التفكر ومنهجية التفكير في الإسلام

أعده الباحث الدكتور: يوسف الحزيمري
أولى الإسلام العقل البشري عناية بالغة، باعتباره مناط التكليف، والموصل إلى معرفة الله عز وجل عبر التفكر في كتابه المقروء والكتاب المشاهد، ولما كان التفكر والتفكير من عمليات هذا العقل، فقد جعل لهما خصائص وشروطا، وحدد لهما مجالاتهما، حتى يكون عملهما على بصيرة ورشاد، وموصلين إلى الغاية العظمى وهي معرفة الله عز وجل. فما هو التفكر وما هي منهجية التفكير في الإسلام وخصائها؟

أ‌- التفكر مفهومه أهميته مجاله وثمرته:
مفهوم التفكر:
التفكر: التأمل. والاسم الفكر والفكرة. والمصدر الفِكَرُ بالفتح… يقال ليس لى في هذا الأمر فكر، أي ليس لى فيه حاجة[1]. وقيل التفكر: التأمل والنظر، وهو جولان العقل في طريق استفادة علم صحيح، بتكلف الفكر وهو العلم[2]. وجاء في كتاب التعاريف: “التفكر طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات…”[3]

أهميته:
أرشد الله تعالى عباده إلى التفكر فيما خلق في السماوات والأرض، وما بث فيهما من الآيات التي لا تحصى ، والتي يعقلها ذوو الألباب، وكلها تدل على ألوهية الله، ووجوده ووحدانيته، وصدق الرسل عليهم السلام المؤيد بالمعجزات الباهرة، كما ذم سبحانه الغفلة وعدم التفكر في الآيات الكونية.
وإعمال العقل بالتفكر هو من المنجيات[4] التي تنجي الإنسان من مزالق التقليد الأعمى واتباع الأهواء. “والتفكر من الأمور التي حث عليها القرآن كما يدل ظاهر الآيات المنتهية بالفاصلة (لعلكم تتفكرون) وما والاها، وكونه مرتبطاً بالعقل فهو من أهم الوسائل التي تقود إلى الهداية، بعيدًا عن الإكراه، وهو أيضاً دعوة قرآنية إلى التأني والمقارنة والبحث، فلا بد أن يكون الإيمان عن قناعة راسخة، وإلا تعرض لمختلف عوامل النقص والتراجع، وهكذا يريدنا ربنا سبحانه أصحاب عقول نيرة، وحجة دامغة، وفهم ثاقب، وسمع وبصر مسخرين للهداية”[5].
يقول الإمام الغزالي رحمه الله: “كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته ولكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره”[6]. فالتفكر إذن مطلوب، و”الحض عليه منهج قرآني؛ ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي، الذي يمضي معه مبصراً في النور؛ لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى، بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير.
والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق، إنما يتحرك في مجال واسع جداً، يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله، الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضاً؛ كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث، ومجالات الحياة جميعاً، فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج، وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعاً . فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان -العقل- إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني، فلا تضل إذن ولا تطغى”[7]. إذا المرء كانت له فكرة … ففى كل شئ له عبرة[8]

مجالات التفكر في القرآن:
“موضوعات التفكر تراوحت ما بين تعظيم الخالق سبحانه من خلال التفكر في آياته العظيمة، ما بين الكون الشاسع والنفس التي بين جنبي الإنسان، والتفكر في حقيقة أمر الرسول وما جاء به عن ربه سبحانه من الوحي، والتفكر في الدنيا وسرعة زوالها والموت وحقيقة وقوعه، والتفكر في حكَمِ بعض التشريعات …، والتفكر في عاقبة من لم ينفعه علمه، ونكص على عقبيه بعد إذ هداه الله تعالى، والتفكر في عظم القرآن وعظم آثاره”[9].

