إدريس جنداري: قراءة في كتاب “ثغور المرابطة”

د. إدريس جنداري

1- بين الفلسفي و الإيديولوجي

يحاول طه عبد الرحمان من خلال كتابه (ثغور المرابطة) إيهام المتلقي، غير الخبير بآليات التحليل المعرفي، أن مقاربته للواقع السياسي العربي و الإسلامي ذات طابع فلسفي مجرد تنشغل بالفكرة أكثر مما تنشغل بتكوينها التاريخي و حركيتها الواقعية.  فمثل هذه القضايا الكيانية، في اعتباره، توجب تقديم النظر الفلسفي على التحليل السياسي.[1] ولذلك، يحاول طه الإيهام بتميزه الفلسفي، ضمن مجال التداول الفكري العربي المعاصر، فهو يؤكد على أنه بقدر ما يبحث الموضوعات المطروحة و يناقش القضايا الجوهرية، يحرص على أن يستوفي شرطين مفقودين في الكتابة الفلسفية العربية، أحدهما استثمار الطاقة البيانية للسان العربي، و الشرط الثاني التوسل بأدوات المنطق في تحليل الأفكار و ترتيبها. [2] و يصل طه إلى التمييز، صراحة، بين منهجه ( الفلسفي) و بين مناهج غيره من المفكرين العرب المعاصرين، موهما المتلقي أن خوضه الفلسفي في القضايا السياسية، ليس كخوض غيره ممن يردون الفلسفة إلى التاريخ ( إشارة إلى منهج عبد الله العروي) أو إلى السياسة ( إشارة إلى منهج محمد عابد الجابري) .[3]

هذه المبالغة في الهوس الفلسفي المجرد، تكشف عن حالة نفسية أكثر ما تعبر عن حالة معرفية، فطه عبد الرحمان واع تمام الوعي بأنه ينطلق من مرجعية إيديولوجية (صحوية )[4] و واع كذلك بأنه منخرط في الصراع الجيو-سياسي الذي يعيشه العالم العربي و الإسلامي، بين المشروع القومي الفارسي ذي النزوع الشيعي و بين المشروع القومي العربي ذي النزوع السني، و لذلك فهو يقدم نفسه مثل (المريب الذي يكاد يقول خذوني) !بقدر ما يسعى إلى إخفاء هذا النزوع الإيديولوجي في مقدمة الكتاب، فهو يكشفه، على الملأ، بين ثنايا التحليل الذي جاء أبعد عن التحليل الفلسفي و أقرب إلى المرافعة الإيديولوجية.

2- أخبار (المرابطة) على باب (الرباط) .. قراءة في عتبات الكتاب

يستهل طه عبد الرحمان كتابه ( ثغور المرابطة ) بعتبة قرآنية, و غني عن البيان الوظيفة النصية للعتبات، حيث خصص لها جيرار جنيت كتابا كاملا [5] غير أن العتبات  القرآنية في كتب طه عبد الرحمان تتجاوز الوظيفة النصية، لتقوم بوظيفة إيديولوجية موجهة للبناء الدلالي، على المستوى الكلي للكتاب، من خلال بث رسالة إيديولوجية أكثر من المحافظة على الشحنة المقدسة للآيات القرآنية.

يوظف الكتاب عتبة قرآنية من سورة الإسراء، يفتتحها بالآية : ” سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حولة لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير “. و لينجلي التوظيف الإيديولوجي للمتن القرآني، يمكن أن نقارن بآية أخرى من سورة  الأنعام  ” و هذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه و لتنذر ام القرى و من حولها و الذين يؤمنون بالآخرة و يؤمنون به و هم على صلاتهم يحافظون.  ( لانعام – 92 ) .  واضح، إذن، لكل ذي خلفية معرفية، أن توظيف طه للعتبة القرآنية لم يكن بريئا، البتة، بل كان نوعا من التبئيرfocalisation  الدلالي لرسالة الكتاب بمجملة.

