قراءة في كتاب “الصراع على الإسلام” لـ”رضوان السيد”

ياسر مرزوق
حوّلت “الحرب على الإرهاب” ذات الأبعاد العسكرية والثقافية والاستراتيجية الإسلام والمسلمين إلى مشكلة عالمية ومن هنا يستعرض كاتبنا “رضوان السيد” المشهد الحالي والذي بدأت معالمه بالظهور في حرب الخليج الثانية 1991، ومن جانب المتشددين الإسلاميين بالإعلان عن “جبهة مجاهدة اليهود والصليبيين” أول عام 1998م وصولاً الى الحرب الأمريكية على الإرهاب بعد أحداث أيلول 2001 ومشروع الشرق الأوسط الكبير للرئيس” بوش”.

ويقدم “السيد” مراجعة نقدية، للخطاب الأمريكي والعربي بعد 11 أيلول محاولاً الإجابة على رسالة المثقفين الأمريكيين: هل يصلح شعار “الحرب العادلة” لتشكيل مجال مشترك للحوار، كما يقوم بتحليل رسالة المثقفين الأمريكيين وحركات الإسلام السياسي والصراع على الإسلام، من الاستشراق إلى الأنثروبولوجيا، مسألة الحضارة والعلاقات بين الحضارات لدى المثقفين العرب في الأزمنة الحديثة، الإسلاميون والعولمة: العالم في مرآة الهوية، رؤية العالم في الفكر الإسلامي المعاصر: الحتميات المؤتلفة والإمكانيات الأخرى، الثقافة الإسلامية وثقافة السلام، الإصلاح الإسلامي وصلاح البرامج التعليمية.

وككل أعماله الجادة، يباشر رضوان السيد في كتابه الجديد “الصراع على الإسلام” (دار الكتاب العربي، 2004) مقاربته التحليلية، من معاينة الواقع الملموس، أو “المشهد الراهن “ولا يفوته أن يسدل الستار على “المشهد”، بكشفه على واقع آخر، وقد اغتنى بحشد من المعطيات التاريخية، وشحن بأسئلة الماضي – الراهنة، وألقيت بين جنباته وأمام ناظريه أسئلة “المشاهد” الضرورية والملحة.

فالهجمة الأميركية في أوجها، واندفاع القوة العالمية “المنفردة” بلغ حداً عالياً في عدوانيته، وجموح الهيمنة يقود خطى القطب الأميركي الأوحد بعد أن فاز على خصمه السوفياتي السابق، والعرب أولاً، عادوا مستهدفين بضراوة، في عروبتهم وفي إسلامهم، مما وسع ساحة المواجهة، لتنضم إليها أقطار إسلامية اخرى في آسيا، وجاليات إسلامية مقيمة في الغرب الأوروبي والأميركي. مما أضاف الى الصراع العسكري والاقتصادي، بُعد الهوية بكل إشكالياته.

كما يطرح “السيد” اتصال الراهن بماضٍ له سياقه، على صعيد علاقة العرب والمسلمين بالغرب، وله منطقه التاريخي، على صعيد تطور الحركة الإسلامية، منذ مطالع القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة. وفي الحالين ثمة تصورات وبنى وقراءات، لها نماذج في الاستشراق وفي السيطرة وفي الاستعمار وفي الهيمنة، ولها نماذج ردود في محاولة الإصلاح (العربي والإسلامي) وفي بناء النموذج الخاص، وفي التعبيرات “القطعية” العنفية، التي كان الحادي عشر من أيلول عام 2001 تعبيراً عن عمق التأزم الذي آلت إليه. ويضيء على الإشكالية الكبرى المتمثلة بعجزنا عن الدخول في العالم وبالحنين الى الانسحاب منه، في حين ان المشاركة الفاعلة، والتسوية المنفتحة نفسها، تعطيان “مشروعنا الحضاري” المدعى معناه الشامل.

