رسائل البيجيدي من محاكمة حامي الدين

عصرت ذهني أكثر وحاولت قدر الإمكان العودة للقاءاتي مع قادة حزب العدالة والتنمية سواء من خلال الاستجوابات التي أجريتها مع السادة سعد الدين العثماني أو عبد الإله بنكيران أو أحمد الريسوني (لفائدة جريدة النهار المغربية الأسبوعية)، أو من خلال مقابلات رسالة الدكتوراه مع السادة جامع المعتصم أو رضى بنخلدون أو غيرهم..

وكذا من خلال عشرات المدافعات والاحتكاكات التي عشتها شخصيا مع فصيلهم بكلية الآداب بالرباط بين 1997 و 2000 خصوصا، ومع مرشحيهم ومنتخبيهم وأنصارهم منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2007 بحي المسيرة بوادي زم خصوصا.

و من خلال تتبعي الأكاديمي منذ 2007 إلى اليوم حيث عقدت جزء من بحثي لرسالة الدكتوراه لاختبار السلوك السياسي للعدالة والتنمية،

ومن خلال عشرات المقالات التي عقدتها لتفكيك الخطاب السياسي عامة ولخطاب وسلوك هذا الحزب وقادته لاسيما زعيمه الروحي عبد الاله بنكيران،
ومن خلال تحليلاتي لمرجعية وتوجهات وتحالفات الحزب الخارجية والداخلية،

وانطلاقا من الأجواء التي صاحبت محاكمة السيد عبد العالي حامي الدين يمكنني أن أجزم بأن عقله السياسي والإعلامي الذي يمثله خصوصا السيد حسين العمراني سعى لإرسال الرسائل التالية:

1- خروج السيد مصطفى الرميد عضو الأمانة للحزب كان مقصودا ضمن مخطط حزبي متفق عليه. يمكن تأويله من مستويين اثنين سياسي وتنظيمي:

أ- المستوى السياسي:

السيد الرميد تتوفر فيه الصفات والسلطات التالية:

– السلطة التنفيذية كوزير منتذب لدى رئيس الحكومة مكلفا بحقوق الإنسان.
– معرفته بمسارات القضاء والسلطة القضائية باعتباره شغل منصب وزير العدل والحريات سابقا.
– السلطة التشريعية باعتباره برلمانيا وعضو لجنة العدل والتشريع لولايات.
– السلطة القانونية باعتباره محاميا مقبولا بالمجلس الأعلى بأكبر هيئة محاماة بالمغرب.
– سلطة حقوقية باعتباره مؤسس ورئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان والذي خلفه فيها السيد عبد العالي حامي الدين رئيس المنتدى حاليا.

ب- المستوى التنظيمي:

– يمثل السيد الرميد عراب تيار المشاركة الحكومية و لعب دورا في تسهيل تشكيل الحكومة من خلال الدعم العلني للسيد سعيد الدين العثماني الذي حضر معه المفاوضات مع الأحزاب، كما لعب دورا أساسيا في تسهيل مهمة السيد بنكيران بعد وفاة المرحوم عبد الله باها ولا أدله حضوره استقبال تعيين بنكيران من طرف جلالة الملك.

– يمثل السيد الرميد واحدة من الجمعيات الإسلامية الأساسية التي توحدت في حركة التوحيد والإصلاح وهي رابطة المستقبل الإسلامي حيث سيتكلف الرميد (المستقبل الإسلامي) صحبة بنكيران وباها ( الجماعة الإسلامية/التجديد والإصلاح) والعثماني ( العلماء خريجي دار الحديث الحسنية) والمرحوم الوكوتي ( علماء رابطة علماء المغرب/العلماء التقليديين أصحاب العالمية)، ومحمد يتيم والريسوني ( فقه المقاصد والواقع) بصياغة أرضية المشاركة السياسية بل إنه سيتم تكليف السيد العثماني بتأليف كتيب/منشور داخلي/خارجي بعنوان “فقه المشاركة السياسية”.