و بالعودة إلى الاختيار المنهجي للكتاب، و إلى اتجاهه الإيديولوجي، يبدو أن طه عبدالرحمان فضل الكشف عن أجندته السياسية التي طالما أخفاها بغلاف ( فلسفي) شفاف، و الواضح أنها تصب، منهجيا، في الاتجاه العرفاني و تصب، سياسيا، في الاتجاه الصحوي ببعديه الإخواني و الخميني. و كلا الاتجاهين يخططان، منذ تأسيسهما، لنقل مركز الحضارة الإسلامية من مكة، حيث الميلاد و البعثة النبويين، إلى القدس حيث اتجاه الإسراء بالنبي. فالإسراء بالنبي ( ص) من المسجد الحرام (مكة) إلى المسجد الأقصى (القدس) يتجاوز، من المنظور الطاهوي، الطابع الإعجازي، ليؤسس لمشروع إيديولوجي ينقل مركز الحضارة الإسلامية من مكة إلى القدس.

هذا النزوع الإيديولوجي الصحوي، يؤكده طه، بوضوح، من خلال حديثه عن قبلة المسلمين ( مكة المكرمة) حيث يقدم تأويلا إيديولوجيا خاصا بعد إلباسه الجبة الدينية ” فما لم يستحضر المصلي في قلبه سابق التوجه إلى قبلة المقدس، و هو يولي وجهه شطر القبلة المكية، فلا يستطيع أن يتحقق بكمال التوجه، فحينها يجوز القول أن حاضر التوجه إلى البيت الحرام هو من ماضي التوجه إلى المسجد الأقصى”. [6]

بين الخمينية و الوهابية .. الفلسفة كتقية

3-1- من شيطنة الوهابية إلى شيطنة المحور السني

يعبر طه عبد الرحمان عن نزوع إيديولوجي صحوي؛ صاغه في لباس موقف سياسي أقرب إلى السذاجة و أبعد عن التحليل السياسي الرصين ! ففي مقابل انحيازه المفضوح للتيار الصحوي، بجناحيه الإخواني و الخميني، يواجه طه عبد الرحمان، بشراسة إيديولوجية، التيار السياسي المعارض مجسدا إياه في النظامين السعودي و الإماراتي، و رغم تركيزه على الصراع بين النظامين السعودي و الإيراني، فإنه خصص جزءا من تحليله  للنظام الإماراتي الذي يعتبره حليفا للنظام السعودي. فالنظام السعودي لا ينفك يوطد كافة علاقاته بالنظام الإماراتي، مستعينا به في تحديد ثابت مقاصده، فضلا عن تحديد طارئ وسائله. [7]

يخلص طه عبد الرحمان، من خلال تأمله في حال و تصرفات النظام الإماراتي، إلى كون هذا النظام، على هائل إمكاناته المادية، ليس بوسعه أن يعيد إلى الاستواء ما كان منقلبا، إن مقصدا أو وسيلة. [8] و ذلك ما يؤكده، حسب طه عبد الرحمان، تبني النظام الإماراتي للسياسة الأمريكية و الإسرائيلية في المنطقة العربية، متوليا تنفيذ بعض مخططاتها . [9]

ويصل طه عبد الرحمان، من خلال تناوله للتحالف السعودي-الإماراتي، إلى خلاصة إيديولوجية تعبر عن توجه صحوي مفضوح، فاختلال وجهة النظام الإماراتي أسوأ من اختلال وجهة النظام السعودي، إذ أن اختلال الوجهة في النظام السعودي مرده إلى وجود موالاته لأعدى أعداء الأمة، في حين أن اختلال الوجهة لدى النظام الإماراتي مرده إلى توليه هذه الموالاة، فتحا لبابها و توسطا فيها و حملا للدول العربية و المسلمة الأخرى عليها . [10]

و اعتبارا منه أن النظام الإماراتي ليس سوى امتداد للنظام السعودي، يركز طه عبد الرحمان، في نقده الإيديولوجي، على النظام السعودي الذي يمثل، في اعتباره، حجر عثرة في وجه المشروع الصحوي. و لذلك، يلجأ طه إلى أسلوب المرافعة الإيديولوجية موظفا كل عتاده الحجاجي من أجل شيطنة النظام السعودي و مذهبه الوهابي. فالنظام السعودي مختل الوجهة مما يفقده جدارة حماية قبلة المسلمين، فضلا عن حماية إيمانهم، و يتساءل طه عبد الرحمان، باستغراب، بل كيف له و قد فقد وجهته مستقويا بأعداء الأمة أن يحمي اي شيء حتى و لو كان حكمه نفسه ![11]

