الاحتفال برأس السنة بين طعم الفقر ونكهة النفايات

هو تقليد عالمي أن يحتفل المعمور بحلول عام جديد على وتيرة السنة الميلادية وإيقاع احتفالات عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام.

أذكر أن العقود المنصرمة منذ السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ، وحتى السنوات الأولى من العقد الأول من الألفية الثالثة لم تكن ذات نكهة دينية في قبول أو رفض هذا الإحتفال العالمي ، ولم تكن هناك أبواق تغرد خارج السرب الكوني ، وحتى إذا ما وجدت فتظل حالات شاذة ومعزولة ، لأن الدين كان مبعث فرح لا نذير شؤم يبعث على الكآبة والزهد في متاع الحياة والإستمتاع بها.

وأحيانا الله حتى سمعنا من يجادل في مناسباتنا الوطنية والإفتاء بلا شرعية الإحتفال والإحتفاء بمولد نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام !! فكيف لا تنهض مثل هذه الأصوات اللعانة لتحريم كل احتفال بعيد المسيح مع المسيحيين ، ومصادرة كل فرح منبعث من نفوس تواقة للبحث عن كل بهجة مع العالم احتفالا وطربا باستقبال العام الجديد عله يكون فأل خير على الناس.

دعونا من هذا النقاش البيزنطي والدعاوى القاتمة التي تسوق للتجهم وللكراهية ولرفض الآخر ، ولنحاول أن نطرح السؤال التالي : بأي طعم نحتفل نحن المغاربة برأس السنة الجديدة ؟ وبأي نكهة نعيش أجواء الفرح مع بعضنا البعض ؟

لا شك أن المغاربة كما بقية الشعوب المنضوية تحت لواء الوطن العربي والعالم الإسلامي ، يقبلون على محاكاة الشعوب المتحضرة والشعوب السعيدة في التقاط لحظات من العمر يعبرون فيها عن انتمائهم لهذا العالم ولهذه الثقافة الجديدة القائمة على قبول الإختلاف رغم الظلام الفكري والعقدي المحيط بهذه المحاولات.

لكن المعروف أن السعادة التي يسعى وراءها المغاربة حين يعاقرون الخمرة وحين يتناولون المخدرات وكل أنواع المنشطات والمهلوسات ، إنما تعكس وجه التعاسة لديهم وصور اليأس الذي يكتنف حياتهم اليومية ، بينما تبقى السعادة بعيدة عن نفوسهم كشعور حقيقي وإحساس صادق.

حلوى العيد لا تعبر عن أن آكلها ومتذوقها سعيد. فكيف يكون سعيدا ويوجد بالقرب منه من لا يقوى على شراء دفاتر وأقلام لأبنائه ليدرسوا مع أبنائه في نفس المدرسة الوطنية ؟ وحتى لو جاهد وكابد واشترى له هذه الضروريات فإنه لن يقوى على شراء حلوى العيد ليفرح بها مع أولاده ، وسيبحث عن مبرر قوي لصرف نظر أطفاله عن الحلوى التي يدخل بها جاره المقتدر على أولاده ، وسيقول لفلذات كبده إنه عيد المسيحيين ورأس السنة الميلادية وليست رأس السنة الهجرية التي تخصنا ، وهكذا سيخرج نفسه من ورطة الفقر بعد أن ناب الدين عنه في إقناع أطفاله.

صحيح أن الفقر كاد أن يكون كفرا ، كفرا بالقيم وبالوطنية وبالله وبالأخلاق وبالإنسانية جمعاء حين يرى الفقير أن القيم والأخلاق لا تدل الأغنياء على الفقراء ليدخلوا الفرحة على نفوس أبنائهم ، وأن الوطنية مجرد شعار ما دام يوجد في هذا الوطن أناس ينهبون ثرواته المادية بعيدا عن أعين الفقراء ، وأن الله ؛ الذي يمهل ولا يهمل ؛ يؤجل عقابه ورد الإعتبار للفقير إلى اليوم الآخر ، وأن الأخلاق مجرد شعار إخترعه الأغنياء ليضحكوا به على الفقراء ، وأن الإنسانية لا تستقيم في ظل وجود فقراء يتضورون جوعا وعطشا وفقرا وفاقة وعدمية مزرية ، في ظل وجود حفنة من الأغنياء الذين يضاهون قارون غنى وفحشا ولا يفكرون إلا في إنسانيتهم فيما بينهم…

بمناسبة العيد السنوي الجديد أقول لعامل النظافة شكرا لأنك تنظف لنا ازبالنا وقاذوراتنا وتصبر على نظراتنا المستخفة بعملك الذي تتقاضى عليه أجرا زهيدا لا يسد رمقك فبالأحرى أن يمكنك من شراء حلوى لعيالك..!!

العيد فرحة ، فبأي طعم نفرح ونحن نعج وسط كل هذه التناقضات السافرة ؟ !! وكيف نحتفل في بيوتنا بحلوى العيد وعامل النظافة الذي نسميه ظلما وعدوانا ب ” مول الزبل ” يستجدي الناس في الطرقات بضعة دراهم عله يشتري بها خبزا وسكرا وباقة نعناع يدخل بها الفرحة التي لا تتعدى سد رمق البطن من الجوع ؟ !!

لتذهب حلوى العيد إلى الجحيم إذا كان فقر طعمها المر والازبال التي نسهم بوفرة في تكاثرها على الطرقات نكهة تعب عامل النظافة الذي لم نرحم ضعفه حتى ضاعفنا تعبه مرتين : مرة بوصم خفي وتارة بعدم وضع نفاياتنا في حاويات القمامة…
وكل عام و الشعب المغربي يرفل في الفرح الممزوج بطعم الفقر ونكهة الأزبال.
بقلم : محمد علي لعموري