2- عقد اجتماع طارئ للأمانة العامة للحزب بجدول أعمال حصري في الموضوع تلاه بيان في الموضوع، ويمكن قراءة تفاصيله كما يلي:

أ- عقد الاجتماع بدعوة من الأمين العام بشكل استثنائي في غير يوم انعقاده المعتاد في بداية الأسبوع في وقت كان فيه السيد سعد العثماني رئيس الحكومة ملتزما بحضور المؤتمر الدولي حول الهجرة المنعقد بمراكش.

– ما لم ينتبه له أسبوعين بعد ذلك هو أن السيد سعد الدين العثماني رئيس الحكومة سيعقد اجتماعا للأمانة العامة للحزب بفيلا سكنه الحكومية بنفس الأعضاء الذين حضروا الاجتماع السابق.
وهي اشارة سلبية جدا بحيث يراد منها أننا الحزب/الدولة وأننا الدولة/الحزب، وهذا ما سيبدأ في تنفيذه بالتتابع كما سنوضح.

3- أن الإنزال كان مقصودا لثلاثة أسباب:

أ- صبغ المحاكمة بطابع المحاكمة السياسية وليس جريمة المساهمة في القتل وذلك بهدف توجيه الرأي العام عن التهمة الحقيقية الموجهة للمتهم السيد حامي الدين.

ب- السيد عبد العالي حامي الدين يتابع عن فعل حدث لما كان طالبا وبالتالي فالإنزال إلى المحكمة بفاس له نفس أهداف إنزال الطلبة الإسلاميين بالكليات أي تخويف إدارة الكلية/ هيئة الحكم بهدف الضغط والتفاوض.

ج- توجيه رسالتين مزدوجتين للدولة وللرأي العام بكون أن الحزب موحد بكل تشكيلاته ( تيار الشرعية الانتخابية وتيار المشاركة الحكومية واستكمال الأوراش، و مكونات الحركة/الحزب).

4- وأن الإنزال له رسائل سياسية- بصرية محددة:

أ- الرسالة 1: ذات طبيعة سياسية موجهة للدولة وللسلطة القضائية فحضور رئيس حكومة سابق (بنكيران) ووزراء سابقين (الأزمي وسمية بنخلدون) وعمداء مدن حاليين ( الازمي والصديقي) ومسؤولين في المؤسسة التشريعية وبرلمانيين ورؤساء جماعات ومسؤولين في مؤسسات حكومية فيه رسالة سياسية واضحة أن الحزب يرهن تمثيلياته في مؤسسات الدولة لحماية أعضاء الحزب/الجماعة. وأنه يمكن مدافعة سلطة القضاء من داخل خطاطة الدولة عبر السلطتين التنفيذية والتشريعية.

ب- الرسالة 2 بدورها ذات طبيعة سياسية فاختيار سيارة جيب أمريكية الصنع لتقديم عضو حزبي للمحاكمة أمام القضاء المغربي فيه ما يفيد طبيعة علاقة البيجيدي بجزء من الإدارة الأمريكية و هي العلاقة التي أدت الى تولي الإسلاميين بالعالم العربي ومنهم البيجيدي بالمغرب زمام السلطة بعد أحداث 2011.