في تحليل «الوضعية» الأميركية، يطلق الدكتور رضوان السيد حكمه على الخطاب السياسي، والثقافي الذي يسوّغ للإدارة الأميركية الحالية مسلكها، فيصفه بأنه خطاب متهافت. في شرح ذلك، يخوض الكاتب، سجالاً مع المثقفين الأميركيين، ومع رسالتهم، التي دعتنا لأن نكون جزءاً من حزب أميركا العادلة. يرفض السيد” مفهوم العدالة للحرب، كما يرفض ربط السياسة بالمبادئ، او إقامة التماهي بين القيم وأميركا، بحيث تصير الواحدة هي الأخرى وتصير المهمة “الإرسالية التبشيرية” منوطة بتفسيرات القوة، وبقوة فرضها على الآخرين في الوقت عينه، أي بشن الحرب التي اعتبرها الكاتب “عملاً سياسياً لا علاقة له بالأخلاق”، وإذا كان لا مفر من “حرب ما”، لأن الضرورات الدفاعية تملي ذلك، فمن الأجدى إعطاء الحرب صفة “الضرورية”.

ربما حاول الكاتب ملاقاة المثقفين الأميركيين في منتصف جادة الحوار، إلا أن مفردة الضرورية تظل عاجزة عن تسويغ الهجمة وتبريرها، بخاصة إذا ترك أمر تحديد الضرورات “لأولي أمرها” وبخاصة إذا أخذنا بالمثل القائل ” الضرورات تبيح المحظورات”… ومعلوم أن الحرب ما كانت إلا لـضرورات يعطيها القادرون على الحرب “أخلاقيتها” ويسبغون عليها ما يشاؤون من معاني التاريخ، ويستبيحون باسمها كل المحظورات. في هذا المجال يظل السؤال عالقاً عن “قهر الضرورات” التي تتيح للآخرين سحق شعوب وبلدان بأكملها، فهل يعقل أن يدفع العالم ما دفعه في الحروب العالمية المتنقلة، ثمناً لمنع انهيار اقتصاد؟ أو ثمناً للسيطرة على سوق؟ أو ثمناً لتعظيم أرباح الاحتكارات ودفعها إلى حدودها القصوى؟ نكاد نقول أن لا حرب ضرورية، سوى تلك التي يُرفع فيها السلاح، رداً لغزو ومنعاً لإبادة، ورفضاً لاستغلال أو نهب خيرات وطنية. إلا أن الخطاب الأميركي على “تهافته” يلقي الضوء على حقبات استعمارية سابقة، وعلى الموقف العربي والإسلامي منها، أو من الغرب الأوروبي والأميركي عموماً.

يكاد الدكتور رضوان السيد يقول إن حصيلة الخطاب العربي في مواجهة الخطاب الغربي كانت متهافتة هي الأخرى. يرصد الكاتب تطور الحركة الإسلامية، بالاتصال بقضايا الواقع العربي والإسلامي، ويعين لها تيارات ثلاثة “تمايزت” طروحاتها طبقاً لتمايز حقبها، وبالاتصال مع التطورات المحلية والدولية التي واجهتها. لقد تقدم تيار التقليد الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين، وفي فترة الثلاثينات منه على وجه التحديد، ثم تيار الإصلاح والتجديد، ثم تيار الإحياء الطهوري الذي اتخذ لنفسه هدفاً قوامه “حفظ الهوية وتطهيرها من خرافة التقليد ورجس الغرب”. لقد أضاف كل تيار الى الواقع الذي عايشه لونه، وانتقل الأمر مع التيارات من هدف التقدم، الى هدف المواءمة والتجديد، الى هدف النموذج المستقل، المقابل لنموذج “الحضارة الغربية والمتفوق عليه أيضاً”.

يتابع الكاتب تطور فكر ممثلي تلك التيارات، ويستعرض أهم مفاصل نظرياتها ويخلص في بعض المطارح إلى خلاصات مرة، تظهر “نكوصنا” عن إمكان الالتقاء كلما تقدم العالم باتجاه مساحات لقاء أرحب. يسوق الدكتور السيد مثالاً على ذلك يستقيه من المقارنة بين سجالات محمد عبده وفرح انطون، وبين سجالات رشدي صالح ومحمد البهي، ليخرج من المقارنة بخلاصة تقول: «إن سجال الأولين ظل مفتوحاً على المشترك فيما ظل الآخرون على طرفي نقيض، فإذا أضيف أبو الأعلى المودودي وسيد قطب الى المقارنة، أمكن التمييز بين السابقين الذين هدفوا إلى الانخراط، على وجه من الوجوه في العالم من خلال إقبالهم على التقدم والنضال من أجل الاستقلال وعلى التغيير وبين اللاحقين، الذين سعوا “الى نظام شامل يقطع مع سائر التجارب” ويصطفي لخطابه عبارات ومفاهيم من نوع “الحاكمية، والاستخلاف” ويعطي لتطبيق الشريعة ولفرض الجهاد، معاني تتوافق وأهدافه السياسية، التي تستظل بالإسلام، وتعلن أنها موجودة لأجل فرض تطبيقه.

