هل نستطيع (إطلاق) حركة التنوير من خلال الروحانيات؟

محمد التهامي الحراق
طرحت الأستاذة الفضلى والأخت العزيزة الباحثة الروحانية للا ياسمينة الصبيحي قضية هامة، ودعت زمرة من الباحثين وأهل النسبة إلى التفكير فيها، وهذا نص استفسارها:
“ساداتي الشيوخ و علماء الصوفية إخواني الأعزاء.
تحياتي و مودتي و إخلاصي في محبتكم
لدي سؤال من فضلكم.
ما هو موقف الفكر الصوفي اتجاه حركة التنوير الفكري في العالم الإسلامي و غيره من الديانات إذا اعتبرناه أساس حرية الفكر والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وقبول الاختلاف والرأي الآخر، وقبول الوصف والتشريح والتحليل ضد الطغيان السياسي والفكر الموحد أو الفكر التطرفي الذي أدى الى جمود العالم الاسلامي و تخلفه.
هل نستطيع (إطلاق) حركة التنوير من خلال الروحانيات ؟
بارك الله فيكم وجزاكم عنا خير الجزاء”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أستاذتي الكريمة. بعد إجزاء الشكر الأثيل والثناء الجميل لك على طرحك لهذا السؤال المحوري بل والإشكالي، وكذا على تشريفي بأن أكون من خاصةِ من طلبتِ إجاباتهم، أبسط أمامك، وأمام المهتمين رأيي في السؤال، أو قل بعض الأفكار والإشارات والإنارات التي تقتضي منا البحث العميق، والفحص العلمي والروحي المسؤول…وهو بسط لا يتعدى كونه رؤوس أقلام ليس إلا.
1- حين نتحدث عن “الفكر الصوفي” فنحن أمام جمع بصيغة مفرد، أي أمام ألوان ومسارات وتجارب وعرفانيات تنضوي تحت وحدة اسم “الفكر الصوفي”، لكن لها أيضا التعدد والتنوع والاختلاف علامات رئيسة. ومن ثم فقد نكون إزاء رؤى وآراء إزاء السؤال المطروح، دون أن ينفي أحد منها الآخر، أو يقصيه من دائرة “الفكر الصوفي”، ما دام ينطلق من نفس المرجعية الصوفية بتعدد روافدها وتجاربها ومساراتها.
2- يتبنى السؤال مفهوم “التنوير الفكري” كما تبلور في السياق الحديث، ويظهر هذا في تأكيده على جملة من القيم الحداثية السائرة اليوم مثل “حرية الفكر” و”العدالة الاجتماعية” و”الكرامة الإنسانية” و”قبول الاختلاف” …، ومن ثم تطالب السائلةُ ب”حركة تنويرية من خلال الروحانيات” تستجيب لهذه القيم، وتواجه الانحراف عنها باسم الدين في “الفكر التطرفي”.
3- لا أخفيكم أن مثل هذا الطلب أمر ملحاح ومصيري، وتحتاجه الحداثةُ اليومَ مثلما يحتاجهُ التدينُ، تحتاجهُ الحداثةُ التي رفعت شعار التنويرِ، لكنها انحرفَت عن تلك القيم التنويرية لما خرجت من أحشائها الأنظمة الشمولية والعنصرية والحروب العالمية والنزعات الاستعمارية …..مثلما انحرفت تلك الحداثةُ حين توهمت أن الإنسان قد يكتفي ببعده العقلي عن بعده الروحي، فعملت على نسف كلَّ ضرورة للدينِ بذريعةِ انحراف بعض أشكال التدين ومناهضتها للعقل وحجرها على الأرواحِ؛ بل ظنت، واهمةً، أن الحداثةَ وباسم العلم والتقدمِ قد طوت صفحة الدين وأحالتهُ على ماض تاريخِي بلا رجعةٍ، وهو ما أخفقت فيهِ حينَ كشفَت اللحظةُ المعاصِرةُ أن هذه الصورة من الحداثة عاجزة عن الإجابةِ عن أسئلة الروحِ وعن حاجةِ الظمأ الأنطلوجي للمعنى التي تفاقمت لدى الإنسان المعاصر.