كانت أمريكا محتاجة لرعاة سياسيين لرعاية خططها الاقتصادية النيو-ليبرالية في إطار الشرق الأوسط الجديد ولهذا راهنت على الإسلاميين الذين يملكون التعبئة والحماس و العذرية السياسية، ورغم أن مخططات الادارة الأمريكية تغيرت مع تولي الجمهوريين السلطة فإن الإسلاميين بالمغرب يحتفظون بدور لجزء آخر من الإدارة الأمريكية ومن هنا نفهم سر الموقف السلبي لقواعد الحزب من شخص ترامب و سياساته، ونفهم كذلك سر ضرب بنكيران لأمثلة الفيل كل مرة لأعضاء الحزب والشبيبة.
ورغم أن جزء من العدالة والتنمية حاول البحث عن شرعية وحليف سياسي خارج أمريكا في شخص السيد لحسن الداودي الذي قدم نفسه قربانا سياسيا للحزب/الجماعة بخروجه للاحتجاج لفائدة شركة حليب سنطرال الفرنسية و استثناء بنكيران لها في دعوته لعدم مقاطعة منتجاتها، فإن البيجيدي يدين بجميل كبير للديمقراطيين بأمريكا الذين رعوا دخول الاسلاميين السلطة بدفتر تحملات وتفاهمات مسبق.

كما أن الاستعانة بالجيب، وهي نوع من السيارات لم تكن أبدا من ذوق قادة الحزب لا في نوعها ( حرص وزراء وقادة البيجيدي على اشهار سيارات رونو داسيا و رونو كانغو الفرنسية و سوزوكي وتويوتا اليابانية) ولا في طريقة شرائها ( حرص عدد من قادة التنظيم على تمرير أنه تم شراء سياراتهم في اطار تبادل لسيارات مستعملة 2éme main) بأسعار في متناول اليد.

ما الذي يريده الاسلاميون من إشهار سيارة جيب سوداء لحمل عضو من حزبهم متهم بالمساهمة في جريمة قتل؟

لقد شبه كثيرون موكب الجيب والحشود التي واكبتها بمواكب حزب الله في الضاحية الجنوبية عندما يخرج السيد حسن نصر الله امين حزب الله في سيارة مصفحة محاطة بحشود من الأتباع وهم يرددون اسمه ونشيد الجماعة.

تريد صورة الجيب ما يلي:

– حزب الله دولة داخل دولة لبنان وننبه الى أننا كذلك، وهنا لا بد من التذكير بالتشابه الكبير بين موكب محاكمة السيد حامي الدين متأبطا يد السيد عبد الاله بنكيران وموكب تأبط النائب محمد سليم رونة لساعد السيد نصر الله وهو يتقدم الى المحكمة في العاصمة بيروت بعد أن ترجل من سيارة نصر الله الجيب المصفحة.

– السيد حسن نصر الله شيعي و يضعه أتباع وأنصار الحزب من الشيعة في مرتبة العصمة ولا بأس ان تتم إستعارة الصورة لبيان عصمة السيد حامي الدين من القتل.

– يمتطي حسن نصر الله دائما سيارة مصفحة منذ تعرضه لمحاولة اغتيال اتهم فيها أنصار وليد جنبلاط المرتبط بالدولة العميقة في لبنان حسب رواية حزب الله، و يمكن نقل هذا الانطباع الى المتلقي ما دام بنكيران قال قبل شهرين أن هناك جهات تستهدف الملكية وأن عدد من أعضاء الأصالة والمعاصرة انقلابيون وارهابيون.

وأن اختيار لون أسود للسيارة ليس كذلك معزولا عن السياقات السابقة، فقد كان يمكن أن يتم اقلال السيد حامي الدين أي سيارة أخرى من سيارات قادة الحزب لكن تم اختيار هذه السيارة بالضبط.

واذا حدث أن الأمر حدث مصادفة فخبراء البيجيدي في التواصل جروا على الحزب والمتهم قراءات تزيد من الاضرار بصورته.

ماذا يعني حضور البوديغارد لحماية السيارة والسيد عبد الاله بنكيران؟

يمكن الاستئناس باي صورة للمرشد خامنئي أو للمرشد حسن نصر الله وسنكون أمام جواب ليس فقط لما هو عليه الحال ولكن أيضا لما يريده الاسلاميون برسائلهم من الخروج/ النفير.
سعيد جعفر ـ باحث في التواصل السياسي وتحليل الخطاب