لا ينضم الكاتب الى القائلين بانحسار أثر الحركة الإسلامية، لكنه يرجح فشل نسخها العنيفة ويماثل بين نهايتها ونهاية كل الحركات العنيفة التي عرفها اليسار المحلي والعالمي. بل أنه ينسب شيئاً من التأثير اليساري على هذه الحركات إلى جهة الأسلوب فدائيو المدن وحرب الشعب الطويلة الأمد كما ينسب تشابهاً بين البنية التنظيمية للحـركتين، بخاصة في مجال المركزية المتشددة، وفي مجال الفاعلية القائمة على التضحية بالذات، والاستعداد العالي للعطاء. في ترجيح “حكم الانحسار” أو في استشرافه، يشير السيد إلى ” أننا في ظل التيار الإحيائي السائد، صرنا عبئاً على أوطاننا، ومشكلة للعالم وأنه لا بد من الخروج من الأصولية العاجزة والعدوانية والتصدي لها بالإصلاح الديني وبالنهوض الثقافي وبتغيير الأوضاع والدخول في العالم والمشاركة فيه بقوة “…

الوجه الآخر للانحسار، يقرأه الكاتب في العوامل التي وفّرت القوة والدفع اللازمين للحركات الإسلامية، بخاصة في فترة الحرب الباردة، فقد ولى استخدام هذه الحركات في الصراع الدائر بين القطبين عالمياً، وجرى استخدامها في وجه قوى المعارضة اليسارية والقومية محلياً، هذا الاستخدام كان له أساسه التاريخي، عندما انتقل الإسلاميون بعدائهم، من الحضارة الغربية التي كانت مصنفة كخطر أول، إلى محاربة الشيوعية كعدو له” أولوية المقاتلة”. لقد تبدل العالم بعد الحرب الباردة، وتغير العالم وأميركا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأصيب الانتقال الذي باشره الإسلاميون في عقد التسعينات من القرن الماضي، بضربة أساسية بسبب هجمات الحادي عشر من أيلول، وانفلات الهيمنة الأميركية، واقتحام مفاهيم العولمة وآلياتها كل الأقطار.

لقد عاد الإسلاميون للتوجس بعد أن جرّبوا “التعددية، والانتخابات”، وبعد أن ساهموا في نقاش حقوق الإنسان والمواطنة من منظور إسلامي. عادوا من كل ذلك وبفعل الضغط الدولي إلى نظرية أن العولمة مؤامرة، وأن الغرب يكيل بمكيالين، وأن الحرب حرب على العرب والمسلمين والإسلام، وأن الهوية باتت مهددة ولا مناص من النهوض لحمايتها… الخ.

تحمل بعض القضايا المثارة، صحة لا جدال فيها، بخاصة لجهة الانفصام بين أقوال الغرب وأفعاله، وبين جمعه شتاء السياسة وصيفها فوق سطح واحد، ولا يعدم القائل بالانحياز الغربي، وبالاستنسابية الأميركية، وسائل إيضاح. في هذا المضمار فلسطين “المثل” الذي يختزل كل الأمثلة، ومثلها العراق وأفغانستان، وفي السياق نفسه تندرج أكذوبة إصلاح المناهج التربوية والدينية، حتى لا تظل المعاهد والجامعات الدينية “بيئة توليد للمتطرفين” – لقد ثبت أن الولايات المتحدة الأميركية لم تهتم من المناهج إلا بما له علاقة بإسرائيل وبكفاح شعب فلسطين. وتأكد بالقراءة المتابعة التي أجراها السيد أن الإحيائية الحديثة والأصولية المعاصرة لم تخرجا من الجامعات والمدارس الدينية… وأن الإحيائية أسهمت في ضرب التقليد وأضعفته، مثلما أضعفته حركات الإصلاح الإسلامية…

إلا ان الحقيقة التي يتضمنها بعض التصنيف، وبعض التوصيف، للسياسة الغربية، لم تصل بأصحابها الى الموقف الصحيح، وإلى الممارسة السليمة، في الرد على العالم الذي صرنا موضوعاً لسياساته، على حد تعبير السيد.

