقة حقوقية نظمت العلاقة العضوية بين أفراد الجماعة السياسية وضمنت الحقوق والواجبات على أرضية التعددية الدينية والعرقية، فكانت بحق أول عقد مواطنة متقدم على عصره كرس المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنة العصرية.”
هل تعلم : “أن الإسلام لا يرى حرجا في وضع دستور مكتوب للوطن الذي يتكون من مجموعات مختلفة أصولا وعقيدة، يوحدها العيش في حدوده، يكفل للجميع ما كفلته وثيقة المدينة من حقوق وواجبات”
هل تعلم : “لو كان معنى الوطن هو الوطن العقيدة فقط ، دون النظر الى الوطن النشأة، لما سمي إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إخراجا من الوطن، لأنهم أخرجوا من مكة وهي دار شرك إلى المدينة بعد أن أصبحت مأوى للمؤمنين.”
هل تعلم : ” أنه لايتعارض حب الإنسان لوطنه مع حبه لدينه وعقيدته وأمته،فحب الوطن منه المشروع وهو الحب الذي يقوم على الولاء والإنتماء، وليس على العصبية والعنصرية والقوميات البغيضة، ومنه الممنوع وهو الحب الذي يقوم على العنصرية والأنانية والنظرة الضيقة وازدراء الآخرين،والتحلل من الإنتماء للوطن الأكبر وهو أمة الإسلام، ولاينسجم مع مبادئ الإسلام ولا مع مُثٌله العليا.”
هل تعلم : “أن من صفات المواطنة الحقة الدعاء لوطنه بالأمن والأمان وزيادة الرزق اقتداءً بأبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. فحب الوطن لا يكون إلا من مواطن غرست فيه المواطنة الصالحة؛ التي تقتضي الدعاء للوطن ولأهله، لتحقيق السعادة الحقيقية، وهو العيش في الوطن في ضوء العدل والعزة والكرامة والرخاء ، حيث لابد منها جميعاً لاستقرار الحياة السعيدة.”
هل تعلم : ” أن من لا خير فيه لأهله فلا خير فيه لوطنه، ومن لم يتعود القيام بواجب الانتماء بعد الإسلام لأبيه وأمه فلن يرجى منه القيام به تجاه وطنه”
هل تعلم : ” أن مساواة جميع المواطنين أمام القانون،أي المساواة بين المسلم و(الآخر) « اليهودي، والوثني» قائمة بينهم على أساس القيمة الإنسانية المشتركة، فالناس جميعا متساوون في أصل الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسئولية، وأنه ليس هـناك جماعة تفضل غيرها بحسب عنصرها الإنساني وخلقها الأول”. “«فالوثيقة» جاءت بمفهوم جديد للمساواة وهي أنها : لا تعني المثلية، وإنما تعني أن تحكم العلاقات بين الناس كافة في المجتمع قواعد عامة ومجردة، سابقة على نشأة تلك العلاقات، تساوي بينهم من حيث هـم بشر، وإن اختلفت عقائدهم”.
هل تعلم : “لقد وفرت «الصحيفة» لغير المسلم في المجتمع الإسلامي وجودا اندماجيا يحافظ فيه على جميع مكونات شخصيته، وفي طليعتها المكون الديني وما يرتبط به من ممارسات وعادات، بها يؤكد ذاته عقديا وثقافيا ونفسيا، ومعها يثبت خصوصيات هـويته داخـل المقومات العامة لهذه الهوية التي بها تكون المواطنة، مما يتحقق به الانتماء إلى ذلك المجتمع”
هل تعلم : “أن أساس المواطنة بالنسبة لغير المسلمين هـو «الولاء» للدولة الإسلامية عن طريق العهد؛ لأن حق المواطنة لا يستلزم وحدة العقيدة ولا وحدة العنصر.”
هل تعلم : “أن الولاء والبراء للإسلام لا يتعارض مع الولاء للوطن، بل لا نجد مشكلة قيمية معرفية حقيقية بين مبدأ المواطنة ومبدأ الأخوة الدينية، فالأخوة الدينية هنا رابطة معنوية متحررة عن الزمان والمكان، أما المواطنة فهي رابطة التعايش المشترك بين أفراد يعيشون في زمان معين ومكان محدد ضمن وحدة سياسية تسمى الدولة.”
هل تعلم :”أن التأصيل الشرعي للوطنية يتمثل في دعوة الإسلام للإهتمام بمصالح الرعية، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. فالوطنية ضرورة اجتماعية من ضرورات التقدم والنهوض في شتى ميادين الحياة؛ ولهذا دعا الإسلام إلى غرسها وتعميقها بين أبناء المجتمع حتى تستمر الحياة الطيبة، كما جعل أكثر الناس أجرًا وأعظمهم منزلة عند الله تعالى من حقق درجة كبيرة من معاني الوطنية، بحيث تصبح الوطنية صفة حقيقية له قولا وعملا لصالح المجتمع والجماعة، فتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة.”
هل تعلم : “أن كل من يحمل تابعية الدولة يتمتع بالحقوق التي قررها الشرع له سواء أكان مسلماً أو غير مسلم. ويطبق الإسلام على جميع الرعايا باعتباره قانوناً للجميع، فحين تطبق أحكام المعاملات والعقوبات مثلاً، ينظر إلى الناحية التشريعية القانونية، لا الناحية الروحية الدينية.”
هل تعلم : “أن الوطنية هي محصلة للمواطنة، فلا وطنية جيدة، بدون مواطنة جيدة، لكن المواطنة يمكن أن تتم دون وطنية. فالوطنية ذات علاقة بالتاريخ والهوية، أما المواطنة فهي التناغم والإيقاع الحياتي اليومي.”
هل تعلم : أن تركيز معنى المواطنة على أنها فقط مجرد مسألة حقوق وواجبات دون بعد يحمل معنى (الضابط الأخلاقي)، فإن آداباً وسلوكيات عدة سوف تغيب عن معنى الحياة الاجتماعية كما هي تغيب اليوم عن حياة المجتمع الغربي بشهادة خبرائهم الاجتماعيين.
ولذلك فالسمو على الحسابات الشخصية هو “مبدأ روحي لمعنى المواطنة”.
هل تعلم : “أن الالتزام الديني حينما يضاف إلى الممارسة العملية لمفهوم المواطنة/الوطنية، يشكل مرجعية في ضبط هذا المعنى دون مغالاة أو إجحاف لكل من حق الفرد في الحرية وحق الحكومة في السيادة.” “ويمكن القول بأن المساهمة الأبرز في توسيع مفهوم المواطنة إسلاميًّا وبناءها على أساس الإخاء والتراحم، جاء بها المفكر والفيلسوف المغربي البارز “الأستاذ طه عبد الرحمن”، وهو يشير إلى الاعتراض الأساس الذي قد يطرحه الحداثيين من كون مفهوم “المؤاخاة” و”التراحم” على خلاف مفهوم “المواطنة” و”التضامن”، فهما مفهومان غير حداثيين بل سابقين على الحداثة.”
هل تعلم : “أن التصور الليبرالي يفضي إلى إيقاع المواطنة في انفصال مثلث هو: “انفصال الذات عن الواقع وعن الآخر وعن نفسها”،بيَّنما التصور الجماعاني يفضي إلى إيقاع المواطنة في انغلاق مثلث هو: “انغلاقها في الجماعة والخصوصية والعادات”.”
هل تعلم : “أن البعض يتصور أن التمسك بالإسلام وجعله أساسا لنظام الحياة ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة الإسلامية ، وينافي الوحدة بين عناصر الأمة وهي دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر،لكن الحق غير ذلك تماما. فالإختلاف الإثني والطائفي والديني لا يشكل أي عوائق وموانع أمام تحقيق مفهوم المواطنة في الإسلام لأي إنسان يشترك مع غيره في وطن واحد،بل يحقق له المساواة العامة في الحقوق والواجبات.”
هل تعلم : “أن الإسلام ومن خلال النظام الملي، قد لبى الحاجات النفسية والتطلعات والأشواق الروحية لكل مقيم على أرضه،
فليس للأكثرية الحق في أن تمحق شخصية الأقلية أو أن تزيل مزاياها وتذيب خصائصها.. وفي الوقت نفسه ليس للأقلية أن تعمل على إثبات خصوصياتها من خلال الانتقاص من حقوق الأكثرية،أو تدمير خصائصها، أو استنكار تمتعها بخصوصياتها ومزاياها.”
هل تعلم : “أن التوازن في المجتمع الإسلامي يقوم على:
– عملية الاعتراف بالخصوصيات والمزايا لسائر المنتمين إلى هذا الكيان،
– وتقنين هذه المزايا والخصوصيات بشكل يسمح للأكثرية والأقليات بالنمو والازدهار، لتتحول المزايا والخصوصيات المختلفة إلى وسائل تنوع إيجابية في الكيان الجماعي.”
هل تعلم : “أن التشريع الإسلامي قام بحماية غير المسلم مرتين:
– مرة حين بسط عليه ظله الوارف كبقية المسلمين ومنحه مثل ما منحهم من حقوق،
– ثم نظر إليه مرة أخرى لحماية خصوصياته الملية والعرقية من الذوبان أو الإذابة والدفاع عنها بالقوة نفسها التي يحفظ فيها للمسلم ذلك”
هل تعلم : “أن الأقليات في العالم الإسلامي قد استطاعت أن تبقى و تستعصي بكل ثقافاتها وخصائصها على الإذابة، لأن هذا النظام (النظام الملي ) قنن لها هذه الخصوصيات وحفظها، فاستطاعت أن تعيش كل هذه القرون وتؤدي أدوراً هامة في سائر البلاد التي عاشت فيها، ووصل أبناؤها في بعض الفترات إلى مراكز مرموقة جداً. وقل أن تجد مدينة إسلامية ليس فيها وجود متميز ملحوظ لأقليات دينية تتمثل في أحياء كاملة تحمل كل السمات الدينية والاجتماعية لتلك الأقليات، مثل “حارات أو أحياء اليهود والنصارى وسواهم”.
هل تعلم : “أنه لم يعتبر المسلمون المغاربة اليهود أقلية على مستوى المعاملة، بل كانوا كالمسلمين موجودين في كل الأنشطة و المجالات، منتمين إلى كل الطبقات الاجتماعية، مسهمين في بناء المجتمع، مكلفين بوظائف و مهمات من الدولة، متميزين بثقافتهم. و لولا جو الإطمئنان و الحقوق التي تمتعوا بها لما كان لهم الإسهام المشهود إلى اليوم في العلوم الدينية و الاجتهادات الشرعية المتميزة داخل التراث اليهودي في العالم.”
هل تعلم : “لقد عرف تاريخ المغرب نموذجا حضاريا متميزا في مجال التعايش والتفاعل مع أهل الديانات الأخرى ولاسيما اليهود والنصارى. ومن العهود المشرقة في تاريخ هذا التعايش ما أسفر عنه الالتقاء على صعيد بناء الحضارة المغربية الأندلسية، حيث ازدهرت بين مختلف الطوائف التجارات و الصناعات و الفنون و تبادل ثمرات الحكمة و الفلسفة و العلوم. ولاسيما عندما انتقل عدد كبير من المسلمين من الأندلس إلى المغرب في ظروف عصيبة، وانتقل معهم يهود انضافوا إلى اليهود الموجودين في المغرب منذ ما قبل الاسلام. “هل تعلم : “إنَّ المفهومَ السلبيَّ للتعايش -بمعنى التنازل عن العقيدة أو تقديم نصف عقيدة أو بعض دين- مرفوض تحت أيِّ مسمًّى جاء به ؛ بيد أن المفهوم الإيجابي له بالتوصل إلى مستويات أخلاقية في الحوار، والاتفاق على أسس العيش والتصالح، وتقديرِ الاختلاف، والاعترافِ به، والاعتراف بالتعدُّدِيَّة؛ أمر جاءت به الشريعةُ الإسلاميةُ. “إن معنى التعايش هو: قبول التصالح الدنيوي والوجود والجوار في الاتفاق على جملة من الأخلاق الإنسانية التي تتيح فرصة لتبادل الحوار والإقناع. والمؤمن معتدلٌ في رؤيته للإصلاح ، حريصٌ بطبعه قدر المستطاع على دفع الباطلِ بالحق والجهلِ بالعلم. فالرؤية المثالية التي يحمل بعضنا الناس عليها هي بمثابة حملهم على جبل وَعْر، وقد لا يتحملون ذلك. فالتعايشَ لا يَعنِي تركَ رأيِكَ الخاصِّ الفرديِّ، فضلًا عن عقيدتك ودينك لأنه جزءٌ من شخصية المرء، ولا يملك أحد أن يطالبَ الآخرين بتغييره أو مخالفته. والمطلوب هو: التخلي عن التعصب المحتقن، والانفعال الجاري في غير قناته، وإحلال الحوار والدعوة بالتي هي أحسن محله.” “فالتعايش: تَرْكُ التعصبِ للرأي والإكراهِ فيه،لا تركُ الرأيِ نفسِه أو المساومة عليه، وبين هذا وذاك بون عظيم.”
هل تعلم: “إن التعايش هو نوعٌ من التعاونِ والتعارفِ في المشترك الحضاريِّ والإنسانيِّ وتبادل الخبرات، التي تعين الإنسان على عمارة الأرض، ونشر قيم الخير التي يتفق الناس على الاعتراف بها، وذلك كله لا يعني الدعوة لأفكار المختلف أو شرعيته دينيا،
بل القبول في التعايش الدنيوي لفتح الحوار دينيا ودنيويا.”
هل تعلم: “أن القوة في تحمل الناس بآرائهم وخلافاتهم، والسيطرة على دوافع النفس وشهواتها ونزغاتها، وكبح جماحها، وليس في فرض الرأي بالقوة. يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين- : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»”
هل تعلم: “أن نجاح التعايش مرهون بصوتِ العقلاءِ الَّذين يقدِّمون لغة الحوار الهادئ الهادف الذي يحقق المنشود، ويصل لهدفه بيسر وسهولة، كما أن إخفاقه مرهون بصوت الحمقى الذين لا يعرفون إلا مصالحهم فقط، حين يعتمدون لغة القوة والعنف بشكل كبير في إداراتهم ومطابخ قراراتهم.”
هل تعلم :”أن الدين لم ينزل – كما يظنه البعض- لتأجيج الصراع بين الناس، بل لضبط العلاقة وتنظيمها وعمارة الأرض. يقول الله جل وعلا: “هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا”{هود: من الآية61} فقالت الملائكة لربها تبارك وتعالى: ” أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ”[البقرة: من الآية30]؛ فندركُ من هذا أن اللهَ لم يخلق البشرَ ولم ينـزِلِ الكتبَ لأجل أن يحتربوا ويتنازعوا. إنه مما يلزم مراعاته فقه تحقيق المصلحة ودرأ المفسدة، ذلك أن مصلحة التعايش ظاهرة وميسرة، ونفعها جلي…”
………………….
إن الجانب السياسي في الإسلام جزء من المنهج الإسلامي المتكامل،فالإسلام نظام شامل يتناول كل مظاهر الحياة سياسية كانت أو جتماعية أو إقتصادية أو ثقافية…الخ. وقد وضع الله عز وجل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوة و قدوة لحياتنا ومثلنا الأعلى في كل شئ.. ووضع في شخصه العظيم صلى الله عليه وسلم الصورة الكاملة للمنهاج الإسلامي، والوحدة القياسية وحالة السواء، والصورة الحية الخالدة على مدار التاريخ للإنسانية جمعاء… فربانية المنهج الإسلامي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، لا يمثل ، ولم يمثل إشكالية لأتباعه بين مصالحهم ومبادئهم، ولا بين السقف الحضاري الذي يعيشونه في لحظة تاريخية معينة ، وقيم الإسلام الثابتة. وبما أن الإسلام دين الله للبشر فقد جعل قيمته الكبرى وهي العبودية لله حاكمة على تلك الدوائر المحيطة بالإنسان (الأسرة ، العائلة ، القبيلة ، الوطن .. إلخ) كلها، صابغة إياها بصبغة الإسلام المتميزة ، مما يجعل تلك الدوائر متناغمة فيما بينها دون تشاكس تبعاً لوحدة القيم الموجهة لها. لكن بعض المسلمين – في هذا العصر –أصبحوا يتعاملون مع قضايا الحياة لا من خلال قيم دينهم مباشرة ، ولا من خلال مصالحهم المستقلة ، وإنما من خلال التفاعل مع حضارة الآخر إما استلاباً لمعطياته الحضارية ، أو مخالفة لها ورفضاً ، بذريعة العداء التاريخي مع هذا الآخر، أو الاختلاف الديني معه.
وقضية المواطنة من هذه القضايا ، فقد غالى بعضهم في الانفعال بها في منطلقاتها الفكرية التي تجعل محور الولاء هو الوطن بديلاً عن الدين باسم (الوطنية)، وضاد ذلك آخرون فحاربوها باسم الإسلام، هذا في الجانب الفكري.
أما الجانب العملي فإن تعامل كثير من المؤسسات المعنية بها لم يكن بالجدية المفترضة بشأنها ، ولا ينفي ذلك وجود اهتمام ببعض الأشياء الجانبية كالنشيد الوطني وتحية العلم وإحياء التراث الشعبي الوطني ، إنما المقصود أن المواطنة بصورتها الحضارية حقوقاً وواجبات وحفظاً للذمام ، واحتراماً للنظام ، لم تأخذ حقها المطلوب ولم تؤصل في النفوس مما جعل الولاء للوطن مجالاً للمساومة أمام جواذب الأيدلوجيات المنطلقة من خارج الوطن.(1)