ثمرته:
التفكر من مظاهر تكريم الله للإنسان، حيث أنه أي؛ التفكر يرفع درجات الإنسان في التدبر والاتعاظ بآيات الله وسننه الكونية، فيكون الفوز بالسعادة دنيا وآخرة، وانصراف الإنسان عن التفكر والاعتبار مما يستوجب التساؤل والعجب، قال تعالى:{مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} [نوح:13- 14]، فقد أمر عز وجل بالسير في الأرض وملاحظة السنن لأخذ العبرة من الأمم السابقة، قال تعالى:{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} والسير هنا مجاز عن التفكر، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس[10] والتفكر ينطوي على ثمرات عدة نذكر منها:
– تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة.
– التفكر بالآيات الكونية والقرآنية هو سبيل الهداية والنجاة من الغواية .
– سوق الإنسان إلى الهداية: الإيمانية والتشريعية والعلمية والتاريخية.
– التفكر في أمر الدنيا والآخرة لإِعطاء الأولى بقدر فنائها والآخرة بحسب بقائها .
– التفكر في خلق السموات والأرض للحصول على المزيد من الإِيمان والإِيقان.
– محبة الله سبحانه، والتي هي ثمرة التفكر المنتج للمعرفة، وهذه المحبة تحصل من التفكر في نعمه على الإنسان والتي لا تعد ولا تحصى.
– حصول السرور للنفس الإنسانية من التفكر في بدائع صنع الله.
يقول الإمام الغزالي متحدثا عن بعض ثمرات التفكر في مقدمة كتاب التفكر من إحياء علوم الدين وهو يخاطب النفس الإنسانية: “لأنكِ لو تفكرت في جلال الربوبية لم تقدري له قدرا وإن طلبت وراء الفكر في صفاتك أمرا فانظري في نعم الله تعالى وأياديه كيف توالت عليك تترى وجددي لكل نعمة منها ذكرا وشكرا وتأملي في بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيرا وشرا ونفعا وضرا وعسرا ويسرا وفوزا وخسرا وجبرا وكسرا وطيا ونشرا وإيمانا وكفرا وعرفانا ونكرا فإن جاوزتِ النظر في الأفعال إلى النظر في الذات فقد حاولت أمرا إمرا وخاطرت بنفسك مجاوزة حد طاقة البشر ظلما وجورا فقد انبهرت العقول دون مبادي إشراقه وانتكصت على أعقابها اضطرارا وقهرا”[11]. وبهذا يكون التفكر من أشرف العبادات وأفضلها، لأنه يعبر بتصورات الإنسان ومفاهيمه من الدنيا إلى الآخرة، ومن المخلوقات إلى خالقها عز وجل، ومن ثم تتحرك في المؤمن جميع النشاطات المعرفية الداخلية والخارجية.

ب – التفكر في الأنفس والآفاق وأثره في ترسيخ الإيمان وتطور المعرفة:
ونتحدث هنا عن عبادة التفكر في الأنفس والآفاق وأثرها في ترسيخ الإيمان وتطور المعرفة، ونبدأ بالتساؤل أولا عن : كيف يتحول التفكر في الكون إلى عبادة؟
تحصل العبادة في الإسلام من خلال الأعمال والأقوال التي كلف الله تعالى بها الإنسان من صلاة وزكاة وصوم وحج وذكر ….إلى غير ذلك، وشَرَطَ لحصول هذه العبادة العقل، والتفكر في القرآن الكريم يشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه، وبجميع خصائصه ومدلولاته، ومن ثم كان التفكر في الآيات الكونية عبادة.. لأن مبدأ الأعمال والأقوال هو فكرة.
يقول الغزالي في الإحياء: “إن ثمرة الفكر هي العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة،… وإذا حصل العلم في القلب تغير القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح،… فالفكر إذًا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها، لأنه الذي ينقل من المكاره إلى المحاب، ويهدي إلى استثمار العلوم ونتائج المعارف والفوائد”[12].
ويقول ابن القيم أيضا : “أصل الخير والشر من قبل التفكر، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض”[13] .
فإذا كان التفكر هو الأصل في الأعمال، فإن”التفكر في خلق السموات والأرض وما يقع عليها من أحداث، أمر لا يحده عائق من اختلاف الزمان ولا المكان ولا ماهية الأشياء، هي عبادة حرة طليقة، حرية الإدراك وانطلاق الخيال المؤمن، سياحة فكرية وجدانية تحيي القلوب وتنير البصائر عندما يعبر الذهن من آيات الله في الكون إلى خالقها ومدبرها، وهذا هو المعنى الحقيقي للاعتبار[14].. إذن فالتفكر عبادة حرة طليقة من كل قيد إلا قيدا واحدا هو التفكر في ذات الله تبارك وتعالى، [فلا ينبغي لمسلم أن يطيل التساؤل عن ماهية وكنه ذات الله سبحانه] فهو جل وعلا{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[الشورى:11][15]