لكن، ما يشغل بال طه هو كون النظام السعودي قد نجح في تصدير فكرانيته العقدية و التمكين لها في العالم الإسلامي، مما يجعله قوة مزاحمة للمشروع الخميني، و لذلك يلجأ طه إلى ممارسة التصدي الحجاجي لهذه القوة المنافسة، التي دخلت على النفوس من أسباب الضيق العقدي و الضحالة الفكرية، ما جعل أصحابها لا يميزون ما ينفعهم مما يضرهم محافظة على وجودهم، فضلا عن أن يقتحموا مجال الإبداع و التثوير. [12]هذا المجال الإبداعي التثويري الذي يحتكره النظام الإيراني بإيديولوجيته الخمينية (المبدعة) التي تستحق الاستيلاء على كل الامتداد الإسلامي ! و هذا ما يؤكده طه، حينما يعبر عن شديد امتعاضه من توظيف النظام السعودي لثروته النفطية في تشكيل أوسع جبهة من الدول و الحكومات لمناهضة للنظام الإيراني، متخذا من التدابير الاقتصادية ما يضعفه، و مستصدرا من القرارات السياسية ما يحاصره . [13]

هذه القوة السعودية الناشئة، في العالم الإسلامي، التي تمكنت من تشكيل عتاد (فكراني) محارب للإيديولوجية الخمينية، تستمد قوتها، حسب طه، من دعم الدول الاستعمارية التي توظف النظام السعودي لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، في العالم الإسلامي، ” فإذا هي أبقت عليه إلى حد الآن، رغم موجات الحراك الشعبي المتتالية التي ضربت المنطقة العربية، فليس ذاك إلا لأن الخصم الإيراني موجود (..) أما أنه لو قضي على هذا الخصم لم يعد هناك مبرر يوجب بقاء هذا النظام ” . [14]

هكذا، يصر طه عبد الرحمان على إصدار أحكام قيمة غير مؤسسة على أي دليل مادي ملموس، ضاربا عرض الحائط منطق “التحليل الملموس للواقع الملموس” مدعيا أنه فيلسوف يهتم بصياغة اللغة و بنائها المنطقي أكثر من الاهتمام بالوقائع المادية ! لكن رغم ذلك، يظل مصرا على ممارسة الكهانة السياسية، بدل ممارسة التحليل السياسي المؤسس بنيويا و تكوينيا. هذا التوجه (الفلسفي) المفترى عليه، أسقط  طه عبد الرحمان في فخ الدعاية الإيديولوجية، فبدل أن يلتزم مبدأ الموضوعية العلمية، في مقاربته للصراع الجيو-سياسي الذي يعيشه العالم العربي و الإسلامي، انخرط كليا في هذا الصراع، معبرا عن انحياز إيديولوجي مفضوح للتيار الصحوي، بجناحيه الإخواني و الخميني، في مواجهة التيار العربي السني الذي تقوده الدولة السعودية.

المغالطة الحجاجية من أجل التمكين للإيديولوجية الثورجية الشيعية

من خلال فحص معرفي دقيق لمقاربة طه عبد الرحمان في كتابه (ثغور المرابطة) للنظام الإيراني و امتدادا له الإيديولوجية الخمينية، يتبن أن طه قد فشل فشلا ذريعا في إثبات ادعائه الفلسفي/المنطقي الذي صاغه في مقدمة كتابه، و في المقابل كشف، بالملموس و المباشر، عن نزوعه الصفوي المطعم بتوابل إخوانية .

