الاستعمال الملتبس لمصطلح العلمانية

عبدالجبار الرفاعي
نشر أحد الأصدقاء على صفحتي في الفيس بك مقطعًا من حوار منشور في كتابي: “الدين والظمأ الأنطولوجي”. فأثار المقطع بعض الأسئلة الملتبسة، فكتبت على ما نشر التعقيب التالي:

أخي الاستاذ معاذ محمد رمضان أشكرك على نشر المقطع، لكن أرجوك وكل صديق ينشر مقاطع من كتاباتي ألا يقوم بنشر كلماتي منزوعة من سياقها الذي وردت فيه، لأن ذلك يسبب التباسا في الفهم، ويصبح كمن يقرأ الآية هكذا: (ولا تقربوا الصلاة…) ويبتر مقطعها الآخر: (وأنتم سكارى). كما يحدث في التعقيبات على المقطع الذي نشرته حضرتك على صفحتي اليوم حول مصطلح العلمانية… انا أعرف العلمانية جيدا، واحترم خيارات كل إنسان ومعتقداته مهما كانت، واعرف نشأة العلمانية وكل التفاصيل عنها، مالم يعرفه البعض ممن يتحدث ويكتب عنها، لأني بدأت أقرأ عنها وأهتم بدراستها منذ أكثر من 40 عاما… مما يؤسف له أنه يتم تفريغ بعض المصطلحات والمفاهيم من معانيها في مجتمعاتنا، بعد سلخها عن الفضاء الذي ولدت وتطورت فيه. ويجري استثمارها بشكل غريب، تتعرض فيه تلك المصطلحات والمفاهيم إلى تشويه عن جهل أو عمد، وبعد تشويهها يصير استعمالها بحق شخص وتوصيفه بها قدحًا واتهامًا، ومما يؤسف له أضحى مصطلح (العلمانية) ضحية هذا الضرب من الاستعمال المبتذل المتعسف، وغالبًا ما يتورط البعض بذلك، بلا تبصر ومطالعات صبورة.

*****
وفيما يلي نص السؤال وجوابي بتمامه، كما ورد في فصل 6 من كتابي: “الدين والظمأ الأنطولوجي”. الطبعة الثالثة، 2018، ص 189-191:
سؤال: هل تتفق مع من يقدّم طرحا علمانيًا للدين من داخل الدين، أو ما يسمى بـ “العلمانية المؤمنة”. وهل تقبل هذا التوصيف لك؟
جواب عبدالجبار الرفاعي: من مشكلاتنا الفكرية هذا الخلط العشوائي، إذ يختلط العقل مع اللاعقل، العاطفة مع اللاعاطفة، الدين مع اللادين، الثقافة مع اللاثقافة، الاقتصاد مع اللااقتصاد، الدولة مع اللادولة، والسياسة مع اللاسياسة.. وهكذا. يؤسفني أننا نخلط كل شيء بكل شيء. هذا خلط شاع في مرحلة ماضية، بل هي موضة تفشت في بعض الأدبيات الإسلامية منذ منتصف القرن الماضي. ومازالت بقايا صدى منها تتردد في مصطلح “علمانية مؤمنة”، وهو تعبير يسخدمه بعض الأصدقاء، أو”يسار إسلامي” كما تحلو التسمية لصديقنا د. حسن حنفي.
أرفض توصيف “علماني” لي، ذلك أنه يشي بحكم قدحي. الناس مرضى بالتصنيف ووضع اللافتات. لا أقبل أن أصنف نفسي تبعًا لهذه الخلطة الهجينة، مثل: يسار إسلامي، يمين إسلامي، ليبرالي إسلامي، ديمقراطي إسلامي، اشتراكي إسلامي، علماني إسلامي، علماني مؤمن.
يؤسفني أنه يتفشى فهم تبسيطي لدى بعض المراهقين، ممن يتشبهون بالمثقفين، يتلخص في: امتناع اجتماع الايمان مع العقل، أي أن تكون مؤمناً – في مفهومهم – فأنت غير عاقل، أن تكون عاقلاً فأنت غير مؤمن. أما أن يجتمع فيك العقل والايمان، مثل: ابن سينا وابن رشد وابن عربي، وديكارت وكانط وكيركيگورد، فهذا تهافت.
كررت اكثر من مرة: أنا مسلم مؤمن، متيم بحب الله والإنسان والعالم. أؤمن بالله ونبيه وكتابه الكريم، وما جاء به النبي “ص”. وأؤدي الصلاة والفرائض، طبقا لما نصت عليه الشريعة.
أمضيت حياتي في دراسة وتدريس علوم الدين ومعارفه، لا أحتاج إلى من يعلمني ما الاسلام وما رسالته. لست ناطقًا باسم الله، ولا باسم أحد. أحترم معتقدات الآخر، متمنيًا أن يحترمني الآخر.كل ما أكتبه أشدّد فيه على بيان مفهوم الدين،وأدعو لبناء تدين يثري الحياة الروحية والأخلاقية ويرسخ القيم الجمالية.
يؤذيني من يجرح الضمير الديني للآخر، ومن يزدري الدين، ويتهكم على الاسلام، ويسخر من التدين والحياة الروحية الأخلاقية. كما يؤذيني من يتهم كل مفكر حر يعبر عن فهم مختلف للدين وقراءة غير تراثية للنصوص الدينية.
هنا أود الاشارة في سياق شرح مصطلح “علماني مؤمن”، إلى أن الكلمات ليست بريئة أو محايدة. الكلمات لا تخلو من أحكام، لذلك تتطلب براعة وخبرة في تعاطيها واستعمالها كي لا يتبدد أو يتشوه معناها.
الكلمات مشبعة برؤية للعالم، مشتقة من أنساق بيئتها، ونمط الفضاء اللغوي الخاص بها. إنها مرآة للثقافة التي تنتمي اليها. الكلمات حساسة. الكلمات معبأة بطاقتها الخاصة للمعنى. نهدر المعنى ونبدده لو عبثنا بمواضعاتها واستعملناها خارج سياقاتها، وحاولنا تبذير المعنى في تركيبها مع كلمات لا تنتمي إلى مجالها التداولي، واستعملناها في عبارات وجمل لا تشبهها.
توصيف “علماني مؤمن” أو “مؤمن علماني”، يشي بجمع مفهومين متنافرين، لا ينتميان إلى سياق واحد، فالعلمانية كما تستعمل قدحيا اليوم بإسراف في أدبيات جماعات الاسلام السياسي، تنصرف في فهمهم إلى شبكة مفاهيم ومواقف مناهضة للدين، أن يوصف بها شخص فهو يعني أنه “غير مؤمن”، بل هي شتيمة تطلق لكل من لا يتبنى رؤاهم ومواقفهم. ولعلها تؤشر في مضمون تلك الأدبيات إلى الحكم بإخراج المسلم الموصوف بها من الملة.

