إدريس جنداري: قراءة في كتاب “ثغور المرابطة”

الحلقة الأولى: أخبار المرابطة على باب الرباط
يستهل طه عبد الرحمان كتابه ( ثغور المرابطة ) بعتبة قرآنية، قد بينا، سابقا، الوظيفة الإيديولوجية للعتبات القرآنية في كتب طه، فهو يسعى من خلالها إلى بث رسالة إيديولوجية، أكثر من المحافظة على الشحنة المقدسة للآيات القرآنية.

يوظف الكتاب عتبة قرآنية من سورة الإسراء، يفتتحها بالآية: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حولة لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير”. ولينجلي التوظيف الإيديولوجي للمتن القرآني، يمكن أن نقارن بآية أخرى من سورة الأنعام “وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون”. ( الانعام – 92 ).

بين الآيتين تعارض دلالي واضح، كما يبدو، فإذا كانت الآية الأولى تحيل على الإسراء بمركز الحضارة الإسلامية من مكة إلى القدس، فإن الآية الثانية تؤكد على مركزية مكة (أم القرى) التي تحضر كمركز بينما يحضر ما حولها كمحيط، ومن مكة/أم القرى ينطلق شعاعا الإيمان والإسلام ( يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون).

واضح، إذن، لكل ذي خلفية معرفية، أن توظيف طه للعتبة القرآنية لم يكن بريئا البتة، بل كان نوعا من التبئير focalisation الدلالي لرسالة الكتاب مجملة.

وبالعودة إلى الاختيار المنهجي للكتاب، وإلى اتجاهه الإيديولوجي، يبدو أن طه عبدالرحمان فضل الكشف عن أجندته السياسية التي طالما أخفاها بغلاف ( فلسفي شفاف). والواضح أنها تصب، منهجيا، في الاتجاه العرفاني، و تصب، سياسيا، في الاتجاه الصفوي – لإخواني.

وكلا الاتجاهين يخططان، منذ تأسيسهما، لنقل مركز الحضارة الإسلامية من مكة حيث الميلاد والبعثة النبويين، إلى القدس حيث اتجاه الإسراء بالنبي. فالإسراء بالنبي (ص) من المسجد الحرام (مكة) إلى المسجد الأقصى (القدس) يتجاوز الطابع الإعجازي، ليؤسس لمشروع إيديولوجي ينقل مركز الحضارة الإسلامية من مكة إلى القدس.

هذا النزوع الإيديولوجي، يعبر عنه طه عبد الرحمان، صراحة، في كتابه حينما يعلن عن موقفه الإيديولوجي الصفوي-الإخواني، الذي صاغه في لباس موقف سياسي أقرب إلى السذاجة وأبعد عن التحليل السياسي الرصين ! يهاجم (الفيلسوف) النظامين السعودي والإماراتي، فالأول غير قادر على حماية نفسه بله حماية قبلة المسلمين، أما الثاني فهو صنيعة أمريك-إسرائيلية. وكلا النظامين يعرقلان نشوء قوة ديمقراطية إسلامية جديدة في منطقة الشرق الأوسط.

يستثني طه من نقده السياسي النظام القطري والنظام التركي، رأسا الحربة في المشروع الإخواني، واللذان يمثلان البديل الديمقراطي الإسلامي المنشود حسب طه. أما الإمام الخميني، فقد استطاع أن يحدث في الفكر السياسي الإمامي الاثني عشري، منعطفا فاصلا بنظريته في “ولاية الفقيه” متغلبا بذلك على عدد من العقبات العقدية التي كانت تقيد مسار هذا الفكر، معرقلة تحوله إلى واقع حي !!! ( ص:70)

هكذا، يكون هذا الكتاب بمثابة زبدة المشروع الطاهوي (يجُبُّ ما قبله) لكل ما كتب قبله وشغل المريدين بإثبات طابعه الفلسفي، لا يعدو أن يكون إعادة تدوير لهذا الموقف الإيديولوجي الصفوي- الإخواني.

يحاول طه عبد الرحمان من خلال كتابه (ثغور المرابطة) إيهام المتلقي، غير الخبير بآليات التحليل المعرفي، أن مقاربته ذات طابع فلسفي مجرد تنشغل بالفكرة أكثر ما تنشغل بتكوينها التاريخي وحركيتها الواقعية. فمثل هذه القضايا الكيانية، في تصوره، توجب تقديم النظر الفلسفي على التحليل السياسي (ص:11). ولذلك، يحاول طه الإيهام بتميزه الفلسفي داخل التداول الفكري العربي المعاصر، فهو يوهم أن خوضه الفلسفي في القضايا السياسية، ليس كخوض غيره ممن يردون الفلسفة إلى التاريخ ( إشارة إلى العروي) أو إلى السياسة ( إشارة إلى الجابري). ( ص: 11).

هذه المبالغة في الهوس الفلسفي المجرد، تكشف عن حالة نفسية أكثر ما تعبر عن حالة معرفية، فطه واع تمام الوعي بأنه ينطلق من مرجعية إيديولوجية (صفوية-إخوانية) وواع كذلك بأنه منخرط في الصراع الجيوسياسي الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي. ولذلك فهو يقدم نفسه مثل (المريب الذي يكاد يقول خذوني!) بقدر ما يسعى إلى إخفاء هذا النزوع الإيديولوجي في مقدمة الكتاب، فهو يكشفه، على الملأ، بين ثنايا التحليل الذي جاء أبعد عن التحليل الفلسفي وأقرب إلى المرافعة الإيديولوجية.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله.