محمد برة: تعقيب على قول للدكتور محمد الروكي في موضوع التصوف

يقوم العلامة الفقيه محمد الروكي –حفظه الله-هذه الأيام بشرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين للعلامة الكبير سيدي عبد الواحد بن عاشر –قدس الله سره- وهوجهد مشكور يضاف إلى مجهوداته المشكورة والنافعة جزاه الله خيرا، لكنه لما شرح قول الناظم –رحمه الله- : في عقد الأشعري وفقه مالك *** وفي طريقة الجنيد السالك
تكلم باستحياء واكتفى بالكلام العام والمقام يقتضي التفصيل، خاصة في زماننا، بل الأغرب من ذلك أنه فرق بين التصوف والطرقية، كما في الشريط الثاني(الدقيقة35،28) ولا أدري ما مستنده –حفظه الله-في هذا الفصل وهذا التفريق، وقد عُلم أن الصوفي من عَلِم الشريعة وسلك الطريقة، وعَرَف الحقيقة، وهذا عندهم باعتبار الكسب الذي يعبر عنه بـ: التصوف أوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة.
فالمقصود بالشريعة: الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين.
والمقصود بالطريقة: الأسباب الموصلة إلى مكارم الأخلاق في تأدية الشريعة.
والمقصود بالحقيقة: روح الشريعة التي جاء التشريع لتحقيقها وهو المعبر عنه بالتصوف.
إذن هذه الحقيقة تكتسب بالطريقة استحقاقا لما يحصل للمريد من تذوق للتكاليف الشرعية، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلامَ دِيناً، وَبِ(سيدنا)مُحَمَّدٍ رَسُولاً). رواه مسلم.
أما بلوغها والولاية فيها فهبة من الله تعالى، حيث قال سبحانه: (واتقوا الله ويعلمكم الله) هذا من حيث الكسب. أما من جهة التحقيق فهي قولهم: صفا ثم صوفي فهو صوفي،ومن ادعى ذلك قبل المصافاة فإما: -أن يكون من باب المجاز كما نجده في كلام أئمتنا عندما يسألون عن التصوف فيطلقونه على أحوال ومقامات ومسائل متفرقة ،ليست هي التصوف عند التحقيق.
أو يكون من باب التدليس لحظ نفسي أو دنيوي.
والخلاصة أن الطريقة سبب لبلوغ الحقيقة، تجُبّ الموانع المحيطة بالعبد عونا له على التحلية والتخلية، وعلى رفع همته وزيادة معرفته.
والتحقيق –والله أعلم-أن كل طريقة كفيلة بنفسها أن توصل العبد إلى الحقيقة بشرط أن يكون على يدي شيخ كامل.
وقاصر المعرفة وحقيقة الطريق عند القوم هو من فرّق بين الطرق وفاضل بينها لمشايخها أو زواياها، وقد يكون هذا لفضل معرفة وتحقق، لا أن طريق البعض لذاتها خيرمن طريقة الآخر.
ولهذا التشرف بالطّرق على ثلاث مراتب:
– الأولى: محبة الطريق وأصحابها.
– الثانية: صحبة أهل الطريق والعمل بالأوراد العامة والخاصة منها.
– الثالثة: بلوغ الرشد في الطريق، للإجازة بالأوراد الخاصة والتوفيق من الله تعالى.
والأصل عند الصوفية أن التصوف يبتدئ من الشرع وينتهي إليه،فهو الركن الثالث من الدين بعد الإسلام والإيمان المعبر عنه في حديث جبريل عليه السلام بالإحسان.
وهذا الإسم أُحدث كما هوشأن الركنين الآخرين وسائر العلوم التي ضبطت أصولها وطرقها.
أما المخالفات المنسوبة إلى التصوف التي ذكرها الدكتور الروكي –حفظه الله-أو المشاهدة عند بعض المنتسبين إليه أو عند من سلك طريقهم إنما هي منهم لا منه، وهي مردودة عليهم شرعا وعقلا وتصوفا.
ومعلوم عند الدكتور-حفظه الله- أنه قد شذ عن حقيقة التصوف أناس، وانتسب إليه آخرون بالباطل، فأحدثوا حوادث وبدعا ونسبوها إليه كذباً وزورا.
كما ادعاه بعض المتعالمين الذين لا قَدم لهم في منازل الرجال، ولا لهم من علوم الشرع وعلوم القوم مايؤهلهم لذلك، إلا ما جمعوه أو وجدوه عند المدعين بغير تحقق ولا معرفة.
فلماذا هذا التفريق الذي لادليل ولاحجة عليه، وإلا لزم أن نفرق بين طريقة الفقهاء والفقه،وماذنب الفقه إذا أخطأ الفقيه أوابتدع ماليس من أصل الشريعة، اللهم لا.
أما بدع بعض ممن انتسب إلى الطرق فهي –كما قلنا- منهم لا من التصوف، لقد قبضوا قبضة من أثر التصوف، وزعموا لأنفسهم ما قبضوه أنه الحق وأنهم بصروا بما لم يبصربه أحد وقد سولت لهم أنفسهم ذلك، وكان الأصل أن يقال:يا قوم إنما فُتنتم بذلك فاتبعوا القرآن والسنة وأطيعوا واتبعوا طريق الأئمة، فإن الصوفي هو:الجامع بين الشريعة والطَّريقة والحقيقة.
قال الإمام القشيري-قدس الله سره-: (الشريعة أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية، وكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فأمرها غير مقبول، وكل حقيقة غير مقيَّدة بالشريعة فأمرها غير محصول، والشريعة جاءت بتكليف من الخالق، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق، فالشريعة أن تعبده، والحقيقة أن تشهده، والشريعة قيام بما أمر، والحقيقة شهود لما قضى وقدّر، وأخفى وأظهر)1
والحاصل أن الشريعة والحقيقة ليس بينهما انفصال وأن غايتهما الاتصال، إناء وماء، جسم وروح.
فالطريقة هي الحلقة الواصلة بين الشريعة والحقيقة، فالحقيقة نتيجة الطريقة والطريقة نتيجة للشريعة، فبذلك يتحقق السالك بإذن الله بكمال الهداية والدخول إلى سر الولاية .
الشريعة جاءت بتكليف الخلق،والحقيقة جاءت بتعريف الحق ومما حُفظ عند أهل السلوك :الشريعة أن تعبده، والحقيقة أن تشهده، والطريقة أن تقصده…والحقيقة بلا شريعة باطلة، والشريعة بلا حقيقة عاطلة والله الموفق.
العبد الضعيف محمد برة
——
1-الرسالة القشيرية في علم التصوف، أبو القاسم القشيري (ت465ﮪ)، تحقيق: معروف مصطفى زريق، المكتبة العصرية، بيروت، ط: 1426ھ- 2005م، ص: 82-83.