عبادة التفكر في الأنفس والآفاق وأثرها في ترسيخ الإيمان:
إن من أعظم أسباب زيادة الإيمان التفكر في مخلوقات الله تعالى وآياته الباهرات التي تدل على عظمته ووحدانيته سبحانه وتعالى، فقد سماها الله آيات، يعني: علامات ودلالات تدل على عظمة الخالق، وعلى كمال قدرته، قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:21]. فخاطب الله عز وجل هنا الموقنين، “لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها فأكسبتهم الإيقان بوقوع البعث[ وكل المغيبات]. وأوثر وصف الموقنين هنا دون الذين أيقنوا لإفادة أنهم عرفوا بالإيقان. وهذا الوصف يقتضي مدحهم بثقوب الفهم لأن الإيقان لا يكون إلا عن دليل”[16]. إن حق النظر المؤدي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان[17] ومعنى الآية: ألا تتفكرون في خلق أنفسكم: كيف أنشأكم الله من ماء وكيف خلقكم أطوارا، أليس كل طور هو إيجاد خلق لم يكن موجودا قبل. فالموجود في الصبي لم يكن موجودا فيه حين كان جنينا. والموجود في الكهل لم يكن فيه حين كان غلاما. وما هي عند التأمل إلا مخلوقات مستجدة كانت معدومة فكذلك إنهاء الخلق بعد الموت[وكذا الإعادة بعد الموت].
وهذا التكوين العجيب كما يدل على إمكان الإيجاد بعد الموت يدل على تفرد مُكوِّنه تعالى بالإلهية إذ لا يقدر على إيجاد مثل الإنسان غير الله تعالى فإن بواطن أحوال الإنسان وظواهرها عجائب من الانتظام والتناسب، وأعجبها خلق العقل وحركاته واستخراج المعاني، وخلق النطق والإلهام إلى اللغة، وخلق الحواس، وحركة الدورة الدموية واتساق الأعضاء الرئيسة، وتفاعلها، وتسوية المفاصل، والعضلات، والأعصاب، والشرايين وحالها بين الارتخاء واليبس فإنه إذا غلب عليها التيبس جاء العجز وإذا غلب الارتخاء جاء الموت”[18].
وعن عظمة خلق الإنسان؛ قال الشاعر :[19] يا تَائهاً في مَهْمَهٍ عَنْ سِرِّه … انْظُرْ تجِدْ فِيكَ الوُجُودُ بأَسْره
أنْتَ الكمَالُ طَرِيقَةً وحَقِيقَةً … يا جَامِعاً سِرَّ الإلّهِ بِأَسْرِه
وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:[20] دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ
أَتَزعُمُ أَنَّكَ جِرمٌ صَغير وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ
فَأَنتَ الكِتابُ المُبينُ الَّذي بِأَحرُفِهِ يَظهَرُ المُضَمَرُ
وَما حاجَةٌ لَكَ مِن خارِجٍ وَفِكرُكَ فيكَ وَما تُصدِرُ
ونجد الإشارة أيضا في القرآن الكريم، إلى أثر التفكر في الآفاق في زيادة الإيمان والإيقان في قوله تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية:3-5]. فقد “ذكر جل وعلا، في هذه الآيات الكريمة، من أول سورة الجاثية ستة براهين، من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى.
الأول: منها خلقه السماوات والأرض.
الثاني: خلقه الناس.
الثالث: خلقه الدواب.
الرابع: اختلاف الليل والنهار.
الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به.
السادس: تصريف الرياح.
وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون، الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه، وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم، ولذا قال: {لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ}، ثم قال: {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، ثم قال: {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}”[21].

