المسكوت عنه في أسباب الغلو الإسلامي

أحمد العاني

جريمة شمهاروش البشعة كغيرها من الحوادث الصادمة الدخيلة على مجتمعنا، التي حين وقوعها ينبري الجميع ليدلي بدلوه، كل واحد انطلاقا من زاويته ورؤيته وأيديولوجيته…. محاولا إسقاط خصومه زاعما الفهم والدراية وزيادة جرعة الوطنية والإنتماء…. دون أن ينسى تقديم نفسه ومنهجه وحزبه وفكره… على أنه المخلص المنقذ من وحوش الظلام كما يسميها . لكن في خضم حمى هكذا تنظير وادعاء تختفي الشياطين في التفاصيل وتكاذ تذوب، فالجميع يهرب من النظر للجزء الأكبر من الجبل الجليدي ولا يرى سوى ما طفا منه على سطح المياه . متجاهلا عن سبق اصرار وترصد الأسباب والدوافع الحقيقية … مكتفيا بتعليق المشجب على بعضها فقط، في تماه واضح بيِّن مع المنظومة العالمية حاملة لواء ( محاربة الإرهاب ) ومراكز دراستها وابحاثها واعلامها الموجه ودعايتها….

أتحدث هنا باختصار شديد عن نقطة واحدة من النقاط المسكوت عنها حين التطرق لتحليل الظاهرة .و إلا فأسباب صناعة الغلو والتنطع كثيرة متداخلة من واقع عشته وعايشته لسنوات، وخبرته عن قرب سماعا، وتجربة ومشاهدة. حديثي ليس حديث المبرر للغلو والتنطع والاجرام باسم ديننا العظيم.فهذا ندينه ونتعبد الله ببغضه وبغض أهله. لكنه حديث من يروم وضع الأصبع على جزء بسيط من مسببات الداء المسكوت عنها، لعل بعض من يرومون الشفافية والصدق والتجرد يفتحون أعينهم على محيط سفينة نمتطيها جميعاً إذا خرقت هلكنا كلنا كائنا من كان الخارق.

وإذا حافظنا عليها بتجنيبها أسباب الخرق من قبل الخارقين نجونا كلنا إلى بر الأمان. بعد دخولنا السجون عقب حملة الاعتقالات التي تلت أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء والتي حصدت الأخضر واليابس، حتى بلغت الاعتقالات الآلاف من الشباب المتدين وحتى غير المتدين. _ رغم أن الحدث شارك فيه 14 شخص 11 منهم لقوا حتفهم في الهجمات و 3 بقوا حوكموا بالاعدام. هؤلاء الثلاثة لم تكد تمر مناسبة سواء خلال المحاكمات، أو بيانات للإعلام إلا و أقروا وأكدوا أنهم هم فقط من يتحملون المسؤولية في الاحداث المذكورة ولاعلاقة للآلاف المعتقلة بهذا الموضوع _ و هو نفسه ما اكده الملك محمد السادس شخصياً في حواره مع مجلة El Pais الإسبانية.

في معرض رده على سؤال يخص المقاربة الأمنية التي تلت الحدث. اكتظت السجون بأناس لاحول لهم ولاقوة لأسباب معينة وظرفية دولية ومحلية واقليمية معينة… وزاد اكتظاظها بعد الاحتلال الامريكي للعراق ومشاركة بعض الشباب المغاربة في صفوف المقاومة العراقية شباب وجدوا أنفسهم خلف الاسوار. لكل واحد منهم حكايته الغريبة حد الدهشة التي تفوق في تراجيديتها وإدهاشها حكاية عادل إمام وجاره فؤاد المهندس في فيلم ( احنا بتوع الأوطوبيس ) الشهير. لو كتب لها أن تدون وتجمع لصيغت منها سيناريوهات لمسلسلات تراجيدية وافلام تضاهي اعدادها أعداد حلقات المسلسلات التركية التي لاتكاد تنتهي.

ولأن الحملة والمقاربة الأمنية حينها كانت محكومة بالضغط والضخ والتحريض الإعلامي والايديولوجي غير المسبوق الذي زكته خطورة الأحداث وصدمتها القوية في بلد الاستثناء. فقد جرف تسونامي الاعتقالات الذي تلاها الاخضر واليابس. شباب في الغالب غير متدين أو حديث عهد بالتزام، لم يدرس شريعة ولافقها ولا عرف علماء ولا جلس بين أيديهم للتتلمذ وأخذ العلم من افواههم…. إنسان كانت له أحلام وأمنيات وغايات … اغتيلت في رمشة عين، بل اغتيل هو معها فدفن حيا لسنوات عديدة، يرى نفسه مظلوما، و ضحية تمثل دورا رغما عنها في فيلم لا ناقة لها فيه ولا جمل …. من كان هذا وضعه من الطبيعي أن يجد خلف الاسوار البيئة والظروف المواتية _ الصراعات اليومية مع الادارة، مأساة السجن والسجان والحگرة، وتشرد الأسرة، ووجع الفقد و الاغتراب….الخ، وغيرها من مخلفات الاعتقال الكثيرة _ فيجد الوقت الكافي في فراغ السجن وكبت حرية الكلمة والنقاش، وغياب أي برامج تأهيلية حقيقية خاصة تراعي خصوصية هذه الفئة…. ليسائل نفسه ويفتح نقاشات مع المحيطين به ممن يقاسمونه المحنة: لماذا نحن هنا، ما الذي ارتكبناه لننال كل هذا العذاب، هل مجرد فكري وعقيدتي يبيحان لهم فعل هذا بي وبأسرتي !!؟؟ إذن فكري وعقيدتي صح والآخرون غلط !!! لماذا يحاكمونني لأنني قررت السفر للعراق لمساعدة إخواني في الدين والعروبة ضد الغزو الأمريكي. ألم يفتي بذلك أئمة الإسلام ومنهم المالكية الذين تنتسب دولتنا لمذهبهم !!!؟؟؟ أنا لم أؤذيهم ولم أؤذي الوطن فلماذا؟!؟! إذن هم مع أمريكا وحكمهم حكمها !!!! ……

