وقفات مع كتاب تاريخ نجد ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

سوسن العتيبي
هذا “جون فيلبي” كان مستشرقا طبعا، من أجل نقض العثمانية وترسيخ النفوذ البريطاني في جزيرة العرب، لكن فيما بعد أسلم وانقلب لصالح السعودية ودخل في مفاوضات ليحميها من جشع شركات النفط بدايات اكتشافه، وأدخل السيارات وساهم في تحديث البلد باعتباره مستشارا للملك. يعني كانوا يريدونه لصالحهم فهداه الله للإسلام فناصر جماعات بدوية قبلية لم تهدأ رحى معاركها منذ القرن الرابع عشر ميلادي! وطبعا كل تاريخنا (ولا تكاد تسلم عائلة أو قبيلة في نجد من دم مهدر بلا حق، ومال مسلوب بلا حق، وكذا الأشراف، والأتراك في فترتهم الأخيرة ومن عمل معهم).

في هذا الكتاب يسرد حكاية هذه الحركات بلا ديباجة دينية ولا تخوينية ولا حتى مناصرة، يكتب وكأنه يكتب تقريرا لجهات أجنبية، وبلا حس أدبي، بل بسرد فيه أخطاء للأسف من ناحية الأسماء (ربما المشكلة في المترجم)، وكذا في تركيز البؤرة على الرياض والدرعية، أما الرسومات التوضيحية فكارثة!

المهم الكتاب مفيد باعتباره شهادة تاريخية، لكن لا بد من معرفة جيدة بالقبائل وولاءاتها وتقسيماتها وعلاقاتها فيما بينها قبل الترويض الديني “اخوان من طاع الله” الذي جمع أعدى الأعداء، وكذلك معرفة أسماء ومواقع الأماكن المذكورة، مثل: الرياض كانت لا تتجاوز ٢كلم، وربما هي حي صغير قديم الآن اسمه “الفوطة”.. و”عرقة” حي الآن من أحياء الرياض، و”الحاير”، و”الدرعية” تابعة للرياض..

كذا عدم التفريق بين الأسماء المتشابهة، كنسبة آل خليفة إلى العتبان، بينما هم من حركة العتوب التي قاومت الفرس والترك.، وهي حركة أحلاف قبائل.

كذلك سرد الغارات دون تبيين أنها من أهم خطوط التجارة والقوافل كالخط الممتد من القصيم للزبير في العراق، والتداخل بين قبائل نجد وقبائل العراق ودول الخليج لدرجة كبيرة لا تسمح بالاستقطاب الحضاري بين أمراء القرى (ممكن تكون القرية أصغر من المدن الجامعية لكن لها ذكر في التاريخ). كذلك دور أهل القصيم في خطوط التجارة والسبب في طمع المتقاتلين على الإمارات فيها؟!

كذلك عدم تفريقه بين المناخ والمعركة، فالمناخ من أناخ الإبل، أي يستمر لأشهر، وبه تتبين قوة القبائل لشدة الصبر والتكاتف، والقبائل المنتصرة أكثر في المناخات أقوى، بينما المعارك قد تكوم بلا إعداد وتشبه الغارات ولأيام وتعتمد السرعة والخفة والمكر.

كذلك اغفال جوانب سيطرة القبائل على القوافل ودور قبيلة حرب في ذلك، وكذلك نزوح عتيبة إلى نجد ودورها كذلك! بل لا يكاد يذكر دور (فريج العتبان) في المبرز وحضور آل حميد! وبدايات الاحتشاد لشيخ شمل يوحد كلمة القبيلة!

كذلك بدايات النقمة الشديدة على الترك بسبب تطاولهم بل وإهانتهم للعرب وهتك الأعراض للأسف، والتكتلات القبلية التي سعت لحماية أنفسها، إلا أن قرب مساكن بعضها من بعض القرى الساعية للحكم قد غير موازين القوى. فقبيلة كمطير والظفير وسبيع قد أنهكتها تحالفات القرى أو الإمارات الصغيرة، فكان حضورها أثناء الدولة السعودية الثالثة أقل من القبائل التي استقلت بذاتها إلى حد ما ولم تضعف قوتها، كعتيبة والبقوم. فليس من العدل أن تسرد تاريخ قبيلة ما دون النظر في الظروف التي أذهبت وأضعفت عددها وعتادها.

أخيرا: الكتاب جيد لكن فيه أخطاء كثيرة كما تقدم، لكنه جيد لمن يريد عزل الوهابية من سياقها الاجتماعي وربطها بباعثها الديني! الدين لم يكن إلا عاملا وجد دوره في الترويض، لسكان منطقة لم يتسالموا وتحقن دمائهم إلا في عصر الخلافة الراشدة، فلا يصلحهم ويرفع السيف عن رقابهم إلا نبي أو هدي نبي! وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، وأي دعوة أخرى تعمل السيف ليست إلا دنيا.
رابط صفحة الباحثة سوسن العتيبي على فيبسوك https://www.facebook.com/sawsan.alo