أسباب إختيار للموضوع:
ومن أسباب اختياري لهذا الموضوع “مفهوم المواطنة من خلال وثيقة المدينة” هو:
أولا: الفهم الخاطئ لكثير مما جاء في تراثنا الفقهي من أحكام في مجال السياسة الشرعية،مما أدى إلى ظهور بعض اتجاهات الغلو،وانتشار الفتاوى الخاطئة التي كانت سببا في دمار كثير من البلاد وشتاتها.
ثانيا: النزعات الطائفية التي ملأت بلاد المسلمين سببها الرئيس الإنتماء العرقي أو المذهبي أو الديني، مما جعل الباحث يظن أنه لا مخرج من هذه الفتن إلا بقية جامعة، تجمع بين الثقافات المختلفة والإنتماءات المتعددة ألا وهي قيمة المواطنة الإسلامية.
ثالثا: تعامل بعض المسلمين مع بعض من قضايا الحياة من خلال التفاعل مع حضارة الآخر،إما أخذا لمعطياته الحضارية كاملة دون تمحيص،أو مخالفة لها ورفضا،بذريعة العداء التاريخي،أو الإختلاف الديني معه،وقضية المواطنة من هذه القضايا.
رابعا: الرد من خلال البحث على من يزعم من الغربيين أن مفهوم المواطنة غريب عن الإسلام نظرا لعدم وجود مثل هذا المصطلح في الأدبيات الإسلامية.وقد تبعهم في ذلك باحثون عرب ومسلمون،وذلك راجع- في رأيي- إلى أنهم يلتمسون تطابق مفهوم المواطنة في صيغته الغربية، مع مفهومه في الإسلام.
خامسا: الحاجة إلى تحقيق تراكم في الدراسات الإسلامية الهادفة،خاصة حول القضايا السياسية الجديدة،وهو عين موضوع التجديد المطروح على الساحة الفكرية،فكانت هذه المساهمة البسيطة في هذا الميدان.
ولا يخفى أن مناقشة هذا الموضوع من منظور إسلامي له أهمية خاصة،لأن له جانبا تعبديا في نفوس المسلمين،وجانبا ماديا بقوة القانون لغير المسلمين،وللمسلمين أيضا عند غياب الوازع الديني.
وقد تناول عدد من الباحثين قضية المواطنة بالدراسة والبحث،من الجانب السياسي أو الإحتماعي أو الفكري الفلسفي.وفي مجال الدراسات الإسلامية أفردها بالتأليف الأستاذ راشد الغنوشي في رسالة أصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي تسمى ” حقوق المواطنة” (حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي). وقد اقتصر بعض الدارسين عند بحثهم في مسألة المواطنة على حقوق الأقليات غير المسلمة، ككتاب الدكتور/يوسف القرضاوي “غير المسلمين في المجتمع الإسلامي”. أو كدراسة الدكتور/صلاح سلطان التي عنونها”مواطنة المسلمين في غير ديار الإسلام”.
والبحث لابد أن يكون شاملا عند دراسة القضية لجميع مكونات المجتمع،لأنهم جميعا طرف في علاقة المواطنة.ومن الكتب التي أجادت وأفادت كتاب”المواطنة في الشريعة الإسلامية-دراسة فقهية مقارنة- للدكتور/ياسر حسن عبد التواب جابر. وهناك عدد غير قليل من الدراسات في الفكر السياسي في الإسلام،أو في الفكر السياسي عند كثير من علماء المسلمين في عصور مختلفة،لكن لم يكن التركيز على قضية المواطنة بقدر التركيز على الأطر العامة للفكر السياسي.

نبذة تاريخية:
“إن فقهاء القانون الدستوري إذا تحدثوا عن تاريخ بدء الدساتير المكتوبة عدُّوا في أولها دستور الولايات المتحدة الأمريكية الصادر سنة 1776م والمعروف بدستور فيلادلفيا، والدستور الفرنسي الذي ظهر في الفترة الثورية سنة 1789-1791م… واعتبرت السلطات الحاكمة إذا خرجت عن الدستور أو القواعد الدستورية التي كانت الأساس في وجودها، أنها قد هـدمت أساس وجودها القانوني، وبذلك تفقد الصفة القانونية ، وإذا فقدتها زالت صفة الشرعية عن تصرفاتها، وعلى ذلك يتعذر تصور وجود الدولة القانونية بدون وجود الدستور، ومن هـنا كان وجوده أساسا في إقامة الدولة القانونية.
لكن إذا ما عدنا إلى ما قبل أحد عشر قرنا تقريبا من ظهور هـذه الدساتير يتبين لنا أن هـناك من الحقائق ما لا يستطيع أحد أن ينكره، ذلك أنه على إثر التعاقد السياسي بين النبي والأنصار في بيعة العقبة الثانية وهجرة الرسول إلى المدينة، تكونت دولة جديدة -متنوعة الأديان والأعراق- على أساس دستور مكتوب -وهو «الصحيفة»-، لها ذاتية مستقلة تُميزها عن غيرها، يحكمها قانون واحد وتسير حياتها وفقا لنظام واحد، وتهدف إلى غايات مشتركة بين جميع طوائفها.
وقد مثلت «الوثيقة» السـياسة الداخلية للدولة الإسـلامية مع (الآخر) – اليهودي، والوثني- وهو ما يسمى في العصر الحديث بالقانون الدولي الخاص، وكذلك مثلت نظاما متكاملا للعلاقات الخارجية مع القبائل والشعوب والدول، وهو ما اصطلح عليه فيما بعد بالقانون الدولي العام .”(2)

إشكالية المفهوم ( المواطنة):
لهذا المفهوم إشكالاته الكثيرة والكبيرة، سواء من حيث نشأته،أو من حيث تطوره وتوسعه، ولن أخوض هنا في إشكالية النشأة لأن المفاهيم تستند إلى تراكمية الخبرة الإنسانية ونحن لن نسمح لأنفسنا بالغرق في نمذجة أو تجريد ومثالية بعض الرؤى على حساب الواقع الماثل والحاضر المعاش . أما الإشكال الثاني للمفهوم وهو أنه يتطور ويتوسع ـ وهذا شأن المفاهيم الحية ـ فهو يستحق الوقوف إذ عليه يتأسس الحديث الفكري والفقهي . على أننا لا نريد تصنيم المفهوم الذي نخلص إليه بل نجعله مفتوحا وخاضعا لحركة التغيير الفقهي والمتمثلة بـ ( الزمان والمكان والأحوال والأشخاص ). وقد شهد مفهوم المواطنة تطوراً مطرداً باتجاه توسيع قاعدته وتعميق معناه وزيادة الحقوق المترتبة عليه. ويغلط البعض سواء في ذلك الباحث المسلم أو الباحث السياسي أو الإجتماعي حين يحصرون مفهوم
( المواطن ) في الفكر الإسلامي بما يساوي ( المسلم ) أو بما يساوي ( المسلم والذمي ) ثم يقحمون في البحث أحكام أهل الذمة ، وهي أحكام دونت في ظروف مختلفة وهي بحاجة إلى قراءات وقراءات في ضل معطيات الفقه المعاصر .
ويقع غلط آخر حين يختلط مفهوم( المواطنة ) بنظام الجنسية وشروط اكتسابها، وهذا الغلط منشأه الفكر السياسي، وقد انساق بعض الباحثين في الشأن الإسلامي مع هذا الغلط .وبتجريد المفهوم من الأغلاط اللاحقة له يصبح أكثر وضوحا أمام المفكِر الفقيه.
وبناء عليه فلا بد من تحرير مفهوم فكري فقهي جديد للمواطنة لا يقف عند الحد اللغوي ولا ينساق وراء النٌظم السياسية دون وعي (3).