عبادة التفكر في الأنفس والآفاق وأثرها في تطور المعرفة:
إن أبرز ما يلفت نظر الدارس لحضارتنا أنها تميزت بالخصائص التالية:
– أنها قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة، [تزيد من إيمان المتفكر وتقوي خشيته لله تعالى.] – أنها إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، [تجاوز التفسير المادي للظواهر الكونية، ولا تقف عند حدود الواقع الحسي.] – أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها، وهي لم تتخل عن هذه المبادئ قط، ولم تجعلها وسيلة لمنفعة دولة أو جماعة، أو أفراد .. في الحكم، وفي العلم وفي التشريع، وفي الحرب، وفي السلم، وفي الاقتصاد، وفي الأسرة ..[هدفها نيل رضوان الله تعالى ومحبته.] – أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها، فهي خاطبت العقل والقلب معا، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد[22].
ومن منطلق هذه الخصائص تمكن المسلمون من تحويل نظرتهم العادية في المخلوقات إلى نظرة تفكر وتدبر، ومن ثم نظرة عبادة فإنتاج وإبداع، وتمكنوا بذلك من تطوير العلوم واستيعاب الإنتاج المعرفي الذي وصلهم من الأمم الأخرى، فأنشأوا حضارة عالمية راقية لازالت آثارها شاهدة إلى اليوم، وذلك في مختلف المجالات، ونقتصر هنا على ذكر نموذجين:

الأول: في المجال الصحي:
من المبادئ التي قامت عليها حضارتنا، جمعها بين حاجة الجسم وحاجة الروح، واعتبارها العناية بالجسم ومطالبه ضرورية لتحقيق سعادة الإنسان وإشراق روحه، ومن الكلمات المأثورات عن واضع أسس هذه الحضارة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لجسدك عليك حقاً)[23] ومن الملاحظ في عبادات الإسلام تحقيقها أهم غرض من أغراض علم الطب وهو حفظ الصحة، فالصلاة والصيام والحج وما تتطلبه هذه العبادات من شروط وأركان وأعمال، كلها تحفظ للجسم صحته ونشاطه وقوته.
وكان صلى الله عليه وسلم يشير على أصحابه بالتداوي عنده حين تنتابهم الأمراض. وفي عهد الوليد بن عبد الملك أنشئ أول مستشفى في الإسلام، وهو خاص بالمجذومين، وجعل فيه الأطباء، وأجرى لهم الأرزاق. ثم تتابع إنشاء المشافي، وقد كانت تعرف باسم (البيمارستانات) أي دور المرضى.
وكانت المستشفيات نوعين: نوعاً متنقلاً، ونوعاً ثابتاً، أما المتنقل فأول ما عُرف في الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، في غزوة الخندق، إذ ضرب خيمة للجرحى فلما أصيب سعد بن معاذ في أكحله (والأكحل عرق في الذراع يفصد) قال صلى الله عليه وسلم: اجعلوه في خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب، وهو أول مستشفى حربي متنقل في الإسلام، ثم توسع فيه الخلفاء والملوك من بعد، حتى أصبح المستشفى المتنقل مجهزاً بجميع ما يحتاجه المرضى، من علاج وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة، وكان ينقل من قرية إلى قرية في الأماكن التي لم يكن فيها مستشفيات ثابتة.
وأما المستشفيات الثابتة، فقد كانت كثيرة تفيض بها المدن والعواصم ولم تخل بلدة صغيرة في العالم الإسلامي يومئذ من مستشفى فأكثر، حتى أن قرطبة وحدها كان فيها خمسون مستشفى، وتنوعت المستشفيات بعد ذلك[24].
إن عناية المسلمين بالمجال الصحي والطبي للإنسان كان منبثقا عن اعتقادهم الديني وما تشبعوه من تعاليمه الإنسانية السامية، فكانت إبداعاتهم في هذا المجال مبهرة اعتمدت على استعمال العقل والتفكر في مخلوقات الله عز وجل.