4- الحركة التنورية الروحيةُ هي أيضا حاجةٌ ملحةٌ لتجاوز تكلس التدين في أنماط تدينية حرفية متحجرةٍ لا تعي التحول التاريخي الحديث، ولا الانقلاب الأنطلوجي الجدري الذي عرفته المعارف والمفاهيم والعلوم في الإبستيمية الحديثة، ومن ثم لا تعي ضرورة التجديد العقلي والروحي لأشكال التدين بما يجدد حضور نصوص الوحي في العقول والأرواح، وذلك في خلط فادح وفظيع بين الوحي المتعالي والفهوم البشرية النسبية، وهذا ما يحول دون تحقيق الإعداد الروحي والعقلي للمومن الحديث لكي يتمثل قيم “حرية الفكر” و”العدالة الاجتماعية” و”الكرامة الإنسانية” و”قبول الاختلاف” ..إلخ.
5- نعم لحركة تنويرية روحية، بشرط أن تكون نقدية حيال “الفكر التطرفي” سواء حمل لواء الحداثة أو الدين، وهذا يقتضي إنجاز قراءة نقدية لتراث الحداثة وتراثنا الديني، مثلما يقتضي العمل الاجتهادي، عقلا وروحا، من أجل إعادة امتلاك ذينك التراثين، قصد إبراز الآفاق الكونية والإنسية والرحموتية في تدين روحانيينا، والتي يمكن الانطلاق منها لتجسير العلاقة بين قيمنا الدينية وقيم الحداثة التنويرية، مثلما يقتضي الأمر عملا اجتهاديا لجعل التنوير الحداثي مستوعبا للبعد الروحي في الإنسان بما هو ضرورة أنطلوجية لا انفكاك له عنها، وليكون التراثان إذ ذاك في خدمة الإنسان وتكريمه، سواء باسم العقل أو باتسم الروح، عند ذاك فقط ستعانق أنوار الروح أنوار العقل، أو قل ستتعاضد أنوار الحداثة مع أنوار الدين لأن الأنوار في هذا الأفق لا تتزاحم.
6- إن التراث الصوفي يزخر بالبذور التي يمكن الانطلاق منها نحو حركة تنويرية روحية، لكن مثل هذا الأمر يستلزمُ عملاً معرفيا و”فتحا عرفانيا”؛ أي عملا عقليا نقديا، وبذلا روحيا باطنيا يوازي هذا العمل، لننبذ كل خرافة تلتبس يالروحانية، وكل عدمية تلتبس بالعقلانية، ولنكون إزاء “كرامات” و “فتوح” من جنس “العقل الحديث”، تفتح العقول والبصائر على معارف وآفاقٍ وقيم تجدد الروحانية كضامن لحركة إبداع العقلِ، مثلما تجدد العقلانية كمستوعبٍ لخصوصية حاجات الروحِ ومتطلبات الظمأ الأنطلوجي للمعنى.
7- بهذا الاعتبار، أكادُ أقولُ إن التصوفَ اليوم بهذا الأفق وهذه الشرائط كفيلُ بالإسهام بما لا نظير له في إنقادِ التدينِ المتكلس من أزمته التاريخية، وإنقاذ الحداثةِ من عدائها التاريخي للدين؛ ذلك أن التصوفَ يعيدُ الاعتبارَ إلى الأفق المطلَقِ والمتعالي في الدينِ، مثلما ينشغل بالكوني والإنسي والرحموتي فيه، ومن ثم فإنه أ يؤسس لحوار روحاني بين الأديان بعيدا عن تاريخية الانغلاقات التيولوجية التي اعتقلت الأديان في مفاهيم ومقولات ذهنية لم نكتشف بعد تاريخيتها لنحرر روح الدينِ منها، مثلما يؤسس لحوار مع الحداثة لا ينيف العقلَ بل يوسعهُ بما يستوعبُ خصائص الأفق الروحي والمعنوي في الإنسان بعيدا عن كل تناقض حدي بين العقل والروح، كما يرسخه “الفكر التطرفي” في الحداثة والدين.
بوركت الأستاذة الفضلى والمهندسة الذاكرة للا ياسمينة…

ــــــــــــــــــــ

العنوان من اختيار الموقع