حقيقة الوطن وارتباط الإنسان به:
إن محبة الأوطان، والانتماء للأمة والبلدان أمر فطري غريزي،وهي مسألة متأصلة في النفس وطبيعة جبل الله النفوس عليها… فحين يولد الإنسان في بلد ما، فهو مسقط الرأس، ومستقر الحياة ومكان العبادة ، ومحل المال والعرض ومكان الشرف،ينشأ ويترعرع بين أحضانه،على أرضه يحيا ويعبد ربه، ومن خيراته يعيش ومن مائه يرتوي، وكرامته من كرامته، وعزته من عزته، به يُعرف وعنه يُدافع، يحيا بين أهله وإخوانه، فإن فطرته ترتبط به، فيحبه ويواليه، ويجتهد في رفع شأنه، وتحسين صورته، ويذب عنه لمن يتكلم في حقه، أو يريد إيقاع الضرر به، وهذا كله مرتبط بما يكون عليه هذا الوطن. فارتباط الإنسان بوطنه وبلده نعمة من الله على الفرد والمجتمع.
فهو كامن في كل نفس بشرية، ويستشعر ذلك الإنسان حينما يترك بلده مهاجراً إلى بلد آخر، فيشعر بالحنين والشوق له، وتتحرك عواطفه الكامنة الدالة على محبته. ويظهر ذلك أيضاً حينما يصاب بلده باعتداء أو ظلم، فيبادر إلى الدفاع عنه، والذب عن حياضه، ويحزن إذا كان بعيداً عنه لعدم قدرته في الدفاع عنه، فيكون لسانه سهماً في جلب الدعاء على من اعتدى عليه.
فالحديث عن حب الوطن، حديث ذو شجون وكيف لا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم حينما أخرجه قومه من بلده التي نشأ بها، وترعرع بين جنباتها حزن أشد الحزن، فقال وهو يغادرها: (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ).(4) فهذا الوطن الذي يتعلق به المسلم يحتاج إلى وجود المواطن الصالح الذي يعرف قيمة وطنه، ويعمل على علو منزلته ورفع شأنه بين سائر الأوطان… فالأوطان اليوم حقيقة دستورية وقانونية، وقبل ذلك فهي حقيقة شرعية أمر بها الإسلام، والعلاقة بين أبناء ومكونات هذه الأوطان قائمة على تلك الحقوق والواجبات بصرف النظر عن دين وقومية أبناء هذا الوطن. فجميع الأوطان في هذا الوقت تضم أجناساً بشرية مختلفة، ومكونات أيدلوجية أو قومية أو عرقية متنوعة، إلا أن الجامع الذي يجمع هؤلاء جميعاً هو نظام الوطن والمواطنة الذي لا يخل بديانات الناس.(5) فالشخص يركن في حبه وولائه الى الجهة التي يشعر فيها بالخير الأكبر والعطاء الأوفر، لله سبحانه وتعالى فهو صاحب الفضل والنعمة الكبرى: ( وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).فكما لا تتعارض محبه الأسرة أو محبه الجيران وأهل القرية مع محبه هذا الدين والانتماء إليه، فكذلك محبه الوطن لا يمكن أن تضيق بها الدائرة الكبرى التي يجتمع عليها جميع المسلمين. ومن المؤكد أن إحسان الإنتماء للوطن يتوقف قدر كبير منه على تلقين الأبناء الألفة والولاء في ضل الخلية الأولى للمجتمع وهي الأسرة، وهذا يعكس اهتمام الإسلام بها مقدرا من خلال ذلك الاهتمام” أن من لا خير فيه لأهله فلا خير فيه لوطنه، ومن لم يتعود القيام بواجب الانتماء بعد الإسلام لأبيه وأمه فلن يرجى منه القيام به تجاه وطنه”. والبشر يألفون أرضهم على ما بها ولو كانت فقرا مستوحشا، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدفع عنه إذا هوجم، ويغضب إذا نقص، والوطنية بهذا التحديد الطبيعي شي غير مستغرب….. وهذه السعادة بالعيش في الوطن والكآبة لتركه مشاعر إنسانية لا غبار عليها ولا اعتراض.
ولما كان الخروج من الوطن قاسيا على النفس صعبا عليها فقد كان من فضائل المهاجرين من الصحابة على الأنصار أنهم ضحوا بأوطانهم في سبيل الله ، مما يدل على أن ترك الوطن ليس بالأمر السهل على النفس، وعليه فإن الأصل في الإنسان أن يحب وطنه ويتشبث بالعيش فيه ولا يفارقه رغبة عنه، ومع ذلك فإن خرج فلا ينقطع الحنين والحب للوطن والتعلق بالعودة إليه.
المعنى الاصطلاحي للمواطنة: عَرَّفَت دائرة المعارف البريطانية encyclopedia Britannica””: المواطنة بأنها: “علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة ، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة” ، وتؤكد كذلك على أن المواطنة تدل ضِمناً على مرتبة من الحرية مع ما يُصاحبها من مسؤوليات. وتُعَرِّفُهَا موسوعة كولير”Collier,s Encyclopedia” الأمريكية، كلمة “citizenship” ويقصد بها مصطلح المواطنة ومصطلح الجنسية دون تمييز بأنها: “أكثر أشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالاً” وتطرح دراسة حديثة للمواطنة على أنها تجسيد لنوع من الشعب يتكون من مواطنين يَحترم كل فرد منهم الفرد الآخر، ويتحلون بالتسامح تجاه التنوع الذي يَزخر به المجتمع ، وأن يُعامل القانون على قدم المساواة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع ، بصرف النظر عن وجوه التنوع العرقية والدينية والثقافية التي ينتسبون إليها. (6)
إن موضوع “المواطنة” قد مثّل جزءاً من مشكلة “الهوية” والمفاهيم المختلفة التي ارتبطت بها منذ بدء احتكاكنا الفكري والثقافي والسياسي والعسكري بالغرب في القرن الماضي.
وإذا كانت المسألة قد حُسمت على صعيد الواقع منذ أن تمزقت الدولة العثمانية وتحولت أشلاؤها العربية وغيرها إلى دول وحكومات قومية وإقليمية فإن المسألة لم تنته على المستوى الفكري والثقافي، بل بقيت سؤالاً كبيراً يُطرح بشكل تحد أحياناً وبشكل عذر أو ذريعة أحياناً، كما يطرح بشكل تساؤل أحياناً أخرى، وأياً كان الشكل الذي يُطرح الموضوع به فقد بقي موضوعاً شديد الحساسية كبير الخطر.
حتى إذا بدأت مظاهر الشيخوخة والكبر والفشل تبدو على قواعد الدولة القومية والدولة الإقليمية الوطنية في بلاد المسلمين بدأ البحث يشتد حول صيغ جديدة للهوية والانتماء، وأفضل أساليب تنظيم العلاقات بين شعب كل قطر من ناحية، وبينهم وبين الحكومات المهيمنة على مقدراتهم حزبية كانت أو عسكرية أو غيرها من ناحية أخرى، وتضاعف حجم ذلك السؤال كثيراً ونما بشكل هائل. وحين بدأ الاتجاه الإسلامي في الأمة يتحرك، وترشح بعض فصائله نفسها بديلاً سياسياً وتؤكد أن “الإسلام هو الحل” حُوّل السؤال إلى مشكلة كبرى تطرحها بوجه العاملين في الحقل الحركي والسياسي الإسلامي على اختلافهم سائر الفصائل العلمانية والدنيوية الأخرى، وأصبحت هذه القضية أداة من أدوات الصراع السياسي في العالم الإسلامي الحديث. وكثير من الحكومات السائدة في بلاد المسلمين تحتج بوجود أقليات غير مسلمة لحرمان الأكثرية المسلمة التي قد تبلغ 98% أو تزيد من حقها في اختيار الشريعة التي تتحاكم إليها، وكثير منها تتهم الحركات الإسلامية بأن وجودها، وحده، فضلاً عن مبادئها ومطالبها وأهدافها يعتبر تهديداً “للوحدة الوطنية” يقتضي سن “قوانين طوارئ” وتعطيل القوانين المدنية…وها هو الأخ الأستاذ راشد الغنوشي يعلن في كتابه هذا اتساع الإسلام لقبول مفهوم “المواطنة” كما هو في الوعي المعاصر ويدلل لهذا القبول ويعلل له ويؤصله ليكون اجتهاداً معتبراً شرعاً تستجيب له القلوب المسلمة وتقبله العقول…هناك بعض الملاحظات لابد من الإشارة إليها وهي أنه يجب اعتبار مقصد سلامة المنطلقات الإسلامية أكثر من المصلحة السياسية المتحركة المتغيرة، منبهين إلى أن المنطق الإسلامي الفكري يعتبر الدعامة الأساسية للمشروع الحضاري الإسلامي الذي يقوم على ثوابت الإسلام، لا على متغيراته، وحين ينظر المشروع الحضاري الإسلامي إلى المتغيرات فإنما ينظر إليها في إطار تلك الثوابت(7).
إن استعارة مفاهيم من نسق حضاري مختلف له جذوره وأصوله الوثنية وقواعده المغايرة ليس كاستعارة ألفاظ عادية أو ترجمة مصطلحات ميكانيكية، زراعية أو صناعية أو وسائل وأدوات حضارية، وإن كنا نرى أنه حتى في هذه المصطلحات هناك أمور كثيرة لا بد من ملاحظاتها، لأن وراء كل من الآلة والأداة والمصطلح الذي يعبر عنها أفكاراً لا يسعنا تجاهلها أو إهمال دورها في التأثير الفكري والعمراني، لكن الأمر في هذه قد يكون أهون خطراً وأقل شأناً من عملية استعارة مفاهيم مشحونة بجملة من الأفكار متصلة بكثير من القواعد، ومؤدية إلى كثير من الآثار في مختلف جوانب الحياة مثل “المواطنة” و”الديمقراطية” ونحوها.
ولعل من الملاحظات القليلة التالية ما ينبه إلى بعض مخاطر استعارة المفاهيم الحضارية من الأنساق المغايرة بحيث يتنبه المستعيرون إلى وجوب وضع الضوابط المناسبة، والمعايير الضرورية لهذا النوع من الاستعارة، لئلا تنهدم السدود بين الثوابت والمتغيرات في إطار الحوارات السياسية.
أولاً: إن كلمة “مواطن” تعبير لم يظهر ولم يجر تداوله إلا بعد الثورة الفرنسية سنة 1789م، أما قبلها فالناس ملل وشعوب وقبائل لا يعتبر التراب، إلا تبعاً لشيء من ذلك، وسيلة من وسائل الارتباط.
ثانياً: إن العلمانية الدنيوية، بعد ظهورها وبروزها، كتيار فكري ومنهاج حياة يقابل الدينية بالتقاطع أحياناً، والتلاقي والتحجيم والتجاوز أحياناً أخرى، استهدفت فيما استهدفته إذابة الفوارق والخصوصيات بين الناس، لأن من شأن الخصوصيات والفوارق دينية كانت أو عنصرية أو (إثنية) أن تعرقل مسيرتها، وأن تحد من فاعليتها في إذابة الفوارق وإقامة النظم الشاملة القائمة على المصلحة واللذة والمنفعة الدنيوية لا غير، لأنها كرست هذه الأمور باعتبارها البديل عن القيم الدينية والخلقية.
ثالثاً: إن نصوص القرآن العظيم المتعلقة بهذا الموضوع وما ورد تطبيقاً لها وتنزيلاً لأحكامها على الواقع مثل “ميثاق المدينة”(8) وما بُني عليه من تصرفات الخلفاء الراشدين وقيادات الصحابة والتابعين في الميادين المختلفة كانت تشير كلها، بوضوح شديد، إلى حرص الإسلام البالغ على مساعدة سائر أولئك الذين لم يقتنعوا بعد بالدخول في حظيرة الإسلام، على حماية خصوصياتهم الدينية والعرقية والمحافظة عليها. فبالإسلام يستحق غير المسلم ذلك كله مع الاعتراف له بخصوصيته الملية والعرقية وحمايتها والدفاع عنها إلى حد القتال إذا هددت من مسلمين أو غيرهم.
وبذلك يأخذ غير المسلم نصيبه الكامل من حرية التفكير والتدبر والتأمل والمقارنة، فيأخذ قراره بالبقاء على ما هو عليه أو التحول إلى الإسلام بحرية تامة. (9)

التأصيل الشرعي:
مفهوم المواطنة في القرآن الكريم:
لقد أكد القرآن الكريم على مكانة الوطن، وأن للديار حرمة، والاعتداء عليها بإخراج أهلها منها أو إذلالهم فيها تعتبر فعلة شنعاء وجريمة في حق أهله، وللوطن حق على أهله ألا وهو الحب، وحب الوطن أساس لمن يعيش فيه؛ لذا يصبح هذا الإنسان مواطن له مكانته ووضعه.
جاء القرآن الكريم ليكون الضابط لعاطفة حب الوطن والمواطنة، وحسن توجيهها وتحديد مسارها، بحيث يكون مسلكاً وسطاً للأمة الاسلامية، لقد وردت الآيات القرآنية التي تدل على الوطن والمواطنة.
– قال الله تعالى: (قل اِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَاِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ اِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(10). «فالآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والمساكن هذا هو الوطن منهي أن تكون أحب الى المسلم من الله ورسوله، وهذا يعني وجود الحب، والانتماء إلى الوطن، ولكن الممنوع تقديمه على محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم» ، فهؤلاء هم المواطنون في أي وطن، والوطن فيه الأموال، والمساكن.
وقول الله تعالى: (وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا) أي: «المراد بالمساكن التي يرضونها، المنازل التي تعجبهم، وتميل لها أنفسهم ويرون الإقامة فيها أحب إليهم»، فإذا أحب المواطن وطنه أحب الإقامة فيه هو وأهله وعشيرته، فكان هذا من الدواعي لأن يكون لهم حقوق وواجبات تعطى لهم.
– قول الله تعالى: (وإذ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)(11)
إن من صفات المواطنة الحقة الدعاء لوطنه بالأمن والأمان، وزيادة الرزق اقتداءً بأبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فيتضح «من هذا الدعاء ما يفيض به قلب إبراهيم عليه السلام من حب لمستقر عبادته، وموطن أهله، والدعاء علامة من تعبير الحب، وتعبير عنه»، فحب الوطن لا يكون إلا من مواطن غرست في المواطنة الصالحة؛ لذا تقتضي هذه المواطنة الدعاء للوطن ولأهله، لتحقيق السعادة الحقيقية، وهو العيش في الوطن في ضوء العدل والعزة والرخاء حيث لابد منها جميعاً لاستقرار الحياة السعيدة. قول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ اِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا)(12) .
فبين سبحانه وتعالى ما يشق احتماله كقتل الأنفس والخروج من الوطن لعصى الكثير منهم، ولم يطع إلا القليل، وهم أصحاب العزائم القوية الذين يؤثرون رضوان الله على حظوظهم وشهواتهم.»
إن المواطنة الصالحة تتحقق في أصحاب العزائم القوية؛ لذا يصعب عليها الخروج من الوطن، وهو يؤثر الخير والسعادة لوطنه، ولا يؤثر إلا رضوان الله على حظه وشهواته.
– قول الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا اِلَيْهِمْ اِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(13). إن الله سبحانه وتعالى قرن حب الدين مع حب المواطن لوطنه؛ لذا من حق المواطن العدل والبر الذي مأمور به من الله لمن لم يقاتل المسلم في دينه ولم يخرجه من وطنه، كما «أن الجمع بينهما دليل على مكانة كل منهما في الاسلام، وفي النفوس. »
– قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ اِلَى الْمَلَاِ مِنْ بَنِي اِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى اِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ اِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا اِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(14) .
– قال الله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)(15).
إن هذه الآيات تدل على أهمية الوطن، والقتال عنه وحمايته من شر الأعداء، وأثر إخراج المواطن من وطنه، والأجر المترتب على هذا الإخراج.
– قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْاِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ اِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(16).
ومن خلال الآيات يصبح الانتماء الوطني بعداً من أبعاد الإنتماء الإسلامي العام؛ إذ الوطن ضرورة من ضرورات إقامة الدين ليكون الوطن إسلاميا، وتـتحقق إسلامية عمرانه. (17)

من السنة:
1- لما هاجر المسلمون إلى المدينة دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يعوضهم بالمدينة عن فراقهم مكة.فعن عروة،عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت : لما أقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعك أبو بكر وبلال، قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مُصَبَّح في أهله °°° والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته يقول :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة °°° بواد وحولي إذخرٌ وجليلُ
وهل أردن يوما ما مجنة °°° وهل يبدون لي شامة وطفيل
وقال : اللهم العن شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، و أمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 🙁 اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها،وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة)(18).
فبلال رضي الله تعالى عنه ( يتمنى الرجوع إلى وطنه )، وتمني الرجوع إلى الوطن فرع عن حبه له ، وإذا أخذته الحمى أظهر ما في مشاعره ، وأحاسيسه تجاه وطنه بهذين البيتين يتمنى فيهما يوما أو ليلة يقضيها في الوطن ، ثم يعيب على ذلك بلعن الذين كانوا السبب في إخراجه من الوطن.
وفي نهاية الحديث إقرار من الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الحب ، فلم ينكر على بلال ، بل دعا أن يحبب إليهم المدينة كحبهم لمكة أو أشد حبا من مكة، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم بإيجاد هذا الحب دليل على مشروعيته والرغبة فيه والحرص عليه.
2- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة ( ما أطيبك من بلد وما أحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)(19).
فهو صلى الله عليه وسلم في مكة يحبها ويكره الخروج منها ولما هاجر إلى المدينة واستوطنها ألفها، ثم لما فتح مكة ، وخاف الأنصار إن يقيم فيها قال لهم: (المحيا محياكم والممات مماتكم). بل كان يدعو الله إن يرزقه حبها كما في صحيح البخاري رحمه الله تعالى 🙁 اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد) وقال السمهودي : أن معنى كلمة ( أو اشد ) أي بل أشد،فهو صلى الله عليه وسلم يدعو بأن يرزقه الله حب المدينة أشد من حبه لمكة لإستشعاره بأنها أصبحت بلده ووطنه التي يحن إليها، ويسر عندما يرى معالمها التي تدل على قرب وصوله إليها. فما الذي تغير في الأمر، إنه صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكة يصرح بحبها وعندما سكن المدينة صرح بحبها أيضا، ودعا إن يحبها أكثر من مكة. ومن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة ودعاء محمد صلى الله عليه وسلم للمدينة يظهر – والله أعلم – أن سبب الدعاء ليس أفضلية البقعة فحسب، وإنما لكون كل منهما دعا لموطنه، وموطن أهله، ومستقرعبادته.
المهم أن نلاحظ أن حب النبي صبى الله عليه وسلم تأثر بالبيئة التي عاش فيها ، فقد كان يحب مكة ويحن إليها، و لما عاش في المدينة وألفها أصبح يدعو الله أن يرزقه حبا لها يفوق حبه لمكة، فمحبة الوطن محبه شرعية ، يقترب بها العبد المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى.
وصار بعد ذلك يصرح صلى الله عليه وسلم بحبها ويحن إليها ويفرح إذا أقبل عليها ، ومن هذا يظهر والله أعلم أن الحب هنا متصل بالنشأة في مكة ثم في المدينة، وليس لما لهاذين البلدين من فضيلة خاصة وذلك لأمرين:
الأول : أن مكة – عند أكثر أهل العلم – أفضل من المدينة، والصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ،ومع ذلك فهو يدعو بحب المدينة أكثر من مكة ويدعوا بالبركة أكثر من مكة .
الثاني : لو كان معنى الوطن هو الوطن العقيدة فقط ، دون النظر الى الوطن النشأة لما سمي إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إخراجا من الوطن، لأنهم أخرجوا من مكة وهي دار شرك إلى المدينة بعد أن أصبحت مأوى للمؤمنين.
وعلى هذا فالمتبادر أن حبه صلى الله عليه وسلم مرتبط ببلده ، وإن كان لمكة ميزة شرعية فهذا أمر آخر، استدعى حبا على حب، وتعلقا على تعلق. أما المدينة فمزيتها وفضيلتها جاءت تابع لكونها بلد الرسول صلى الله عليه وسلم، فحب الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة سابق على فضيلتها سبقا زمنيا إذ قبل مجيئه إليها وسكنه فيها ومحبته لها لم يكن لها مزية أو فضيلة، وتبعا لذلك فمحبة الوطن والدعاء له أمر مشروع.
ولا يتعارض حب الإنسان لوطنه مع حبه لدينه وعقيدته وأمته،فحب الوطن منه المشروع وهو الحب الذي يقوم على الولاء والإنتماء، وليس على العصبية والعنصرية والقوميات البغيضة،ومنه الممنوع وهو الحب الذي يقوم على العنصرية والأنانية والنظرة الضيقة وازدراء الآخرين،والتحلل من الإنتماء للوطن الأكبر وهو أمة الإسلام،ولاينسجم مع مبادئ الإسلام ولا مع مُثله العليا.(20) فحين قدم الرسول المدينة استطاع من خلال «وثيقة» المدينة القضاء ولو بصورة مؤقتة، على تلك الخلافات والنزاعات والنعراة الجاهلية، وحول المدينة إلى وطن آمن للمسلمين واليهود والمشركين، وللنازحين إليها من أي قبيلة كانوا ولأي عنصر انتسبوا، عربا أو عجما، فظهر لأول مرة معنى الوطن، يتساوى فيه جميع الناس من غير نظر إلى الأحساب والأنساب والعصبيات والعقائد.
وقد مثلت هذه الوثيقة عهدًا وميثاقاً قانونياً وحقوقياً يحدد العلاقة الاجتماعية بين مختلف مكونات مجتمع المدينة وضوابطها وحدودها بتفصيل يوضح الحقوق وواجبات كل عنصر من عناصر المدينة،كما يؤكد مبادئ المواطنة وواجباتها، واحترام التعددية العقدية والقومية، كما تعتبر هذه الوثيقة أصلاً تفرعت عنه نصوص القانون الدولي في الإسلام،وتنظيم العلاقات بين مختلف الفئات باختلاف عقائدها ومواطنها.(21)
إنّ مفهوم المواطنة أصيل في الدين، ومفهوم قبول الآخر أصيل في الدين، ومفهوم التعايش بين الفئات المتعددة أصيل في الدين، وهذه النغمة التي نسمعها من حين إلى آخر أن المسلم لا يقبل الآخر.
فسيد الخلق وحبيب الحق ، خاتم الأنبياء والمرسلين، حبيب رب العالمين، بحياته وبوجوده وبتوجيهه وبتنظيمه، أجرى معاهدة ضمت قريشاً، وبني عوف، وبني الحارث من الخزرج، وبني ساعدة، وبني جشم، وبنو النجار، وبني عمرو بن عوف، وبني النبيت، وبني الأوس، هؤلاء طوائف واتجاهات، وألوان، وشرائح، وأطياف، كلهم ضمتهم معاهدة فيها توضيح شديد للحقوق والواجبات، ما لنا وما علينا، فما بال المسلمين اليوم لا يقبلون الطرف الآخر ؟ وهذا (أصله) من الدين. (22)
وتعتبر صحيفة المدينة أول دستور ينظم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين،حيث اعتمد الرسول في الوثيقة مبدأ المواطنة، فوضعت فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة الكاملة التي يتساوي فيها المسلمون مع غيرهم من ساكني المدينة المنورة ومن حولها.
ومن المعروف أن الدولة الإسلامية تحتكم في جميع شؤونها إلى الشريعة الإسلامية،وتعتبر البيعتين واقعتين دستوريتين في العهد النبوي، بل من أهم الوقائع الدستورية ،لأنهما نقطة الإنطلاق في إنشاء الدولة الإسلامية.كما أنه من المعروف أن حقوق الدولة وحقوق المواطنين من الأمور الدستورية المهمة التي يجب النص عليها في الدستور،والتي تنص عليها دساتير دول العالم المعاصرة.
وفد تضمنتا(البيعتين)بعض المسائل الدستورية في نصوصهما مثل:
أ-الأساس التي تقوم عليه الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي،وهو توحيد الله عز وجل،وهذا الأساس هم أهم المسائل الدستورية للدولة الإسلامية،جاء ذلك في نص البيعة الأولى،عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: {بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئا….}. (23)
ب-حقوق الدولة على المواطنين،وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية:{ تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في اليسر والعسر،وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وأن تقوموا في الله لا تخافون لومة لائم،وعلى أن تنصروني فتمنعوني- إذا قدمت عليكم- مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناؤكم}.(24)
ج- حقوق المواطنين على الدولة ممثلة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء في ذلك قول الرسول :{بل الدم الدم،والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم}.(25)
خ- نتج عن البيعتين إيجاد الجو والمكان الملائمين لنشر دين الله والدعوة إلى توحيده في الأرض،وهذان الأمران هما الغاية التي قامت لأجلهما الدولة الإسلامية. ومن المعروف أن تحديد الغاية التي تقوم لأجلها أي دولة من المسائل الدستورية الرئيسية.
د- تضمنت البيعة الثانية تعيين النقباء الإثنى عشر عن طريق اختيار الأنصار لهم،وفي هذا تطبيق لمبدأ الشورى في اختيار الأشخاص(النواب) حيث ترك الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك للأنصار،ومبدأ الشورى من المبادئ الدستورية في النظام الإسلامي.
و- تضمنت البيعة الثانية تنظيم وتحديد أطراف المواعدة التى على أساسها ستنشأ الدولة،فرسول الله صلى الله عليه وسلم نائب عن قومه، والنقباء نائبون عن قومهم.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: {أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء،ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم،وأنا كفيل قومي}.(26). (27)
وتعتبر هذه الوثيقة أصلاً تفرعت عنه نصوص القانون الدولي في الإسلام، وتنظيم العلاقات بين مختلف الفئات باختلاف عقائدها ومواطنها. وفي ظل التنوع الديموغرافي الذي ساد المدينة حينذاك، كان اليهود أبرز هذه الفئات؛ ولذا فقد ذكرهم الرسول في أكثر من بند من هذه الوثيقة،حيث أكد في الوثيقة أن اليهود من مواطني الدولة الإسلامية، وعنصر من عناصرها؛ فقال في الصحيفة:
– (وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم).
– (وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين).
وفي هذا الدستور الحقوقي الأول من نوعه في التاريخ، نرى أن الإسلام قد عد الآخرين خاصة أهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين، ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم،” فاختلاف الدين ليس سببًا للحرمان من مبدأ المواطنة “. إن هذه الوثيقة تعد أول دستور مكتوب في التاريخ يعترف بحقوق المواطنة لجميع سكان الدولة باعتبارهم(أمة من دون الناس( ، فهم جميعا شركاء في نظام سياسي واحد يضمن لهم حقوقًا متساوية، ويستظلون بحماية الدولة، مقابل أدائهم واجباتهم في الدفاع عنها، لذا فقد رضي سكان المدينة كلهم، بها دستورا حاكمًا بينهم، لما وجدوه بها من عدل ومساواة.
وبهذا يتضح أن الإسلام لا يرى حرجا في وضع دستور مكتوب للوطن الذي يتكون من مجموعات مختلفة يوحدها العيش في حدوده يكفل للجميع ما كفلته وثيقة المدينة من حقوق وواجبات . (28)

أساس المواطنة في الدولة:
تكونت الدولة الإسلامية، منذ نشأتها بالمدينة تحت قيادة الرسول وعلى أساس دستوري مكتوب، من رعايا مختلف الديانات: المسلمون من المهاجرين والأنصار، وأهل الكتاب من اليهود، وبقايا مشركي المدينة؛ وقد أطلق عليهم رعايا الدولة الإسلامية «وإن كان معنى (الرعية) كما جاء في الحديث الشريف ، ينطبق على عدة صور من المسئولية، إلا أن القدر المشترك هـو رعاية جميع حقوق الرعية… ورعاية جميع الحقوق المشروعة هـي لب كلمة : “المواطنون” بحسب المصطلح المعاصر، فلا وجه للتفريق بين مدلول الرعايا والمواطنين في المجتمع الإسلامي»(29). لقد هـاجر الرسول إلى المدينة وهي تموج بالفتن والحروب والأحقاد الداخلية والخارجية، فاستطاع من خلال «وثيقة المدينة » القضاء ولو بصورة مؤقتة، على تلك الخلافات، وحول المدينة إلى وطن آمن للمسلمين واليهود والمشركين، وللنازحين إليها من أي قبيلة كانوا ولأي عنصر انتسبوا، عربا أو عجما، فظهر لأول مرة معنى الوطن، يتساوى فيه جميع الناس من غير نظر إلى الأحساب والأنساب والعصبيات والعقائد. فوحَّدت «وثيقة المدينة » بين أهل الأديان والأجناس، وجعلتهم جميعا مواطنين مكلفين بالدفاع عن الوطن أمام أي اعتداء يفاجئ المدينة من الخارج.
فإذا كانت الفقرة الأولى من البند رقم (37) تنص على الاستقلال المالي لكل طرف من أطراف «الوثيقة» في النفقات على الحرب الدفاعية عن المدينة، فإن البند رقم (44) يؤكد أن حدود المسئولية الدفاعية لا تتجاوز حدود المدينة فحسب ،بل خصص البند رقم (45ب) مكانا محددا لكل طرف من الأطراف المتعاقدة يتولى مسئولية حماية الدولة الجديدة من جانبه الذي من قبله، بدون تجاوز من أحد على الآخر.
وقد أدرك اليهود قيمة الفرق بين الحرب في سبيل الله والحرب في سبيل الوطن، فحدود التحالف السياسي بين المسلم والآخر «اليهودي والوثني» يقتصر على من دهم يثرب، فلا دخل لهم في حرب العقيدة ولكنهم مطالبون بالحرب دفاعا عن الأمة والوطن. فهم لم يلزموا بالحرب مع المؤمنين دفاعا عن دينهم، ولكنهم ملزمون بالحرب إذا هـاجم المدينة مهاجم يريد هـلاكها، فإن المنفعة مشتركة حينئذ ولا يمكن أن يتخلوا عنها”. (30)
وهذه النصوص قرائن صريحة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الرسول إنما كان في موقف المدافع لا الغازي والفاتح، بل إنه كان بهذه «الوثيقة» يريد أن يعزل قريش في مكة وألا يُعَزَل هـو وأتباعه في المدينة، مدركا بذلك قيمة التحالف السياسي في درء كيد قريش وشد أزره في هـذه المرحلة المبكرة من تأسيس الدولة «فاعتبر اليهود مواطنين بصريح نصوص هـذه «الصحيفة» وأنهم «أمة مع المؤمنين» ولكن لم تفرض عليهم جميع الواجبات المترتبة على المسلمين، وأخصها القتال؛ لأنهم لا يؤمنون بالشعار الذي يمكن أن يقاتل المسلمون تحت لوائه، وكان ذلك تخفيفا عنهم، ولكن لا بد أن يسهموا في نفقات الدفاع، وفي أيام الحرب فقط»(31).
فإذا كانت «الوثيقة» قد حملت المسلمين عبء التضحية والفداء والموت لإقامة دولة الإسلام فإن هـذا لا يعفي أبدا الحلفاء السياسيين من مسئولياتهم المالية حتى يكتمل دفع أرواح الشهداء بدفع أموال الحلفاء، وليس هـذا تفضلا منهم ولا كرما، بل هـو واجب أصلي عليهم، حتمته «الوثيقة» التي تنظم حياة جميع أهل المدينة(32) .
وخلاصة القول: إذا كانت «الوثيقة» قد جعلت مسئولية الدفاع المشترك واجبا على جميع متساكني المدينة فإنه وبالمقابل منحتهم حقا لا يقل أهمية عن ذلك الواجب، وهو مساواتهم جميعا أمام القانون، دون النظر إلى الدين أو العرق.

