مولد المصطفى وجدل الاحتفال به

تكبر في أعين المغاربة ذكرى مولد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويرفع محبو الرسول الكريم ذكرى مولده إلى مقام العيد، وكان المغاربة قديما وحديثا يحتفون بليلة مولده باعتبارها ليلة فاضلة تذكرهم بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، وتحيي فيهم محبته على الدوام باعتباره المختار من بين العرب جميعا لحمل الرسالة بثقل المسؤولية التي ناءت بحملها الجبال الراسيات.

فساهمت رسالته في تغيير تاريخ العرب والإنتقال بوجودهم من حالة الوثنية إلى حالة التوحيد، ومن مستوى الشرك إلى مقام يرفع مكانهم جنب أهل الكتاب، بنزول القرآن على نبيهم محمد بن عبد الله. فكان بالفعل أحد عظماء التاريخ الذين غيروا وجه الحضارة العربية، وفتح شهيتهم لبناء مجد وصل صيته إلى حدود الصين.

إن الذكرى النبوية عيد بدلالة الفرح والإحتفال والبهجة وإحياء صلة الرحم بين الأهل والأحباب، وشراء الهدايا والملابس للأطفال، فلم يكن المغاربة يفرقون بين عيد الفطر وعيد المولد النبوي من حيث تشابه وجه الإحتفال بهما.

ثم أتى حين من الدهر ظهر علينا أشخاص زعموا أن ذكرى مولد رسول الله ليست عيدا، استنادا إلى حديث نبوي يحصر عيد المسلمين في عيد الفطر الذي يختتم به المسلمون شهر رمضان الكريم، وعيد الأضحى الذي يختتم به حجاج بيت الله الحرام حجهم المبرور.

طبعا نقاش هؤلاء يحتاج إلى أعصاب ببرودة القطب الشمالي المتجمد حتى يتم إقناعهم بكون المغزى من العيد الفرحة وتجديد العلاقة بالله ورسوله، وأن رفع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لذكرى المولد النبوي الشريف إلى مرتبة العيد إنما هي بدعة واجبة وحسنة حسب تقسيم سلطان العلماء العز بن عبد السلام لصنوف البدعة… فما لا يستقيم حب رسول الله إلا به فهو واجب، بناء على القاعدة الفقهية التي تقول: ” ما لا تستقيم الواجب ( الإحتفال بحب رسول الله ) إلا به ( عيد المولد النبوي ) فهو واجب.

ولهذا فما أكثر الجهالات التي تتعامل مع الدين بعقلية صلدة تطبعها الغلظة والفظاظة، وتجهل أو تتجاهل المقصد من كل عيد وهو الطابع الإحتفالي. فما ضر المسلمين أن يضيفوا إلى أيام عامهم الهجري فرحة برسولهم الكريم، ولتكن ذكرى أو عيدا فليس يهم في ذلك التسمية بقدر ما تهم الفرحة الكبرى التي تؤكد التلاحم بين المسلمين على قاعدة حب النبي والإحتفال بذكرى مولده؟

ولهذا لا تطربنا أصوات الإستنكار التي تبالغ في تمسكها بالسنة النبوية، وتنسى قول الله تعالى ( إن الله ملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

فإذا كانت الصلاة على النبي على مدار الساعة في الملإ الأعلى، فكيف تحجبها عقول مغلقة تأبى الإنصات إلى صوت العاطفة الجماعية للمسلمين حين تود هذه الأخيرة التعبير عن حبها لرسول الله بالإحتفال به في ذكرى مولده الشريف؟!!

ولهذا وجب صم الآذان عن دعاوى التشدد وفتح الأفئدة على مواصلة التمسك بما سنه الأجداد من سنة حسنة على المسلمين أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
بقلم: محمد علي لعموري