المقاهي الذكورية

لا أحد قد ينكر علينا هذا القول إذا صرحنا بملء الفيه أن المجتمع المغربي مجتمع ذكوري بامتياز كما باقي المجتمعات العربية. وهذا الحكم لا يقتصر فقط على المجتمعات الناطقة بالعربية ، بل يشمل جل المجتمعات الإنسانية على وجه هذه البسيطة. لكن ما يجعل حصة الأسد في هذا الحكم تستفرد به منطقتنا العربية ، هو إستمرار نفس النمط الذكوري يسري داخل بنية المجتمع العربي في عصر العولمة ، في حين كانت المجتمعات الغربية قد فرملت ذكورية مجتمعاتها بقوانين تحمي المساواة بين الجنسين ، وسيادة ثقافة الحقوق وتجذرها في وعي ولا وعي الأفراد والجماعات ، حتى بات الفكر الحقوقي التحرري الذي يحمي ولوج المرأة للفضاءات العامة والخاصة كما الرجل دون مركب نقص من جانبها ، ودون إنكار أو استنكار الرجل لحق المراة في هذا الباب ثقافة مجتمع برمته.

مناسبة هذا القول ؛ وأنا أتواجد بمقهى شعبي بمدينة الدار البيضاء ، حيث تجرى مقابلة هامة بين فريق وطني وآخر أجنبي ؛ أن هذا الفضاء العام يحوي جنس الذكور بنسبة مائة بالمائة..

وتساءلت – وإن كنت لست في حاجة لطرح هذا السؤال- لماذا لا يوجد أي عنصر أنثوي داخل المقهى او خارجه؟

طبعا الجواب سهل ومعقد الفهم والتحليل هو : المقهى مجتمع ذكوري مصغر .

طبعا قد نرفع سقف التساؤل عاليا لنقول : ولماذا المجتمع المغربي ذكوريا حتى تكون مقاهيه ذكورية؟

ولا يهمنا إن كان الجواب الآتي من هنا أو هناك مغريا أم مخيبا لأفق الإنتظار ، لأن الجواب لا يوجد عند من يعيش ذكوريته صباح مساء ، ويتمثل هويته مسيطرا على المشهد بتغييب وجود المرأة بعد تقسيم جغرافية المكان هذا لبني جنسه وذاك لبنات جنسها.

بالعودة إلى المقهى الذي لا توجد به فتاة واحدة ممن يشجعن الفريق اللاعب ، سنمضي في القول ان الرجل الذي يحتكر المقهى ولا يقبل ولوج المرأة إليه إلا إذا كانت مسترجلة او ذات وجه شجاع يواجه نظرات التحرش الذكوري والنقد بأحسن منها ، هو نفسه الرجل الذي يفرض سلطته داخل البيت.

طبعا هذا الرجل الذكوري المتعنت المحتكر للمكان وللفضاء العام هو نفسه الذي ينقد خروج المرأة إلى العمل ويعلق شماعة فشله او بطالته على اقتحام المرأة لميدان العمل ، منكرا عليها تنافسيتها التي حررتها نسبيا من القعود والسلبية التي فرضتها عليها التقاليد العتيقة.

الرجل الفاشل يستحضر ذكوريته كسلاح للتهجم على خروج المراة ونجاحها وتفوقها في ميادين العمل والتعليم والتكوين ، ويعتبرها غير ذات أهلية لكل هذه الإمتيازات ولهذه الحرية…وقد يجد ضالته في إتجاه تفسيري في الدين يحجم مكانة المرأة ويقولب حظوظها ويقزم إمكاناتها حتى تظل مطوية تحت سلطة الرجل.

المقهى الذكوري صورة مصغرة عن مجتمع ذكوري يحتكر السلطة ويمركزها في يد الذكور . وحتى لو كانت القوانين بالمغرب قد قفزت بالحقوق نحو التأسيس لكيان أسري عصري تتساوى فيه الزوجة مع الزوج في الحقوق والواجبات ، فإن ذهنية التمييز القائمة داخل الأسر تربي وتغذي التفوق الذي يعطى للذكر على حساب حقوق الأناث ، وبالتالي تنشأ لدى العنصر الذكر ذاتية متسلطة وعقلية سالبة لحرية أخته وزميلته وصديقته وعشيقته وربما يطال المكر السيء أخته الكبرى وزوجته التي تعمل داخل البيت وخارجه…

المقهى الذكوري يعكس مدى تعنت الرجل حين يحتكر بصيغة الجمع فضاء ملكا للجنسين معا بلا وصم أو تمييز ، وهو مقهى يعكس أيضا مدى سخرية الأقدار التي تمنح للجنس الذكر كل هذا التسامح مع كل مظاهر المصادرة التي يمارسها هذا الذكر تجاه الأنثى…فإذا تحرش بها فهي التي أغوته بلباسها الفتان وجسدها المتمايل ، وإذا اغتصبها ففي أفضل الأحوال ؛ ولتنجنب الفضيحة ؛ يتم تزويجها بالذي اعتدى على شرفها ، وإذا فشل الذكر في دراسته وفشل في الحصول على عمل ، فلأن المرأة هي السبب لأنها حسب معتقده الذكوري هي السبب ، فلو لزمت بيتها لوجد عملا مكان عملها !!….

فكل هذه الرواسب ذات المنزع الثقافي تمنح للرجل ” حق ” احتكار المقهى وتوجيه كل أشكال التحرش اللفظي بالفتيات المارات على ناصيته ، ولعله فكر راسخ يحتاج إلى مسح شامل يشمل فضاء المجتمع برمته لتوعية وتربية جيل آخر من شأنه القبول بالعنصر الأنثى داخل مقاهيه الشعبية دونما نقد أو تحرش أو استنكار.
بقلم : محمد علي لعموري