مساواة جميع المواطنين أمام القانون:
إننا نقصد بالمساواة أمام القانون: أن يكون الأفراد جميعا متساوين في الحقوق والواجبات العامة، فلا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، بحيث يتمكن كل شخص من
التمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الآخرون، ويخضع لجميع التكاليف التي يفرضها القانون على الأفراد(33) . وقد طبقت «وثيقة» المـدينة هـذا المفهوم عمليا في صـدر الإسلام في المجتمع الذي أنشأه محمد فحطمت بذلك التفرقة العنصرية والتمايز بين أعضاء المجتمع المديني لما اعتبرت جميع الأفراد المتعاقدين في يثرب متساويين في الحقوق والواجـبات العامة.
وليس في القانون أي تمييز لأي فئة كيفما كانت أمام مغانـم الحياة العامـة ومغرمها في المدينة؛ لأن «المبدأ الإسلامي العادل هـو الغرم بالغنم ، وإن كان الله تعالى قد حمل المسلمين عبء التضحية والفداء والموت لإقامة دولة الإسلام» (34). “فالمساواة بين المسلم و(الآخر) « اليهودي، والوثني» قائمة بينهم على أساس القيمة الإنسانية المشتركة، فالناس جميعا متساوون في أصل الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسئولية، وأنه ليس هـناك جماعة تفضل غيرها بحسب عنصرها الإنساني وخلقها الأول”، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً.﴾ (النساء:1). فالكـل سـواء، لا فوارق ولا طبقية بينهم وبين بعضهم إلا طبقا للمعايير الموضوعية التي قررها الدستور الإسلامي والمتمثلة بالإيمان والعمل الصالح.
«فالوثيقة» جاءت بمفهوم جديد للمساواة وهي أنها: “لا تعني المثلية، وإنما تعني أن تحكم العلاقات بين الناس كافة في المجتمع قواعد عامة ومجردة، سابقة على نشأة تلك العلاقات، تساوي بينهم من حيث هـم بشر، وإن اختلفت عقائدهم”.

مواطنة غير المسلم:
أما بالنسبة لغير المسلمين فأساس المواطنة هـو «الولاء» للدولة الإسلامية عن طريق العهد؛ لأن حق المواطنة لا يستلزم وحدة العقيدة ولا وحدة العنصر، قال : «لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم»(35).
في الفقرة الأولى والثانية من البند رقم (25) – “وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وإثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته” الذي ينص و يقرر المواطنة المتساوية لليهود وغيرهم مع المسلمين تحت لواء الدولة الإسلامية… يعيشون معصومين دما ومالا وعرضا بحكم مواطنتهم الدائمة، وعلى من يكتسب لحفظ كيانها داخليا، وفي هـذا دلالة على أمرين:
الأول: تأصيل مبدأ حرية العقيدة، وهو من المبادئ الأساس التي تقوم عليها هـذه الدولة الناشئة.
الثاني: مبدأ التسامح مع أهل الأديان السماوية الأخرى، وذلك بأن جعل لهم الإسلام من الحقوق وأوجب عليهم من الواجبات، عين ما للمسلمين وعليهم، وليس أعدل ممن يساويك بنفسه في النصفة والعدل والحكم(36) .
وهكذا يكون لأول مرة في تلك البقاع «شعب» تتعدد فيه علاقة الانتماء إلى (وطن) فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعا – أهل الصحيفة – إلى ما فوق الطور القبلي ، الذي كان سائدا بين العرب في العصر الجاهلي. لقد وفرت «الصحيفة» لغير المسلم في المجتمع الإسلامي وجودا اندماجيا يحافظ فيه على جميع مكونات شخصيته، وفي طليعتها المكون الديني وما يرتبط به من ممارسات وعادات، بها يؤكد ذاته عقديا وثقافيا ونفسيا، ومعها يثبت خصوصيات هـويته داخـل المقومات العامة لهذه الهوية التي بها تكون المواطنة، مما يتحقق به الانتماء إلى ذلك المجتمع(37) .

عقد الذمة :
تعطى الذمة لأهلها من غير المسلمين، وهي ما يشبه في عصرنا الحاضر – الجنسية – السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنة التي تربطهم، بالدولة الإسلامية، برباط الولاء والتبعية، وبالتالي يتمتعون بالحقوق المدنية والدينية والإنسـانية، ولا غرابة في ذلك ولا انتقاد فيه.. وحتى لا يتجنى أحد على الإسلام بزعم أنه يقيم تفرقة بين الناس بحسب عقيدتهم يجب أن نذكر أن «فكرة عقد الذمة» ليست فكرة إسـلامية مبتدأة، وإنمـا هـي مما وجده الإسلام شائعا بين الناس عند بعثة النبي فأكسبه مشروعيته، وأضاف إليه تحصينا جديدا بأن حول الذمة من ذمة العاقد أو المجير إلى ذمة الله ورسوله والمؤمنين، أي ذمة الدولة الإسلامية نفسها، وبأن جعل العقد مؤبدا لا يقبل الفسخ حماية للداخلين فيه من غير المسلمين(38) ، لأنهم صاروا مواطنين عاديين لهم من الحقوق ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات ما على المسلمين، باستثناء تلك المتعلقة بالعقيدة، وقد حذر الإسلام من اضطهاد المسلم لغير المسلم.

الفرق بين المواطنة والوطنية:
إن الوطنية والمواطنة موضوعان مازالا محل تساؤل وبحث ودراسة، اختلفت التعريفات عند الباحثين باختلاف المناهج الفكرية لديهم، فمنهم من جعل الوطنية عقيدة يوالي عليها ويعادي، ومنهم من جعلها تعبيرا عاطفيا وجدانيا يندرج داخل إطار العقيدة الإسلامية ويتفاعل معها.
ومن بين تعريفاتها:
– تعريف الموسوعة العربية العالمية للوطنية:
بأنها تعبير قويم يعني حب الفرد وإخلاصه لوطنه الذي يشمل الإنتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ، والتفاني في خدمة الوطن، ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة”.
– وقاموس اللغة الإنجليزية اتفق مع الموسوعة الدولية للعلوم الإجتماعية في تعريف الوطنية بأنها :”حب الوطن والولاء له، وأنها تشبه القومية من حيث كونها عاطفة إنسانية تربط الفرد بوطنه، وأن الوطن ذو مدلول واسع، قد يراد به الوطن الصغير مثل القرية التي يقيم بها الفلاح، أو القبيلة التي ينتمي إليها البدوي، أو يراد بها الوطن الدولة بمعناها الحديث”.
فالوطنية تدل على معاني ضرورية في حياة الإنسان، وتشمل فضل الوطن عليه، وواجب الإنسان نحو وطنه في آن واحد بما يمليه الدفاع عنه، وبذل المال والنفس من أجله، والعمل الدائب في سبيل رفعته ونهضته وتقدمه، والقاسم المشترك في تلك المعاني موجود في دخيلة غالبية الناس، فيما يجعل قيامها في مرتبة الأمور المسلم بها.
ومن المسلمات المتفق عليها أن: الوطنية : شعور وممارسة، وحب ووفاء،وحرارة وانفعال وجداني. فهو ارتباط عملي وعاطفي بالأرض والمجتمع، وحس قلبي ضميري داخلي لا تعدد فيها ولا تبدل، وأداء يحدث في المناسبات العامة… فالوطنية: شعور بالانتماء بالقول والعمل للجماعة والوطن. فالوطني هو الذي يقدم المصالح العامة على مصالحه الفردية،أو يرعاهما معا، يعني الإحساس بهموم الآخرين، والعمل على تحقيق مصالح الناس والانشغال بهمومهم، وحل قضاياهم، والدفاع عنهم ضد أي عدوان خارجي. ومن ثم فإن التأصيل الشرعي للوطنية يتمثل في دعوة الإسلام للإهتمام بمصالح المسلمين، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. بينما المواطنة: قبول برضا أو تبرم ، وسلوك وتصرفات، سلوك فعلي ظاهري، فهي الأداء الفردي للواجبات اليومية، فهي تكيف ومرونة بما تعنيه من تغير وتبدل نتيجة لواقع، ووسيلة لهدف.
ومن المتفق عليه أيضا أن الوطنية هي محصلة للمواطنة، فلا وطنية جيدة بدون مواطنة جيدة، لكن المواطنة يمكن أن تتم دون وطنية. فالوطنية ذات علاقة بالتاريخ والهوية، أما المواطنة فهي التناغم والإيقاع الحياتي اليومي. فإن الوطنية ضرورة اجتماعية من ضرورات التقدم والنهوض في شتى ميادين الحياة؛ ولهذا دعا الإسلام إلى غرسها وتعميقها بين أبناء المجتمع، حتى تستمر الحياة الطيبة، وجعل أكثر الناس أجرًا وأعظمهم منزلة عند الله تعالى من حقق درجة كبيرة من معاني الوطنية، بحيث تصبح الوطنية صفة حقيقية له قولا وعملا لصالح المجتمع والجماعة، فتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة، ويكون انتماؤه لوطنه وأسرته، وجماعته وأمته، ودولته أرضًا وشعبًا.
فالمسلم وثيق الصلة بإخوانه ومجتمعه وأرضه ودولته، يتعاون ويتراحم، ويعمل ويكد من أجلهم، لتحقيق مصلحته ومصالحهم معًا، يدًا واحدة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، يحب الخير والنفع لمجتمعه، وأمته، ويدافع عن مجتمعه أرضًا وشعبًا، ويخشى الله فيهم فيكره كل ما يؤذيهم، أو يعكر صفو الحياة في المجتمع الإسلامي. ولهذا كله فإن العمل بأحكام الإسلام فيه سعادة الأمة في كل زمان ومكان، لاسيما في الوقت الحالي الذي قل فيه الوازع الديني لدى بعض الناس، وضاعت مفاهيم الإيثار والتعاون والوطنية؛ فقل الإخاء والانتماء والتناصر،بل ظهر التخاذل والخيانة لمصالح الأمة والوطن، واتهم المسلمون بالإرهاب والعنف والغلو،ولو أنهم فهموا ما يريده منهم ربهم وحققوا تلك المعاني الإسلامية لسعدوا وفازوا. (39)