ففي حديث طه عن النظام الإيراني/الخميني، يتحمل جهدا فكريا خاصا لعرض الأصول السياسية التي يقوم عليها و مظاهر التجديد التي أحدثها الإمام الخميني.  فقد استطاع أن يحدث في الفكر السياسي الإمامي الاثني عشري، منعطفا فاصلا بنظريته في ” ولاية الفقيه” متغلبا بذلك على عدد من العقبات العقدية التي كانت تقيد مسار هذا الفكر ، معرفة تحوله إلى واقع حي ![15] و قد تمكن الخميني، بفضل تجاوزه لعقبات الوصية و العصمة و الغيبة و ضيق الفقه، من جسر الهوة الساحقة التي كانت تجسر الفقه الشيعي في نظام الحكم عن الفقه السني، بل تمكن من تقويم الاعوجاج الذي لحق مفهوم البيعة عند اهل السنة أنفسهم . [16]

يبدو من خلال ظاهر التحليل أن طه عبد الرحمان يحلل، بموضوعية فلسفية، أسس و مقومات النظام الإيراني/ الخميني. لكن، القراءة المعرفية السابرة لعمق النموذج الفكري الطاهوي، تؤكد أن طه غير منشغل بالعرض الموضوعي أو بالمقاربة المعرفية، بل إنه منخرط في الصراع الجيوسياسي، من رأسه إلى اخمص قدميه، فهو يقدم نفسه ممثلا للإيديولوجية الخمينية الثورية في مواجهة الأنظمة الملكية المحافظة، و ليس التركيز على النظام السعودي، في سياق المقارنة، إلا ذريعة يوظفها طه للإيهام، أما حقيقة الأمر فتتعلق بموقف جذري يصوغه طه عبد الرحمان ضد الملكيات العربية في الخليج العربي و خارج حدوده في المغرب و الأردن .

و هذا يؤكده طه بصريح العبارة ” و لما كانت الفكرانية الخمينية فكرانية سياسية بقدر ما هي دينية، كان لابد أن تقترن الثورة التي أحدثتها، على المستوى العقدي، بثورة عملية، على المستوى السياسي، فقد دعا الخميني إلى الثورة على الطواغيت، قاصدا أرباب السلطان الموروث، فضلا عن قوى الاستعمار الأجنبي التي تسندهم، بل استطاع أن ينهض بأسباب تحقيقها على أرض الواقع، مجددا الحياة في الروح الثورية التي عرفت بها الحركة الشيعية منذ نشأتها” [17]

ويصل طه إلى أوج الحماس تجاه الفكرة الثورية الشيعية، محتفيا بنجاحها الباهر في قلب النظام السياسي القائم، و تأسيس (الدولة الإسلامية). ” فقد أطيح، فعلا، بنظام الإمبراطور محمد رضا شاه بهلوي، و انتقلت إيران من النظام الملكي القائم على الاستبداد إلى النظام الجمهوري المبني على الاستفتاء، و تبع ذلك ما تبعه من تحولات مؤسسية كبرى تثبت الهوية الإسلامية للمجتمع الإيراني من خلال تولي الفقهاء، بشكل مباشر، مسؤولية إدارة الحكم فيه . [18]

يتجاوز طه عبد الرحمان الاحتفاء بالثورة الخمينية، في الداخل الإيراني، إلى الاحتفاء بما حققته هذه ( الفكرانية) الثورية من انتشار عبر ربوع العالم كله، و هكذا يتقمص جبة الداعية الثورجي مشيدا بهذا النجاح، “فالخميني لم يرض لهذه الثورة أن تبقى ضمن حدود إيران، بل أراد أن تعم جميع أرجاء العالم كله، آخذا بمبدأ تصدير الثورة و جاعلا منه واجبا دينيا بحجة أن رسالة الإسلام رسالة عالمية، و أن واجب الثورة هو حماية المستضعفين من قوى الاستكبار العالمي. [19]

يتبنى طه عبد الرحمان المشروع الخميني، قلبا و قالبا، حينما يعود إلى دستور الجمهورية الإيرانية الذي ينص على بناء الأمة العالمية، و إقامة ” حاكمية قانون الله في الأرض” و لعل هذا ما يفسر، حسب طه، اندفاع إيران، بقوة، في دعم الحركات السياسية و الجماعات المعارضة في كل مكان تسنى لها أن تنفذ إليه، مستخدمة شتى المؤسسات الإيرانية، الاقتصادية و الخيرية، و مختلف الوسائل الإعلامية و المراكز الثقافية … بل، أكثر من ذلك، لم تتردد في تزويد هذه الحركات بالسلاح و العتاد.[20]

