الأنجري: ننادي بالحرية الدينية في بلادنا

يعيد موقع اسلام مغربي نشر الحوار الذي أجرته ذ سميرة فرزاز مع الأستاذ محمد ابن الأزرق الأنجري، أستاذ الدراسات الاسلامية وخريج دار الحديث الحسنية. الحوار نشرته جريدة الأحداث المغربية يوم الجمعة 30 نونبر 2018:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا : هل لاعتناق دين مقاييس معينة ؟
أعتقد أن اعتناق دين ما مسألة شخصية يتفاعل فيها العامل الاجتماعي والنفسي والثقافي … ولا يوجد أي مقياس محدّد يمكن اعتماده لأن الدين ليس ” علما تجريبيا ” خاضعا للقوانين والقواعد العلمية . غالب الناس يختارون عقيدة معينة بسلاسة تقليدا لمجتمعاتهم وتأثرا بعاداتهم ، وقلّة نادرة من الناس حول العالم ، تستطيع أن تختار لنفسها دينا بعد تجربة مريرة نفسيا وعقليا وفكريا …
أما إن كنت ذ سميرة تقصدين : هل هناك مقاييس تدل على التزام الانسان بدين معين ؟
فالجواب هو أن لكل دينا أصولا اعتقادية وطقوسا عملياتية يدلّ كل منها على أن الانسان الملتزم بها قليلا أو كثيرا قد اختار الدين الذي تنتمي إليه . فالمسلم – مثلا – يعرف دينه بالثوابت الإيمانية كالتصديق بنبوة سيدنا محمد ( ص ) والإقرار بأن القرآن كلام الله تعالى ، أو بأداء الصلوات الخمس …

ثانيا : كيف يرى المجتمع من يخالف المقاييس الموضوعة للتدين ؟
عندما يختار مجتمع ما دينا محدّدا ، يصير ذلك الدين بعد ترسّخه جزءا لا يتجزّأ من ثقافة المجتمع وتقاليده وخصائصه . وكل من يخالف المعايير الدالة على التزام دين المجتمع ، فإنه يتعرّض لشتى ألوان التهميش والإهانة والأذى الذي قد يصل إلى حدّ القتل . ولا ينجو مجتمع من هذه الآفة إلا المجتمعات المتقدمة التي آمنت بقداسة حقوق الانسان وحريته الدينية . لكن هذه المجتمعات نفسها ، قد تمارس بعض أسرها نوعا من الإرهاب النفسي أو الإكراه البدني في حق من يتمرّد على دينها . فالشابة الأوربية التي تعتنق الإسلام مثلا ، قد تتعرّض للأذى من أسرتها أو زملائها … لكن القضية خطرة في المجتمعات النامية كما هو الحال في بلادنا المسلمة المنغلقة على نرجسيتها الفجّة بحيث تفرح وتنتشي بخبر إسلام الأوروبيين ، لكنها تمارس صنوف الاضطهاد والإساءة لمن يختار الخروج من الإسلام ، وهو أمر مرفوض .

ثالثا : هل بالفعل نحن أحرار في اختيار ديننا ؟
لا. المجتمع الصغير ثم الكبير هما اللذان يفرضان على الانسان التدين بعقيدته . وهذا أمر لا عيب فيه ولا حرج ، لأن الانسان ابن بيئته . وحينما يتربى الشخص على دين مجتمعه ، فإنه لا يستشعر الغصب والإكراه على ذلك ، بل يراه قضيته في الوجود . أما الشخص الذي ترتبك علاقته بدين مجتمعه ، ثم يترجّح لديه أنه على الدين الخطإ ، ويبقى مستترا خائفا من ردة فعل المجتمع أو منافقا مصلحيا ، فذاك شخص اختار سجن نفسه وتقييد حريته ذاتيا ، لأننا رأينا أناسا كثيرين يجهرون بمعتقداتهم المخالفة لدين أسرهم ومجتمعهم من غير أن يتعرّضوا للأذى البدني على الأقل . ومن كان منهم مقيما ببلد منغلق ، لا يتسامح مع الفارّين من دين المجتمع ، فإنه يهاجر إلى الحرية .
إننا ننادي بالحرية الدينية في بلادنا ، ونطالب باحترام حق الناس في اختيار المعتقدات التي يقتنعون بها ، وندعو لتفعيل النداء القرآني الخالد في مجتمعاتنا المكهربة : ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ) ( الكهف : 29 ) أي : للإنسان كامل الحرية في اختيار دينه قبل الآخرة التي فيها الحساب والعقاب للظالمين أنفسهم أو الناس . وبالتالي فلا مجال لمعاقبة ” المرتد ” في الدنيا من قبل البشر ، ولا مجال لإرغام الناس على اعتناق دين معين ولو كان الإسلام : ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( سورة البقرة : 256 ) فالمجال عقلي يخضع للاقتناع والاختيار الحر . بل النبي ذاته ممنوع بالكلية من أي محاولة لفرض الوصاية الدينية على الناس لأن الله الخالق لم يشإ الإيمان به وبرسوله مشيئة حتمية ، لأنه يريد من الناس أن يؤمنوا به وبأنبيائه طوعا لا كرها: ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً . أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( سورة يونس : 99 )
فعليه أن يتمسّك بدينه ويحترم اختيارات الناس ولو كفروا به إذ عليه أن يعلن لهم معترفا بحقهم : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ( سورة الكافرون : 6 ) .
نعم ، من حقه أن يحاورهم بالتي هي أحسن ويعرض عليهم أفكاره الدينية ومعتقداته من غير سيطرة عليهم بالقوة والعنف لأن حساب الكافر في الآخرة وليس في الدنيا مرة أخرى : ( فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26) ( سورة الغاشية )