طروحات الوطنية/المواطنة في منظور الغربيين:
وتتراوح طروحات الوطنية/المواطنة في منظور الغربيين وفلسفاتهم، بين رؤى تختصر العلاقة بين الفرد ودولته إلى أدنى درجة ممكنة، وبين أخرى ترى أن الفرد لا يعني شيئاً أمام دولته، ففي الأولى لم توجد الدولة إلا من أجل الفرد، وفي الأخرى لم يوجد الفرد إلا لخدمة دولته.
ويعتمد منظرو فلسفة المذهب الفردي أمثال “جون لوك” و”جان جاك روسو” على أساس الاعتراف بحقوق الإنسان وحرياته العامة باعتبارهما حقوقاً طبيعية لكل فرد وليست مكتسبة، ومهمة الدولة احترام وضمان تلك الحقوق.
وإذا كان المذهب الفردي يتجه إلى المساواة النظرية بين أفراده فإن الواقع الفعلي يؤكد عدم تساوي الأفراد في ظروفهم وقدراتهم، وبالتالي فإن “البقاء للأصلح” كمبدأ يتبناه هذا الاتجاه لا يتفـق مع القيم الإنسانية والشرائع السماوية بل ويهدم حقيقة المواطنة الحقة …، ذلك أن هذا التوجه الفكري يرسخ سلبية الانتماء للمجموع (الوطن) وبالتالي يعزز الأنانية ويعمق الفصل بين الأفراد ودولتهم.
وفي مقابل الجدل القائم لضمان مجتمع آمن ومستقر من خلال مواطنة عادلة ومسئولة، يطرح المذهب الاشتراكي أنه لا معنى للحرية الفردية في ظل صراع المصالح الخاصة للطبقة الرأسمالية، وما جدوى الحرية المضمونة بالدستور إذا كان الإنسان لا يجد الحماية من المخاطر والابتزاز، بل وما فائدة حرية العمل إذا كان المواطن يترك فريسة للبطالة، مما يضطره إلى التنازل عن حريته وكرامته ليواجه شروطاً حياتية صعبة…
وهكذا تتراوح الرؤى والفلسفات في الغرب بشكل ينقض بعضه بعضاً من أجل خلق مواطنة فاعلة ومنتجه ومسئولة.
وإذا كان الفكر الاشتراكي قد استنفذ أغراضه وتساقط ، فإن التخوف قائم ومُشاهد لدى كثير من المفكرين الاجتماعيين على أن الغرب الليبرالي هو في الطريق إلى ذلك.
ويعزو المفكر المستقبلي (اينشارد ابكرسلي) التفكك الاجتماعي في الغرب إلى الفشل في إعطاء معنى وانتماء وهدفٍ لحياتنا، وعدم وجود إطار عمل لقيمنا، وبتجريدنا من معنى أوسع لحياتنا، فقد دخلنا في حقبة يتزايد فيها انشغالنا بذاتنا بشكل مرضي (ايبرلي، 2003).
وقد وثق المفكر الدارس للتقاليد (جون هوارد) (القرارات) عن المفردات وما تشتمل عليه من مفاهيم، والتي اختفت من فوق التراب الأمريكي، كلمات مثل التواضع، والاحتشام، والأمانة، والاستقامة، والتأدب، والفضيلة، والنخوة، وعكسها مثل العار والعيب من الاستخدام الحالي، وهي لا تدخل في حسابات المناقشات العامة وصنع القرارات… وإلى هنا يتساءل “أبراهام لنكولن” هل أصبح الأمريكيون منهمكين في شؤونهم الخاصة ولا يحركهم سوى الوعد بالمزيد من الحقوق والمكتسبات أكثر مما تحركهم الدعوة “للواجب الوطني”.
وهنا نجدها لمحة اجتماعية مهمة ووقفة حول تركيز معنى المواطنة على أنها فقط مجرد مسألة حقوق وواجبات دون بعد يحمل معنى (الضابط الأخلاقي). ذلك أن حركة الإنسانية إذا ربطت فقط بمعنى القانونية (حق وواجب) فإن آداباً وسلوكيات عدة سوف تغيب عن معنى الحياة الاجتماعية كما هي تغيب اليوم عن حياة المجتمع الغربي بشهادة خبرائهم الاجتماعيين. ولذلك فالسمو على الحسابات الشخصية هو في تقديرنا “مبدأ روحي لمعنى المواطنة”.
ويعد إيبرلي(2003) تغذية التعاطف الاجتماعي الصادق بين الناس هو العنصر الرئيسي لخلق المواطنة، كما أن تجديد المواطنة يعني إعمال الفرد في المشاركة الاجتماعية وعدم تفويض شؤون الحياة العامة والمساعدة العامة بكاملها إلى اختصاصيّ الحكومة، وأن تسعى البرامج إلى تعزيز البني الوسيطة..وجمع الفقراء وغير الفقراء معاً كجيران ومتطوعين وشركاء في المسؤولية الاجتماعية.
وإذا ما تجردت حياتنا الاجتماعية من مضموناتها الدينية/الأخلاقية فإن مادية الحياة العصرية سوف تعيد إشكالية التوتر والصراع إلى الوجود. ومما تجدر الإشارة إليه هنا بأن تجربة المجتمعات الغربية إجمالاً سواء اقتربت أو ابتعدت من/عن تفعيل معنى المواطنة/الوطنية فإن للمجتمع المسلم ،.. ذلك الالتزام الديني حينما يضاف إلى الممارسة العملية لمفهوم المواطنة/الوطنية، يشكل مرجعية في ضبط هذا المعنى دون مغالاة أو إجحاف لكل من حق الفرد في الحرية وحق الحكومة في السيادة.(40) ويمكن القول بأن المساهمة الأبرز في توسيع مفهوم المواطنة إسلاميًّا وبناءها على أساس الإخاء والتراحم جاء بها المفكر والفيلسوف المغربي البارز “الأستاذ طه عبد الرحمن”، وهو يشير إلى الاعتراض الأساس الذي قد يطرحه الحداثيين من كون مفهوم “المؤاخاة” و”التراحم” على خلاف مفهوم “المواطنة” و”التضامن”، فهما مفهومان غير حداثيين بل سابقين على الحداثة.
ويجيب بالقول بأن ذلك صحيحٌ بحسب التطبيق الغربي لروح الحداثة ولا يلزم ذلك تطبيقات أخرى ممكنة لمبادئ هذه الروح، وذلك من خلال إبراز أوجه القصور الذي عاب مفهوم المواطنة الحداثي الغربي بشقيه الليبرالي والجماعاني، وذلك من خلال الالتفات إلى الأساس الفلسفي والأخلاقي الذي ينطوي عليه مفهوم المواطنة الذي يقوم على مبدأ إقامة العدل في المجتمع، فقد بيَّن أن التصور الليبرالي يفضي إلى إيقاع المواطنة في انفصال مثلث هو: “انفصال الذات عن الواقع وعن الآخر وعن نفسها”، وبيَّن أن التصور الجماعاني يفضي إلى إيقاع المواطنة في انغلاق مثلث هو: “انغلاقها في الجماعة والخصوصية والعادات”.
أما المواطنة الصالحة فلا تكون إلا مواطنة متصلة ومنفتحة، أي عبارة عن مؤاخاة، ولا يمكن لها أن تتحقق إلا مع التطبيق الإسلامي لركن التوسع، إذ تحتاج إلى توسع معنوي، فالمبدأ الأول الذي يقوم عليه هذا التوسع الخاص وهو “مبدأ الإخلاص”، والذي يحقق للمواطن الاتصال، فيجد نفسه موصولاً بالعدل كذات قائمة بحقوقها، وموصولاً بالآخر متوليًّا دفع الظلم عنه، وموصولاً بنفسه مشتغلاً برفع ظلمها.
كما أن المبدأ الثاني وهو “مبدأ الأمة” يحقق للمواطن الانفتاح؛ فيجد نفسه مفتوحًا على الإنسانية، خارجًا عن نطاق الفُرُوق والحدود، ومفتوحًا كذلك على الأخلاقية، واعيا بأصالتها واتساعها، ومفتوحًا أخيرا على أفق الإبداع، مجددًّا ترتيب القيم.
كل ذلك يمد المواطنة بروحانيةٍ عاليّة، جاعلاً منها مؤاخاة حقيقية قادرةً على أن تتحمل وتتجاوز الأزمات التي يتعثر في حلها التطبيق الغربي لروح المواطنة الحداثية، لا سيما في طورها العولمي الذي أخذ يلبس كل العلائق بين بني البشر لباس الأغراض المادية.
وعلى الرغم من المساهمة الجليلة لأستاذنا طه عبد الرحمن فقد سبقته محاولاتٌ عديدة في التأسيس لمفهوم المواطنة، وتأصيله وتطبيقه في السياق الإسلامي وتبيئته واستدخاله من خلال جملة من الاجتهادات الفقهية والفكرية قدمها نخبةٌ من المفكرين والفقهاء، أمثال: فهمي هويدي، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، وأحمد كمال أبو المجد، وراشد الغنوشي، وطه جابر العلواني وغيرهم.
ففي سياق الاجتهاد الفقهي هيمن موضوع إشكال النموذج التصوري للدولة على مباحث المواطنة، فعلى الرغم من التلاقح الحضاري الواقع، فإن الحديث عن مصطلح “مواطن”- بحسب طه جابر العلواني -، لم يجرِ تداوله إلا بعد نجاح الثورة الفرنسية سنة 1789م، أما قبل ذلك، فإن الدولة تؤسس بناءً على أبعاد “كلاسيكية” يحضر فيها الدين والعرق، وغيرهما.(41)

الموازنة بين الإنتماء العقدي والإنتماء الوطني:
لما كان الانتماء للوطن غريزة راسخة في وعي الأفراد، مثلما هي سائر الانتماءات الفرعية بصورة قد تؤدي في أحيان إلى التقاطع بينها بصيغة تخل بمتطلبات المواطنة بمعناها المعاصر، فإن الإسلام قد أوجد حالة من التناغم والتوازن بين تلك التقاطعات ضمن مسار هرمي لا يسمح بتمددها على حساب الانتماء للعقيدة أو الوطن…
فكان من لوازم المشروع السياسي المراد إقامته في المدينة المنورة إيجاد رابطة أعم من رابطة العقيدة لتحتضن التنوع من مكونات شعبها، ولهذا عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتفاقاً (صحيفة المدينة)، عدت أول وثيقة حقوقية نظمت العلاقة العضوية بين أفراد الجماعة السياسية وضمنت الحقوق والواجبات على أرضية التعددية الدينية والعرقية، فكانت بحق أول عقد مواطنة متقدم على عصره كرس المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنة العصرية.
ومن تحليل تلك التجربة، يتضح إن الإسلام يعتبر الجماعة التي تحكم بموجب أحكامه وحدة إنسانية بغض النظر عن طائفتها وجنسها، فليس في الإسلام ما يسمى بالأقليات، بل جميع الناس لهم الاعتبار الإنساني فقط …، فكل من يحمل تابعية الدولة يتمتع بالحقوق التي قررها الشرع له سواء أكان مسلماً أو غير مسلم. ويطبق الإسلام على جميع الرعايا باعتباره قانوناً للجميع، فحين تطبق أحكام المعاملات والعقوبات مثلاً، ينظر إلى الناحية التشريعية القانونية، لا الناحية الروحية الدينية.
ومن هدي تلك التجربة الرائد نستنبط أن الإسلام لم يأت ليمنع ما فطر عليه الناس، لكن ليُذهب ذلك المعنى وذلك السلوك، فهو يعترف بعملية الانتماء الاجتماعي للأسرة ،والقبيلة والدولة ،وجعلها أحد مقاصد الحياة الاجتماعية. ونسب القرآن الرجل لبلاده، ولكنه في الوقت ذاته أكد على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أنه “ليس منا من دعا إلى عصبية” أو جاهلية أو قومية وأحداث السيرة مليئة بشواهد كثيرة في هذا المعنى. والوحدة المطلوب تبنيها على مستوى العقيدة غير تلك المطلوبة على مستوى الوطن، فالأولى أرقى وأسمى من أن تحدها الحدود، والأخرى بطبيعتها ووظيفتها لها حدود.
وفي السياق الطبيعي فإن الولاء والبراء للإسلام لا يتعارض مع الولاء للوطن، بل لا نجد مشكلة قيمية معرفية حقيقية بين مبدأ المواطنة ومبدأ الأخوة الدينية، فالأخوة الدينية هنا رابطة معنوية متحررة عن الزمان والمكان، أما المواطنة فهي رابطة التعايش المشترك بين أفراد يعيشون في زمان معين ومكان محدد ضمن وحدة سياسية تسمى الدولة.
وتأسيساً على ما تقدم يمكن تحديد النطاق الذي تتحدد به ملامح الهوية الوطنية ضمن المجتمع الإسلامي ضمن مسارين، أولهما: مسار العلاقة بين أفراد الشعب الواحد والذي لا يخرج على محددات القواعد الإسلامية في غرس مفاهيم: (الولاء والألفة والنصيحة والإصلاح والنصرة والسلوك الحضاري الإيجابي بين أفراد الشعب الواحد مسلمين وغير مسلمين). أما الآخر: فيتحدد بالعلاقة بين المواطن ووطنه…(42)
يتصور البعض أن التمسك بالإسلام وجعله أساسا لنظام الحياة ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة الإسلامية ، وينافي الوحدة بين عناصر الأمة وهي دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر،لكن الحق غير ذلك تماما،فإن الإسلام الذي وضعه الحكيم الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها قد احتاط لتلك العقبة وذللها من قبل، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الواضح الذي لا يحمل لبسا ولا غموضا في حماية الأقليات، قال تعالى:( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين……..)الممتحنة،8. وهذا النص لم يشمل الحماية فقط بل أوصى بالبر والإحسان إليهم (أيضا). فالإختلاف الإثني والطائفي والديني لا يشكل أي عوائق وموانع أمام تحقيق مفهوم المواطنة في الإسلام لأي إنسان يشترك مع غيره في وطن واحد، بل يحقق له المساواة العامة في الحقوق والواجبات. (43)
إن الإسلام ومن خلال النظام الملي، وتقنين وضع كل فرد في إطار المجموع، قد لبى الحاجات النفسية والتطلعات والأشواق الروحية لكل مقيم على أرضه، فليس للأكثرية الحق في أن تمحق شخصية الأقلية أو أن تزيل مزاياها وتذيب خصائصها.. وفي الوقت نفسه ليس للأقلية أن تعمل على إثبات خصوصياتها من خلال الانتقاص من حقوق الأكثرية أو تدمير خصائصها أو استنكار تمتعها بخصوصياتها ومزاياها. فالتوازن في المجتمع الإسلامي يقوم على عملية الاعتراف بالخصوصيات والمزايا لسائر المنتمين إلى هذا الكيان، وتقنين هذه المزايا والخصوصيات بشكل يسمح للأكثرية والأقليات بالنمو والازدهار، لتتحول المزايا والخصوصيات المختلفة إلى وسائل تنوع إيجابية في الكيان الجماعي…
حقوق الأقليات في المجتمع الإسلامي عموما:
…إن الإسلام قد نظر إلى غير المسلم من منظور رسالة عالمية تنفي الإكراه بكل أشكاله وترفضه في الأصول والفروع {لا إكراه في الدين..} [البقرة: 256]… فبالإسلام يستحق غير المسلم ذلك كله مع الاعتراف له بخصوصيته الملية والعرقية وحمايتها والدفاع عنها إلى حد القتال إذا هُددت من مسلمين أو غيرهم. وبذلك يأخذ غير المسلم نصيبه الكامل من حرية التفكير والتدبر والتأمل والمقارنة، فيأخذ قراره بالبقاء على ما هو عليه أو التحول إلى الإسلام بحرية تامة… فالتشريع الإسلامي قام بحماية غير المسلم مرتين: مرة حين بسط عليه ظله الوارف كبقية المسلمين ومنحه مثل ما منحهم من حقوق، ثم نظر إليه مرة أخرى لحماية خصوصياته الملية والعرقية من الذوبان أو الإذابة والدفاع عنها بالقوة نفسها التي يحفظ فيها للمسلم ذلك. فكأن لغير المسلم ميزة على المسلم في هذا الإطار فكيف ينظر إلى الميزة أنها امتهان لمن مُنِحَها؟! إنه لا غرابة في أن يمنح الإسلام الذمي هذه الميزة وهذه الكرامة، فإن الإسلام دين عالمي ينظر للبشر نظرة واحدة وينظر إلى مستقبل البشرية كلها نظرة تفاؤل وأمل بأن يوماً ما آت لا محالة، تتحد فيه هذه البشرية وتدرك أنها، كلها، لآدم وآدم من تراب، وأن كل الخصوصيات المتمايزة إنما هي خصوصيات تنوع وتعارف…
وقد استطاعت الأقليات في العالم الإسلامي أن تبقى وتستعصي بكل ثقافاتها وخصائصها على الإذابة، لأن هذا النظام (النظام الملي ) قنن لها هذه الخصوصيات وحفظها، فاستطاعت أن تعيش كل هذه القرون بل واستطاعت أن تؤدي أدوراً هامة في سائر البلاد التي عاشت فيها، ووصل أبناؤها في بعض الفترات إلى مراكز مرموقة جداً، وقل أن تجد مدينة إسلامية ليس فيها وجود متميز ملحوظ لأقليات دينية تتمثل في أحياء كاملة تحمل كل السمات الدينية والاجتماعية لتلك الأقليات مثل “حارات أو أحياء اليهود والنصارى وسواهم”. أما في الغرب فهناك هجرات كثيرة ومهاجرون كثيرون قد ذابت خصوصياتهم الدينية وغيرها في ظل العلمانية الدهرية التي خلعت القداسة عن كل شيء(44). (45)
وقد انعقد في مدينة مراكش مابين 25-27 يناير 2016، مؤتمر لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي،نظم بتعاون بين “وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية” و”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بأبوظبي” انبثق عنه “إعلان مراكش”،ونقتطف منه بعض الفقرات التى تهم موضوعنا: ومن هذين الأصلين، القرآن و السنة، استنبط المسلمون نظام الشريعة التي أطرت أحكامها تصرفات المسلمين مع غيرهم من أهل الأديان. وعلى أساس هذه الأحكام تمتعت الأقليات الدينية في الدولة الإسلامية على نطاق واسع، بالحقوق و حماية الأنفس والأعراض، و تمتعوا –على الخصوص- بحق ممارسة الدين و ما يتبع ذلك من ممارسة طقوسهم والعمل بمقتضيات شرائعهم. كل ذلك كان تفعيلا لما يقرره الإسلام من المساواة بين المسلم وغيرالمسلم في صيانة حرمات الأنفس و الأموال.وتعدى الأمر مجال الحقوق إلى العواطف والمشاعر الاجتماعية المعبر عنها في التعامل اللائق مع أهل الكتاب في حال المرض و الجنائز و مواساة ذوي الحاجة بالصدقة و الوقف… (46)