لقد وظف طه عبد الرحمان كل عتاده المنطقي من أجل (شيطنة) النظام الوهابي و من خلاله جميع الانظمة الملكية المحافظة في العالم العربي، و في المقابل حاول ( رحمنة) النظام الخميني و ما يتفرع عنه، إيديولوجيا و تنظيميا، بل إن طه بالغ في حجاجه من أجل إقناع المتلقي بأحقية الفكرانيةالثورجية الشيعية في اكتساح كل المجال الحضاري العربي و الإسلامي لأنها أحق بذلك .

تأصيل الإيديولوجية الثورجية الشيعية بمنهج شيعي راديكالي

يعبر طه عبد الرحمان، في كتابه ( ثغور المرابطة) عن نزوع ثورجي شيعي، يبدو من خلال قراءته الموجهة إيديولوجيا للماضي و الحاضر السنيين، فالماضي السني يجسده المحكمة، أما الحاضر السني فتجسده الوهابية و من يتحالف معها من أنظمة محافظة .

و بعد قراءته للمشهد (الفكراني) المعاصر الذي يقوم على أساس الصراع بين الخمينية و الوهابية، من منظور إيديولوجي مختزل (يشيطن) الوهابية و ( يُرَحمِن) الخمينية. ينقل طه عبد الرحمان عتاده الإيديولوجي إلى الماضي محاولا التأصيل لهذا الصراع الإيديولوجي المعاصر، من منظور الصراع القديم بين السنة ( الأمويون) و بين الشيعة (أهل البيت) . لكن، ما يطغى على تحليل طه هو التوجيه الإيديولوجي المُسبَق، فهو يعبر عن انضواء شبه كلي تحت لواء الإيديولوجية الثورية الشيعية في اتجاهها الأكثر راديكالية من الخمينية نفسها. يقسم طه هذا الصراع إلى ثلاث مراحل :

تمثلت المرحلة الأولى في منازعة معاوية بن أبي سفيان لعلي بن أبي طالب حقه في الخلافة، لا منازعة كلام و آراء لا يرى فيها علي بأسا- حتى لو كانت بغير حق- إذ شأنه أن يصبر عليها كما صبر على جدال الخوارج ، و إنما منازعة عملية ميدانية إذ تجرأ معاوية على انتاع جزء من الولاية التي اتمن عليها اسما و أرضا.

المرحلة الثانية تمثلت في استنزال معاوية بن أبي سفيان للحسن بن علي بن أبي طالب عن حقه في الخلافة متعهدا له بإعادتها، عن قريب، إلى اصلها الائتماني.

المرحلة الثالثة : قتل يزيد بن معاوية لحسين بن علي بن أبي طالب شر قتلة مستخفا بنسبه إلى الرسول (ص) . و يستمر طه في عرض السردية الكربلائية بنفس شيعي أصيل: فقد جمعت هذه القتلة إلى الغيظ بسبب المنازعة الطويلة لجده و الاستنزال المشروط لأبيه، شديد الحرص على إهانة العزيز، و مكبوت الرغبة في الثأر للماضي السحيق. و لئن كانت هيأة هذا القتل علامة على بالغ التوحش الذي اتسمت به هذه المرحلة التحكيمية ، فإن آثارها و ندوبها في النفوس على فظاعتها و عمقها، تبقى دون آثار فعل القتل نفسه و ندوبه في التاريخ الإسلامي. فقد جعل هذا الفعل روح الأمة تنكر نفسها يوم كربلاء منشطرة إلى شطرين: روح ما قبل الحسين التي لم تأثم، و روح مابعد الحسين التي عرفت الإثم . [21]

و تجسيدا لنزعته الإيديولوجية، ينحو طه عبد الرحمان بهذه السردية الكربلائية، من الاتجاه السياسي باعتبارها صراع مواقف و مصالح بين طرفين متنافسين على الحكم، إلى الاتجاه الأنطولوجي رابطا بينها و بين سردية قتل قابيل لأخيه هابيل . هذا القتل الشنيع (قتل الحسين) يشبه قتل قابيل بن آدم لأخيه هابيل “. [22] و ينتقل طه، كعادته، إلى إخضاع هذه السردية الأنطولوجية لمشرط التأويل موظفا قدرتهالحجاجية من أجل تشكيل مشهد إيديولوجي ضاج بالعنف و التقتيل، في سبيل إقناع المتلقي بمظلومية أهل البيت .