سؤال:لماذا لا يصح أن يكون أحدنا علمانيا مؤمنا، فهو مؤمن بالله ورسوله وكتابه الكريم؟
جواب عبدالجبار الرفاعي: أنت حددت إيمانه بقولك: “هو مؤمن بالله ورسوله وكتابه الكريم”، ومعنى ذلك، أنه ليس مخيرًا في تبني أية صيغة للعبادة والطقس الذي يوصله إلى الله. ففي كل رسالة هناك تقليد خاص للطقس والعبادة، مشتق منها ومتسق مع نمط الايمان والاعتقاد الخاص بها. كما أشرت إلى ذلك من قبل. وبتعبير أوضح: مثلما أن للإيمان والتجارب الدينية أنماط، وهذه الأنماط تتنوع وتتعدد بتعدد الرسالات والأديان، فإن الطقوس والعبادات تتنوع تبعا لها. مع احترامي لأتباع الأديان، لكل دين تقليدُه العبادي وصلاته وطقسه الخاص في وصال الحق، الذي يُنهَل منه نمطُ إيمان أتباعه. فلا يصح أن تكون مسلمًا، وبدلا من الصلاة تؤدي القداس مع المسيحيين، تبعا لتقليد الطقس الكنسي. أو أن تكون مسيحيا، وبدلا من القداس في الكنيسة تؤدي الصلاة في المسجد، تبعا لتقليد العبادة الاسلامي.

*****
ما “أشرت إليه” ورد من قبل في هذا المقطع من الكتاب، فصل 2 ، ص 72- 73:
كل الأديان تتشابه عباداتها وطقوسها وشعائرها مع عقائدها. محاولات الترقيع والالتقاط في العبادات والطقوس والشعائر تمحو صورة الدين، وتمحق الإيمان المتولد عنه. أما القول: “إن لكل شخص طقسه الخاص”، فهذه واحدة من الخدع، ذلك أن تاريخ الأديان ينبؤنا بأن ميزة الطقوس الثابتة إنما هي في اشتراكها بين أتباع الدين الواحد، ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا طقوسهم كيفما يشاؤون.
نعم، هناك استثناءات في العبادات والطقوس العامة، ولكنها تعبر عن حالات خاصة، عن تشريعات لوضع خاص، كما في حالات السفر والمرض وغيرها. فإن الطقوس تتغير هنا، ولكن لا بسبب أن هناك “طقساً خاصًا”، وإنما لأن هناك اختلالًا في أحد الشروط أو الظروف التي يجب أخذها في الطقس، فسمحت بالانتقال إلى طقس من نوع آخر، من: قصر، أو ترك صيام، أو غيرهما.
كما أن لكل شخص تجربته الروحية الخاصة، التي تغذيها الطقوس المشتركة في الديانة التي ينتمي إليها، فصلاة الحلاج والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي، هي صلاة الإسلام ذاتها، غير أنهم تميزوا وتفوقوا بأنماط تجاربهم الدينية الخصبة الفوارةالملهمة.
الإيمان والتجربة الدينية الأصيلة يمكن أن تتحقق في سياق ديانة ذات إطار اعتقادي طقوسي محدد، ذلك أنها تتطلب أن تستقي على الدوام من التقليد الطقوسي الخاص بها، الذي هو من سنخها، ولو ركّبنا عليها تقليدًا طقوسيًا بديلًا، كما لو أن مسلمًا يمارس تقليدًا طقوسيًا هندوسيًا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين التكريس الشعائري الطقوسي والمعتقد والتجربة الدينية المنبثقة عنه، ذلك أن لكل معتقد طقس خاص من جنسه، بمعنى أنه مشتق من طبيعة رؤيته للعالم ومقولاته الاعتقادية.
وهذا ما تُدلل عليه الحياة الدينية لمختلف المجتمعات، ففي المجتمعات الغربية، التي يمنح الأشخاص فيها حرية دينية واسعة، لا تسودها ظواهر، مثل: مسلم يصلي في معبد هندوسي، أو هندوسي يؤدي طقسه في المسجد.
قلما نعثر على أشخاص يتخبطون في تجريب الأديان وطقوسها، بغية إرواء ظمئهم الأنطولوجي، وعادة يعيش مثل هؤلاء ضياعًا وتمزقًا وقلقًا واضطرابًا، ذلك أنهم كشارب ماء البحر، كلما شرب منه اشتد ظمؤه.