مفهوم التعايش وضوابطه:
فالتعايش: مفردة العيش، ومشتقاتها مادة مستخدمة في اللغة العربية، ومستبطنة فيها بوضوح، غير أن المفهوم المعاصر لكلمة (التعايش) بات ذا صخب وجدل شديد؛ جعل بعض المهتمين الإسلاميين يحسُّون بأن هذه الكلمة حُقنت بمفاهيم ذات دلالات سلبية شائعة، تجعل الشريعة كلًّا مباحًا، وهناك تخوفٌ من أن هذا المفهومَ قد يكون خلفه تذويبٌ لأسس الإسلام، وتقديمُ أنصافِ العقائدِ وخليطٍ من الإسلام، وهذه دعايةٌ مسيئةٌ بحقٍّ للوجه الإيجابي لهذا المفهوم، ودعايةٌ مسيئةٌ بحقِّ الإسلام… لتغييبِ القيم الإسلامية، وإدماج المشرق مع الغرب وذوبان هويته… غير أن انتشار المفهوم بهذا الاسم (التعايش) في أدبيات مختلفة لا ينفي إطلاقًا أساس المعنى المحفوظ والمعترف به والمقدم في النصوص الإسلامية.
إنه لا ينبغي التحفظُ مِن هذا المصطلح أو غيره؛ لكونه محقونًا أو مشحونًا، إذ لا مشاحة في الاصطلاح- كما قيل- ، ويفترض أن يكون التعاملُ معه بهدوء وواقعية؛ بردِّهِ إن كان خطأً، وفرزه إن كان قابلًا، وهذا ما يدعونا إليه الدين الإسلاميُّ وقواعدُه، ذلك أن: (الْكَلِمَة الْحِكْمَة ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)(47).
إنَّ المفهومَ السلبيَّ للتعايش -بمعنى التنازل عن العقيدة أو تقديم نصف عقيدة أو بعض دين- مرفوض تحت أيِّ مسمًّى جاء به ؛… بيد أن المفهوم الإيجابي له بالتوصل إلى مستويات أخلاقية في الحوار والاتفاق على أسس العيش والتصالح، وتقديرِ الاختلاف، والاعترافِ به، والاعتراف بالتعدُّدِيَّة؛ أمر جاءت به الشريعةُ الإسلاميةُ، ومن الجدير بالتنبيه عليه أن القرآن الكريم جاء بمصطلحات ربما تكون أوسعَ معنًى، وأشملَ تعاملًا من مصطلح التعايش؛ قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” [الحجرات: من الآية13]، فلفظ “التعارف” ليس مقصورًا على الاسم والقبيلة، إنما هو خطاب للبشرية بالمعنى الواسع في تبادل المعارف والعلوم والمحاسن والفضائل…
فالتعاون على الخير والمصلحة مفهومٌ شرعيٌّ ناصِعٌ، متفق عليه، سواء مع الموافقِ أو المخالفِ؛ لأنه تعاون على معنًى صحيحٍ، وهو البرُّ والتقوى، وليس الإثم والعدوان، وذلك المفهوم (التعاوني) و(التعارفي) في غاية التبشير للناس، وتقديم أفضل القيم التي ترفع بني الإنسان، وتقربهم من هداية الله بدينه العظيم (الإسلام).
ومن المقرر أن أوضاعَ البشريَّةِ وأحداثَها وقانونَ الاختلافِ هي بإذن الله القدري الكوني، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ،وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}” [هود:118- 119]، وذلك الاعتراف بالاختلاف والتعدد يحمل في داخله معرفة ضرورية بوجود الشر والخطأ… إلخ المجافية لقيم الفضيلة والأخلاق والتقوى.
وليس معنى التعايش قبول هذه الأوضاع السيئة وتبريرها بطريقة منطقية، ولا إبطال قانون المقاومة، والدفع بالتي هي أحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…، فهذه قيمٌ شرعيَّة ثابتة، لا مزايدة عليها.
إن معنى التعايش هو: قبول التصالح الدنيوي والوجود والجوار في الاتفاق على جملة من الأخلاق الإنسانية التي تتيح فرصة لتبادل الحوار والإقناع.
والمؤمن معتدلٌ في رؤيته للإصلاح ، حريصٌ بطبعه قدر المستطاع على دفع الباطلِ بالحق والجهلِ بالعلم…، عارفٌ بمواقعه. فالرؤية المثالية التي يحمل بعضنا الناس عليها هي بمثابة حملهم على جبل وَعْر، والناس فيهم الضعيف والكبير وذو الحاجة والمختلف والمتفق؛ ممن قد لا يتحملون ذلك.
إن التعايشَ لا يَعنِي تركَ رأيِكَ الخاصِّ الفرديِّ، فضلًا عن عقيدتك ودينك، فالرأيُ الذاتي هو جزءٌ من شخصية المرء، ولا يملك أحد أن يطالبَ الآخرين بتغييره أو مخالفته، إلا أنه يبقى في النهاية مجرَّد رأيٍ شخصيٍّ، والمطلوب هو: التخلي عن التعصب المحتقن، والانفعال الجاري في غير قناته، وإحلال الحوار والدعوة بالتي هي أحسن محله.
فالتعايش: تَرْكُ التعصبِ للرأي والإكراهِ فيه،لا تركُ الرأيِ نفسِه أو المساومة عليه، وبين هذا وذاك بون عظيم.
…إن النموذجَ العظيمَ للتعايش هو أنموذج المدينة المنورة، عاصمة الإسلام، وحامية بيضته وحوزته، ومنطلق دعوة آخر الأنبياء صلى الله عليه وسلم؛ ففي مرحلتها الأخيرة وفترة التمكين شاء الله ألا تكون المدينة للصحابة والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فقط، بل شاء أن يشاركهم فيها اليهود والنصارى والوثنيون والمنافقون وضعفاء الإيمان، جنبًا إلى جنب، بل وشاء الله أن يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ، كما في الصحيحين، في إشارة إلى أن هذا المعنى محكم ثابت، لا يمكن نسخه أو العبث فيه.
إن التعايش هو نوعٌ من التعاونِ والتعارفِ في المشترك الحضاريِّ والإنسانيِّ وتبادل الخبرات، التي تعين الإنسان على عمارة الأرض، ونشر قيم الخير التي يتفق الناس على الاعتراف بها، وذلك كله نوع من فتح المجال لنشر الإسلام ودعوته، وذلك كله لا يعني الدعوة لأفكار المختلف أو شرعيته دينيا، بل القبول في التعايش الدنيوي لفتح الحوار دينيا ودنيويا.
والرسل هم أعظمُ الخلق إيمانًا، ومع ذلك عايشوا قومَهم رغم الكفرِ المطلَقِ والإيمان المطلق، فنوح – عليه السلام- مكث ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا في قومه …فهو يدعوهم، ويجادلهُم بالتي هي أحسن، وبالحوار الهادئ الموضوعيِّ الذي من خلاله يصلُ الحقُّ إلى أصحابِ العقولِ السليمةِ، وهذا جزءٌ مِنَ التعايشِ.
ومن الملاحظ أن التعايش غدا بعيدًا عن واقع بعض القِطاعات الإسلامية ليس مع الديانات الأخرى؛ بل مع أبناء الملة الواحدة، بين المذاهب الفقهية، والجماعات الإسلامية، والدول، بل بين القبائل العربية أحيانًا، في حالة من العنف والعدوانية يطير معها شاهد اللُّب ويغيب، وهو يتساءل من أين جاءنا هذا المأزق؟!!
فالكثير يظنون، أن طرح موضوع التعايش لا يكون إلا في حالات الضعف والتمزق والتشرذم فقط، والشواهد تنادي على أن التعايش يكون أرسخَ أسسًا وأعمقَ جذورًا في زمن القوة والقدرة، فالقادر على صناعة التعايش والسلم هو القادر على صناعة حرب وقتال، ومن لا يصنعُ حربًا لا يصنعُ سلامًا، بينما يعاني مفهومُ التعايشِ من الانهيار والانتهاك في أزمنةِ الضَّعفِ والشتاتِ.
إن القوة في تحمل الناس بآرائهم وخلافاتهم، والسيطرة على دوافع النفس وشهواتها ونزغاتها، وكبح جماحها، وليس في فرض الرأي بالقوة يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين- : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»(48). وعندما فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- القدس امتنع أن يصلي داخل الكنيسة- وهو القوي المنتصر- وقال، وهو المحدث المُلهم: أخشى أن يتخذها المسلمون بعدي سنَّةً، فيصلون فيها، فيضايقون أهلها، ويقولون: هنا صلَّى عمر(49)، فصلى عمر رضي الله عنه خارجها، وأعطى المسيحيين الأمان على حياتهم، وحقن دماءهم.
وفي حين قتل الزعيم النصراني “ريتشارد” أكثر من ألفين وسبعمائة أسير مسلم في لحظة واحدة، وصلبهم خارج أسوار مدينة عكا؛ لتأخر ما اتفق عليه مع المسلمين، يقوم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بحقن دماء أهل القدسِ جميعًا؛ مسيحيين ويهود – وهو القادر على النكاية- عاقدًا صلحه الشهير باسم (صلح الرملة) في (22 من شعبان 588ه/2 من سبتمبر 1192م)، في أعظم صور التعايش في زمنه.
إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ القوةِ والانتصار، وهو نفسُه تاريخ التعايش وضبط العهد والميثاق…بل في البخاري ومسلم: أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ؛ فَقَامَ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِي!. فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!» (50). وهذا ابن تيمية رحمه الله، يخاطب سرجوان ملك قبرص في رسالته المشهورة بقوله: «بلغني ما عند الملك من الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسي شاكرًا من الملك: من رفقه ولطفه وإقباله عليه، وشاكرا من القسيسين ونحوهم. ونحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خيرَ الدنيا والآخرة(51). ولم يرض ابن تيمية بفكاك أسرى المسلمين وحدِهم، بل طالب التتار بفكاك أسرى اليهود والنصارى قائلًا: بل جميع من معك من اليهودِ والنصارى الذين هم أهل ذمَّتِنا؛ فإنا نَفْتَكُّهُم ولا ندع أسيرًا لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة.. وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم، كما أوصانا خاتم المرسلين.. (52). إن الهزيمة النفسية أحيانًا تجعل بعض الناس يشعرون أن هذا اللون من الحديث يفضي إلى تبرير الانهزام والرضا به، والبعض الآخر يطرحون صورةً مثاليةً لا واقعَ لها عن التعايش، وتحريرُ مدلولِ التعايشِ وفهمُه كافٍ في رفع الالتباس. إن نجاح التعايش مرهون بصوتِ العقلاءِ الَّذين يقدِّمون لغة الحوار الهادئ، الهادف الذي يحقق المنشود، ويصل لهدفه بيسر وسهولة، كما أن إخفاقه مرهون بصوت الحمقى الذين لا يعرفون إلا مصالحهم فقط، حين يعتمدون لغة القوة والعنف بشكل كبير في إداراتهم ومطابخ قراراتهم، ..مما قطع كل طريق أمام الاعتدالِ والفهمِ الإنسانيِّ المشتركِ والمصالحِ الاقتصاديةِ والأخلاقيَّةِ الإنسانيَّةِ، والتي هي محل اتفاق عند العقلاء جميعًا.
إن الدين لم ينزل – كما يظنه البعض- لتأجيج الصراع بين الناس، بل لضبط العلاقة وتنظيمها وعمارة الأرض، يقول الله جل وعلا: “هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا”[هود: من الآية61]، ولهذا لما خلق الله آدم؛ خلقه من أجل عمارةِ الأرض، والسعي فيها، والضرب فيها؛ قالت الملائكة لربها تبارك وتعالى: ” أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ”[البقرة: من الآية30]؛ فعلموا أن الفساد في الأرض، وسفكَ الدماء مما يكرهُه الله عز وجل، فندركُ من هذا أن اللهَ لم يخلق البشرَ ولم ينـزِلِ الكتبَ لأجل أن يحتربوا ويتنازعوا.وإن مما يلزم مراعاته فقه تحقيق المصلحة ودرأ المفسدة، ذلك أن مصلحة التعايش ظاهرة وميسرة، ونفعها جلي… فالناس جميعًا يحتاجون في كثير من الأحيان إلى أن يتعايشوا فيما بينهم بهدوء وموادعة ومتاركة، بعيدًا عن إدارة الحرب والصراع، والانشغال عن الأولويات بما هو دونها. فاستمالة القلوب، واستقطاب العقول للتعرُّفِ على هذا الدين والدخول فيه لا يمكن من دون استعمال الصبر، والرفقِ واللينِ والمداراةِ، واحتمالِ الأذى، ومقابلةِ الإساءة بالإحسان، كما أمر الله – تبارك وتعالى- في ذلك في غير ما موضع من كتابه، يقول سبحانه: “وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ”[فصلت:34]، وبهذا استمال النبي صلى الله عليه وسلم قلوب أعدائه، وعالج قسوتها وشِمَاسها ونفارِها، حتى لانت، واستقادت، وقبلت الحقَّ.
إنَّ الكلمةَ الطيبةَ الحانيةَ، والابتسامةَ الصادقةَ الصافيةَ، والإحسانَ إلى الآخرين بالقول والفعلِ؛ من أسباب زوالِ العداوةِ وتقاربِ القلوبِ، يقول الله تبارك وتعالى: “وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”[فصلت:35]. إن التعايشَ هو حقنُ الدماء البريئة، وفتح مجال للحوار والجدال بالتي هي أحسن، وهو تقديم مشروع يحمي الكلمةَ الإسلاميةَ، ويزودها بالعقل والحجة والمنطق التي يمتلئ بها كتاب الله وشرعه، يقول الله سبحانه وتعالى: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ”[آل عمران:من الآية64].(53)