و يوضح طه العلاقة بين السردية التاريخية و بين السردية الأنطولوجية من عدة وجوه، فكما أن قابيل قتل أخاه لينتزع منه ما حقه أن يملكه من متاع الدنيا، أو لأن ما يملكه من التقبل الإلهي  فاته، فكذلك (يزيد) قتل (الحسين) لينزع ما حقه أن يملكه من الإمامة على الأمة، أو لأن ما يملكه من النسب النبوي فاته” و الثاني، فكما أن قابيل، بقتله لهابيل، فتح للإنسانية طريقا غير مسبوق في ظلم بعضها البعض، فكذلك ( يزيد) بقتله لل (الحسين) فتح للمسلمين طريقا غير مسبوق في ظلم بعضهم البعض. و الثالث، فكما أن ظلم هابيل لا يمكن محوه من ذاكرة الإنسانية، نسيانا، و لا رفعه، قصاصا، فكذلك ظلم الحسين لا يمكن محوه من ذاكرة الأمة، نسيانا، و لا رفعه قصاصا. [23]

هذا الانتقال الذي يسعى طه عبد الرحمان إلى تحقيقه، من مستوى السردية التاريخية القابلة للإدراك الواعي و التجاوز، إلى مستوى السردية الأنطولوجية الغير قابلة للإدراك الواعي و التجاوز، يؤكد لكل ذي خلفية معرفية، أن طه عبد الرحمان لا يسعى إلى تحقيق المصالحة التاريخية بين الخصمين ( المتظلمة و المحكمة) كما يوهم متلقيه، و لكنه يسعى إلى تعميق جذور هذا الصراع السياسي أكثر، عبر تحويله إلى معتقد ديني راسخ يتوارث عبر الأجيال، فاصلا الأمة الإسلامية الواحدة إلى شطرين لا يلتقيان، أو أكثر من ذلك إلى أمتين متناحرتين، ف ” ظلم الحسين لا يمكن محوه من ذاكرة الأمة، نسيانا، و لا رفعه قصاصا !

هكذا، يبدو أن طه عبد الرحمان يمثل التيار الشيعي الأكثر راديكالية، بما يتجاوز التيار الخميني نفسه الذي أشاد بإصلاحاته في العقيدة و الفقه . و هذا يؤكده طه عبد الرحمان، بصريح العبارة، “ينتج من هذا أن نظام التحكيم الذي دشنه هذا القتل الشنيع لن يستطيع أن يعدل مهما اتخذ لذلك من السبل، لأن الظلم أضحى جزءا من ماهيته التي تتحدد بالملك القاتل. لذلك لم يعد يشغله الخروج من هذا الظلم الماهوي بقدر ما يشغله إنساؤه للمظلومين و محوه من الذاكرة”. و يحسم طه عبد الرحمان الأمر، بتوقيف أي نقاش فكري حول المصالحة بين المتظلمة/ الضحية و بين المحكمة/الجلاد ” فمهما أتى من أعمال يأخذ فيها الحقوق من الظلمة و يردها إليهم، فهذه الأعمال، على ظاهرها عدلها، لا تبدل هذه الماهية الملازمة له”.  [24] و في إحالة على الهامش، يذكر طه عبد الرحمان أن أعمال عمر بن عبد العزيز تدل على الشعور بهذا الظلم للمشروعية المالكة [25]. لكن، ما يبدو هو أن عمر بن عبد العزيز نفسه فشل في المهمة، لأن الظلم ماهوي لا يمكن تغييره بأي عدل، حتى و لو أتى من عمر بن عبد العزيز نفسه الذي تجمع على عدله كل تيارات و مذاهب الأمة الإسلامية .