يحدد الكاتب مجالات للرد والنهوض، يصنفها كساحات مواجهة لكل منها تكتيكاتها السياسية، وأدوات معرفتها المختلفة، تأتي في المقام الأول ساحة المختصين من المؤرخين والأنثروبولوجيين، وهذه تحتاج الى معرفة بالغرب وبالإسلام… وإلى منهج نقدي في مجالها، لا تتوقف مقاربته عند حدود الاستشراق، المعروفة، ولا عند دراسات نقد النص الماضية…

في المرتبة الثانية من المواجهة تأتي ساحة الجمهور، وحاجته للتعرف على الإسلام، هذه المهمة تصير ملحة أكثر عندما نعاين الضغوط التي يتعرض لها الإسلام من الأصوليات الأخرى، بخاصة البروتستانتية واليهودية والهندوسية. أما المقعد الثالث فتحتله ساحة الدول والأنظمة السياسية حيث للمسلمين المقيمين في هذه الدول دور مهم وأساس، يقتضي القيام به المبادرة إلى المشاركة الثقافية والسياسية، بعد أن صاروا واقعاً ديموغرافياً واجتماعياً وما عادت النظرة إليهم مقتصرة لدى جيرانهم الغربيين، على مقولة التخلص من هؤلاء المهاجرين المزعجين.

في مواكبة التعرف على الساحات الثلاث تلك، والتعرف إلى مهماتها، يشير الدكتور السيد إلى ثلاثة أمور متممة، بات تجاهلها مستحيلاً، أولها، ضرورة التخلص من نظرة أن الغرب واحد وثانيها، أننا فشلنا في الدخول إلى العالم، وثالثها، أن المشهد العالمي معقد ومتحول من حولنا. في إزاء الأمور الثلاثة، يجد الكاتب أن ليس في الوسع الحديث حتى الآن عن موقع للعرب أو للمسلمين، يتيح إمكانات وخيارات. أما الحديث الممكن عن عرب في الساحة الدولية، فيأتي بعد الإجماع على إخراج الأميركيين من ديارنا، وإصلاح شأننا العام، وإقامة تكتل اقتصادي عربي يستطيع الدخول في المنافسة الدائرة… لا يستبعد كل ذلك في رأي رضوان السيد ضرورة الإصلاح الديني، لكنه يرى أن التغيير في الشأنين الاقتصادي والسياسي، يخفف كثيراً من وطأة الأصولية الضاغطة.

تطلق مراجعة الدكتور رضوان السيد أسئلة الاجتماع ومناط تماسكه وأسئلة مآل الصراع على الإسلام بعد عقود من استخدامه وتوظيفه محذراً من تدخل أهواء المفسّر وتدخل ثقافته في النصوص، ومنبهاً من الفقيه الذي يريد السلطة ليحكم باسم الدين. ومذكراً بقناعة، شرحها متن الكتاب ومطارداته الفكرية، أن “لا إسلام ديموقراطياً أو ليبرالياً في التاريخ والنص، بل هناك مسلمون معاصرون يفكرون تحت راية الإسلام”. تذكير، من معانيه، أن الخروج من الأزمة “يكون بتغيير الواقع”… وأن السياسة تدبير فرعي في الدين وذلك في مواجهة من جعلوا من رؤيتهم السياسية ديناً.

إن قراءة رضوان السيد فرض عين على كل قارئ، كيف لا وهو ابن جبل لبنان الدارس لأصول الدين في الأزهر والحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا، والأستاذ الزائر لجامعات هارفرد وشيكاغو وسالسبورغ.

الصراع على الإسلام : الاصولية والإصلاح والسياسات الدولية . دار الكتاب العربي . بيروت، 2005.