مثال على التعايش:
لقد عرف تاريخ المغرب نموذجا حضاريا متميزا في مجال تساكن و تفاعل المسلمين مع أهل الديانات الأخرى ولاسيما اليهود والنصارى. ومن العهود المشرقة في تاريخ هذا التساكن ما أسفر عنه الالتقاء على صعيد بناء الحضارة المغربية الأندلسية، حيث ازدهرت بين مختلف الطوائف التجارات و الصناعات و الفنون و تبادل ثمرات الحكمة و الفلسفة و العلوم. و لاسيما عندما انتقل عدد كبير من المسلمين من الأندلس إلى المغرب في ظروف عصيبة، وانتقل معهم يهود انضافوا إلى اليهود الموجودين في المغرب منذ ما قبل الاسلام. و لم يعتبر المسلمون المغاربة اليهود أقلية على مستوى المعاملة، بل كانوا كالمسلمين موجودين في كل الأنشطة و المجالات، منتمين إلى كل الطبقات الاجتماعية، مسهمين في بناء المجتمع، مكلفين بوظائف و مهمات من الدولة، متميزين بثقافتهم. و لولا جو الإطمئنان و الحقوق التي تمتعوا بها بما كان لهم الإسهام المشهود إلى اليوم في العلوم الدينية و الاجتهادات الشرعية المتميزة داخل التراث اليهودي في العالم. (54)
ونجمل حقوق الأقليات التي نص عليها المنهاج النبوي من خلال وثيقة المدينة:
1-حرية الإعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.
2- العدل والمساواة والبر والصلة.
3- حق الحماية من اعتداء الخارجي.
4- حق الحماية من الظلم الداخلي.
5- حق عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
6- حق العمل والتجارة أو حق الملكية الخاصة.
7- حق التأمين عن العجز والفقر وكبر السن.
8- حفظ الكرامة الإنسانية.
هذه أهم الحقوق التي تمتع بها أهل الكتاب عامة وأهل الذمة خاصة في ظل الإسلام.

ضغوط متطلبات الحوار:
إننا لا نريد أن تضغط علينا متطلبات الحوار بين المتقابلين السياسيين الديني والقومي، أو الإسلامي والوطني، الذين يريدان الاتفاق على حل وسط يأخذ الإسلامي فيه شيئاً من القومي أو الوطني، ويأخذ القومي أو الوطني فيه شيئاً آخر من الإسلامي.
فنحن ندرك أن هذه المحاولات تجري في إطار سيادة ثقافة دنيوية غربية فرضت نفسها عالمياً بكل خلفياتها وظلالها وانعكاساتها، ومواقفها من الدين كلاً وتفاصيل. ثقافة علمانية دنيوية استبعدت الدين تماماً من فلسفة العلم ونظرياته وقوانينه ومعالجاته، وهذه الثقافة تحظى بتعميم وتكريس عالميين، والمركز العالمي الجديد (الولايات المتحدة) يرى أن سيادة هذه الثقافة واكتساحها لكل ما عداها شرط ضروري ودعامة أساسية لما سماه “بالنظام العالمي الجديد”.
ولو أن هذه الاجتهادات في “المواطنة” و”الديمقراطية” والقضايا الأخرى المماثلة جرت في إطار عالمية إسلامية، أو مركزية حضارة إسلامية، أو تكافؤ حضاري وثقافي على أقل تقدير، لأمكن تجاوز كثير من الملاحظات، أو لوجدنا لكثير منها جواباً ملائماً. أما الوضع بالشكل الذي نعرف، فإن الحذر ضروري. حيث إن طوائف العلمانيين الدهريين الدنيويين الفكرية في العالم الإسلامي، والعالم العربي بصفة خاصة، هم مجرد مجموعة من المترجمين للنقد الغربي للفكر الديني اللاهوتي الكنسي في أوروبا، وهم يعيدون صياغة ذلك النقد بلغة عربية، ويسقطونه على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأحكام الفقهية، ولا إبداع لديهم في شيء مما يقولون. فليس من المناسب أن تشغل القيادات الإسلامية الفكرية نفسها وثمين أوقاتها عن بناء منهجية القرآن العظيم المعرفية والمشروع الحضاري الإسلامي العالمي المتكامل المنبثق عنها والتقدم به إلى الدنيا كلها بمناقشة ترجمات أطروحات هؤلاء اللاهوتية. (55)

خاتمة:
” إن الإسلام دين سلام، و عقيدة و حب، و نظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه و أن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابين. و ليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه و على أهله. فأما إذا سالموهم فإن الإسلام ليس براغب في الخصومة و لا متطوع بها كذلك. و هو حتى في حالة الخصومة يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك و عدالة المعاملة، انتظارا لليوم الذي يقتنع فيه خصومه الخير في أن ينضووا تحت لواءه الرفيع. ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم الذي تستقيم فيه النفوس فتتجه هذا الاتجاه المستقيم.”(56).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أ.د عبد الرحمن،بن زيد الزنيد،فلسفة المواطنة.qamat.org
(2)الشعبي،أحمد قائد،وثيقة المدينة..المضمون والدلالة،ط1،ص35-38.بتصرف.
(3)المستشار محمد بن صالح الدحيم،المواطنة في الفكر الإسلامي.www.wop-ij.org /ArticlesDetails/aspx ?ld=9
(4)سنن الترمذي (5/723).
(5)أد أبومحمد عبد الله بن احمد الطيار،المواطنة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع،ص3.موقع منار السبيل. www.m-islam.com/art/s/1787.
(6)الكراوي علي خليفة،”المواطنة والديموقراطية في البلدان العربية”،ط1،ص31.
(7)ـ درجنا على التفريق بين “المشروع الحضاري الإسلامي” الذي يقوم على ثوابت الإسلام وقواعده الأساسية ويسعى لتحقيق عالميته وبين “المشاريع السياسية الإسلامية” التي يسعى أصحابها لتقديم معالجات أو مشاريع سياسية في أطر إقليمية أو قومية محددة. (د.طه جابر العلواني.)
(8)ـ راجع البحث القيم (المجتمع المدني في عهد النبوة أو “السيرة النبوية الصحيحة”) لمؤلفه الدكتور أكرم ضياء العمري، ط المدينة وقطر وترجمته الانجليزية نشرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1991م.
(9)طه جابر،العلواني،حقوق المواطنة-فقه الواقع -،ص1-3 بتصرف.
(10)(التوبة: آية 24) (11)(إبراهيم: آية 35 .
(12) (النساء: آية 66).
(13) (الممتحنة: آية 8).
(14) (البقرة: آية 246).
(15). (آل عمران: آية 195). (16) (الحشر: آية 9 .
(17) عبد الله متولي،مقال الوطني والمواطنة.www.alramidia.com/home/details ?ld=731
(118) أخرجه “مسلم”،كتاب الحج،باب الترغيب في سكن المدينة والصبرعلى لأوائها،رقم ج2(1376)ص1003.
(19) أخرجه الترمذي(3926)،والحاكم(1/661،رقم1787) وقال:صحيح الإسناد.
(20) بدرعبد الحميد هميسه،حب الوطن بين المشروع والممنوع،1431ه/2010م.www.almeshkat.net/book/4841
(21)الريس،محمد ضياء الدين،النظريات السياسية الإسلامية،ص 16.
(22)السيرة النبوية للدكتور النابلسي.
(23)رواه البخاري في الإيمان.
(24) حديث جابر بن عبد الله (أخرجه أحمد،والحاكم وقال :صحيح الإسناد).
(25) حديث كعب بن مالك (رواه أحمد وصححه الألباني)
(26) أخرجه ابن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر،وابن كثير:السيرة النبوية(2/201).قال الألباني:ضعيف.
(27)ياسر حسن،عبد التواب جابر،المواطنة في الشريعة الإسلاميةط1،ص 137-140 بتصرف
(28)علاءالدين عبد الزاق جنكو،مقالة: المواطنة بين السياسة الشرعية والتحديات المعاصرة،ص 54.
(29) الصاوي عبد المنعم حامد المرسي،أسس بناء الدولة الإسلامية في المدينة،ص 110-111بتصرف.
(30) الشعبي،وثيقة المدينة ،ص 142-145،بتصرف.
(31) القاسمي ظافر،نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي،الحياة الدستورية ،ص 42.
(32) الغضبان منير،التحالف السياسي في الإسلام،ص 114.
(33) حلمي محمود،نظم الحكم في الإسلام،مقارن بالنظم المعاصرة،ط2،ص173.
(34) الغضبان منير،مرجع سابق،ص 114.
(35) ابن حبان،محمد بن حبان بن أحمد،الصحيح،تحقيق شعيبالأرنؤوط،ط2،13/215،حديث رقم:5895.
(36)الدريني محمد فتحي،خصائص التشريع الإسلام في السياسة والحكم،ط1،ص 351.
(37) الجراري عباس،مفهوم التعايش في الإسلام،مقال بمجلة الإسلام اليوم،دورية تصدرها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم،ايسيسكو،العدد14،ص36.
(38) أبو زهرة محمد،العلاقت الدولية في الإسلام،ص 61.
(39) مقال:ما الفرق بين المواطنة والوطنية،بتصرف.نشربتاريخ 02فبراير2016،موقعwww.irtikaa.com/learning/1744-
(40)ملف شامل عن المواطنة(المفهوم،الأسس،الأهداف..)www.politics-dz.com.
(41) محمد زاهد جول،كاتب وباحث أسلامي تركي،مقال المواطنة..والتأسيس الفقهي المعاصر،ورقة مقدمة إلى ندوة”تطور العلوم الفقهية في عُمان-الفقه الإسلامي في عالم متغير”خلال الفترة من 9-13/4/2011.www.avb.s-oman.net
(42) سامرمؤيد،عبد اللطيف،المواطنة وإشكاليتها في ظل الدولة الإسلامية،مجلة الفرات،العدد السابع،2011،ص94-96 بتصرف.
(43)علاء الدين عبد الرزاق جنكو،المواطنة بين الساسة الشرعية والتحديات المعاصرة،كوردستان العراق،جامعة التنمية البشرية في السليمانية،ص50-51،بتصرف.
(44) يراجع البحث القيم عن العلمانية ومفهومها وآثارها في النموذج المعرفي والأخلاقي للدكتور عبد الوهاب المسيري في إطار المقدمات النظرية لموسوعة “المفاهيم والمصطلحات الصهيونية”.
(45) طه جابر العلواني،حقوق المواطنة-فقه الواقع- ،ص4-5،بتصرف.
(46)إعلان مراكش،لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي-الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة- تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة -Promoting Peace in Muslim Societes-،25-27 يناير2016.
(47) انظر: جامع الترمذي (2687)، أخرجه ، وقال: غريب، سنن ابن ماجه (4169) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(48) صحيح البخاري (6114)، صحيح مسلم (2009) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(49) انظر: تاريخ دمشق (66/286)، فضائل بيت المقدس، (ص 86).
(50) صحيح البخاري .
(51) انظر: مجموع الفتاوى (28/615).
(52) انظر: مجموع الفتاوى (28/615)، (28/618).
(53)سلمان العودة،مقال:هل يجوز التعايش مع غير المسلمين؟،موقع الإسلام اليوم،شوال1430ه/10/2009م،بتصرف.
(54)إعلان مراكش،لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي-الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة- تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة -Promoting Peace in Muslim Societes-،25-27 يناير2016.
(55)طه جابر،العلواني،حقوق المواطنة-فقه الواقع-،ص4-5،بتصرف.
(56 ) سيد،قطب، في ظلال القران ط1،م6-ص 3544