عود على بدء .. المقارب السوسيو-ثقافية في مواجهة التقية الفلسفية

سواء من خلال تناوله للإيديولوجيتين الوهابية و الخمينية، معاصرا، أو من خلال تناوله للتيارين المذهبيين المتظلمة و المحكمة، ماضيا، فقد فشل طه عبد الرحمان في مهمته الفلسفية، و قدم نفسه بمثابة المنظر الإيديولوجي للتيار الثورجي الشيعي، كما قدم كتابه ( ثغور المرابطة) بمثابة المنشور الإيديولوجي الخالي من أي شحنة فلسفية.

قد يفاجئ كتاب ( ثغور المرابطة) الكثير من المتلقين الذي تعاملوا مع طه عبد الرحمان، لوقت طويل، باعتباره فيلسوفا مؤصلا للمفاهيم من داخل النظام المعرفي العربي الإسلامي، لكن القراءة المعرفية الفاحصة المسلحة بوعي سوسيو-ثقافي لا تنطلي عليها التقية الفلسفية، لأن مشرط سوسيولوجي الثقافة لا يستسلم للمعطيات الخطابية التي تمارس الإخفاء أكثر ما تمارس الإبانة، إنه يمارس مهمته النقدية من خلال إخضاع كل معطيات الخطاب للفحص و التدقيق، مع ربطها بالخلفيات النابعة منها.

[1]طه عبد الرحمان – ثغور المرابطة : مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية – منشورات مركز مغارب- ط:1 – 2018 – ص: 11

[2]نفس المرجع – ص: 15

[3]نفس المرجع- ص: 11

[4]أوظف مفهوم “الصحوية” للإحالة على تيار إيديولوجي يجمع بين الإخوانية و الخمينية، و قد تأسس هذا التيار على أنقاض التيار النهضوي. فإذا كان التيار الصحوي يتأسس على مفاهيم ” الحاكمية الإلهية” و “ولاية الفقيه”، و يسعى إلى تأويل ظاهر النص الديني من أجل التحكم في حركية الدولة و المجتمع ضمن ما يسميه ب ” مشروع الدولة الإسلامية”.  فإن التيار النهضوي الإسلامي يتأسس على مفهوم “المقاصد” باعتبار أن قراءة الشريعة تتجاوز ظاهر النصوص، إلى قراءة المقاصد الكبرى المرتبطة بالكليات الخمس ( حفظ الدين و النفس و العقل و النسل و المال). و لذلك، فإن عمل الشريعة يتجاوز تأطير الحياة الفردية و الجماعية، العامة و الخاصة من منظور نصي قانوني مغلق يقوم على الزجر. عمل الشريعة، على خلاف ذلك تماما، يقوم على درء المفاسد و جلب المصالح. و لذلك، فإن مفاهيم ” الدولة الإسلامية”، “المجتمع الإسلامي” تتجاوز حدود الحاكمية الإلهية المؤسسة نصيا من منظور “الحاكمية القانونية”، كما تتجاوز حدود “ولاية الفقيه” . الشريعة فلسفة توجه الحياة العامة و الخاصة، و تؤطرها من منظور القيم الإسلامية .

[5] G. Genette. seuils

[6]طه  عبد الرحمان- ثغور المرابطة – ص: 69

[7]نفس المرجع – ص: 105

[8]نفس المرجع ص: 105

[9]نفس المرجع- ص: 105

[10]نفس المرجع – ص: 105

[11]طه عبد الرحمان – ثغور المرابطة – – ص: 70

[12]نفس المرجع- ص: 67

[13]نفس المرجع- ص: 68

[14]نفس المرجع- ص: 68

[15]طه عبد الرحمان- ثغور المرابطة- ص: 70

[16]نفس المرجع – ص: 72

[17]طه عبد الرحمان – ثغور المرابطة – ص: 72

[18]نفس المرجع- ص: 72

[19]نفس المرجع- ص: 73

[20]نفس المرجع – ص: 73

[21]طه عبد الرحمان – ثغور المرابطة- ص: 80-81

[22]نفس المرجع – ص: 81

[23]نفس المرجع- ص: 81-82

[24]ص:ة 82 طه عبد الرحمان- ثغور المرابطة –

[25]نفس المرجع – ص: 82