هكذا تنشأ عشرات الأسئلة العالقة التي تنتظر الرد المقنع .و حين لا يأتي هذا الرد ، أو يأتي ولا يكون مستساغا مقنعا، يتحالف الشعور بالظلم والحگرة مع العامل النفسي _ وهو جزء جد مهم في المعادلة _ و مع الهشاشة المعرفية و الجهل الشرعي…. لإنتاج الغلو والتدعشن . أفتح قوسا هنا لأذكر وأشير إلى أن الصف الأول لداعش الأصلية النسخة الأولى قد نشأ وتكون في سجن بوكا وسط صحراء أقصى جنوب العراق الذي حشرت فيه أمريكا آلاف المعتقلين السنة العراقيين كان من بينهم البغدادي نفسه و أبو علي الانباري وغيرهما من مجلس شوراهم فيما بعد. كما انضم لهم ضباط كبار من حزب البعث كان لتجربة السجن دورا وعاملا حاسما في تحولهم الفكري الأيديولوجي بنسبة 360 درجة.

ورغم أن هذا السجن السيء الذكر الذي لعب دوراً رئيسا في إنتاج هؤلاء وساهم بشكل كبير في صناعة ما جرى و لازال يجري من أحداث وتحولات اليوم في عدد كبير من بقاع العالم. فإن دراسة مرحلته من متخصصين متجردين تبقى غائبة. اللهم بضع مقالات أو شهادات لا تعدو جلها عن تشويه البغدادي وزمرته السجنية، بعيدة كل البعد عن الموضوعية المطلوبة و التجرد البحثي. لعل أشهرها و أهمها تقرير الصحافي في جريدة «غارديان» مارتن غولوف الذي قال أنه استطاع الحصول على مقابلة مع من سوق و قيل عنه : أنه واحد من أكبر قياديي «داعش» اسمه الحركي «أبو أحمد»،وأنه عاصر نشأة التنظيم داخل السجن…. إلخ.

إن علاج أي ظاهرة من الظواهر يستحيل، دونما معرفة أسبابها كاملة من غير تبعيض أو تضخيم أو تغليب لإحداها على الأخرى. ويبقى الشعور بالظلم والحگرة لدى السجناء الموقوفين تحت طائلة قانون الإرهاب وضرباته الاستباقية، أحد أهم الأسباب المسكوت عنها حين دراسة ومناقشة صناعة الغلو وتفاقمه في صفوف شبابنا. على القاعدة الفيزيائية، لكل فعل ردة فعل معاكسة. فهذا السجين حين يغادر الأسوار يصبح رمزا وسط مجتمع يميل على الدوام عاطفيا، دينيا، وجدانيا وثقافيا… لمن يسجن لأجل قضية ما _سواء كانت تمثل حقا أو باطلا _ وتأثيره في محيطه ومعارفه ومجاوريه لا يحتاج منه الكثير من الجهد.

وقد أخفقت إلى حد بعيد كل حملات التشويه الإعلامي لهذه الفئة. ولا دليل على هذا أكبر من الصدمة التي أصيب بها اصحاب الأقلام المجندة لمهمة التشويه هذه حين وفاة بعض هؤلاء السجناء رهن الاعتقال وحجم الحشود التي شيعتهم من عموم المواطنين بمختلف الشرائح . _ جنازة زكرياء الميلودي بالدار البيضاء و الشيخ الأمين أقلعي بطنجة أنمودجا _ حتى كتب أحدهم مستغربا متسائلا : كيف يحظر المئات من سكان حي سيدي مومن جنازة من كان يكفرهم!؟ لا أزعم أو أقول هنا كما قد يتوهم أن كل سجين إسلامي هو بالضرورة مغال في التكفير متنطع أو مشروع مغال . فهذه الفئة تبقى ناذرة قليلة في جيل قدماء السجناء مقارنة مع الجيل الجديد منهم، _ جيل مابعد ظهور داعش_ لكن العبرة ليست دائماً بالأرقام والأعداد إذا علمنا أن من خرجوا من بوكا السابق الذكر و أحدثوا كل هذا الضجيج في العالم لم يكن عددهم يتجاوز السبعة عشر معتقلا.