المجال الثاني: المجالس والندوات العلمية.
وهذا لون طريف من ألوان حضارتنا الزاهية، كان له أثر كبير في نشر الثقافة وذيوع العلم، ورفع المستوى الاجتماعي والذوق العلمي في الأوساط الثقافية، تلك المجالس والندوات العلمية التي تعددت في عواصمنا ومدننا الكبرى مع ما كان للمدارس والمعاهد والمكتبات من عظم وكثرة. هذه المجالس في تعددها وتنوع أبحاثها كانت مظهراً رائعاً من مظاهر اليقظة الفكرية في أمتنا إبّان مجدها وقوتها، وإنك لا تشك حين ترى مختلف طبقات الشعب من خلفاء وأمراء وعلماء وأدباء وشعراء .. يجعلون من أبحاثهم في مجالسهم الخاصة والعامة مباريات علمية وأدبية وفلسفية، إن هذه الأمة بلغت من الشغف بالعلم والظمأ لارتياد مناهله، حداً يشعرك بعظمتها ورقيها[25].
هذه المجالس كان لها دور إيجابي في مجال التواصل العلمي والثقافي، حيث كانت تدون ويستفيد منها الجميع.
وهذه المجالس ومعها المعاهد والمدارس لم يكن فيها “ثمة انفصال بين العلوم الشرعية والعلوم الكونية في التراث التعليمي الإسلامي اعتبارا لوحدة هدف التعليم وهو معرفة الكون والحياة المفضية إلى معرفة الله وإفراده بالعبادة…
والعلوم الكونية قد تكون قدرتها على ترسيخ القيم في نفوس المتعلمين أفضل بكثير من العلوم النظرية اللغوية والإنسانية، فمواد الرياضيات والهندسة والعلوم الطبيعية والفيزياء القائمة على التجربة الحسية الممارسة والتفكير المنطقي التحليلي إذا ما تم توجيه نتائجها وآليات التفكير فيها إلى التأمل في الصنع الإلهي البديع، وقدرته على الخلق والتدبير كفيلة بأن تخلق للمتعلم ربطا متسقا بين ما يتلقاه في العلوم النظرية والعلوم التطبيقية، فيقع الإيمان في قلبه موقع الاطمئنان تماما كما حصل لنبي الله إبراهيم عليه السلام…”[26].

منهجية التفكير في الإسلام
“ليس ثمة خلاف على أن التفكير المنهجي ضرورة لنجاح أي عمل، بوصفه يرسم طريق الوصول إلى الغاية المنشودة، وأن الوعي بهذه الضرورة ليس أمرا مستحدثا، بل كان مصاحبا للإنسان عبر تاريخ وعيه، وأن هذا الوعي لم يقتصر على حضارة دون أخرى، ولا مجال اهتمام معين دون غيره، ومع ذلك فإن كثيرا من الناس يفشلون في تحقيق أهدافهم القريبة أو البعيدة، لأنهم لا يسلكون إليها منهج الوصول، ويصدق هذا على الفرد والجماعة والأمة”[27]. والإسلام دعا إلى التفكير في كثير من الآيات القرآنية، ووضع لهذا التفكير منهجا يحقق الغاية المثلى من استعمال العقل الوازع والمدرك والحكيم والرشيد.
فما هو مدلول التفكير المنهجي في الإسلام؟
1- مدلول التفكير المنهجي:
أ- تعريف المنهج:
المنهج في اللغة :
استعمل لفظ المنهج عند العرب للدلالة على الطريق المستقيم البين، جاء في مقاييس اللغة: “النون والهاء والجيم أصلان متباينان، الأول : النهج : الطريق، ونهج لي الأمر : أوضحه وهو مستقيم المنهاج …”[28] وقال في الصحاح،” النهج : الطريق الواضح، وكذا المنهج والمنهاج، وأنهج الطريق أي استبان، وصار نهجا واضحا بينا، ونهجت الطريق إذا أبنته وأوضحته”[29] المنهج في الاصطلاح :
وردت لفظة المنهاج في القرآن الكريم، عند قوله تعالى:{ِلكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}[المائدة:48]، وفسر المنهاج في الاصطلاح الشرعي بالطريق الواضح، وبالطريق المستمر، وبالسنة والسبيل[30]، وهناك مفاهيم قرآنية مرتبطة بالمنهاج مثل: الصراط، والسبيل، والطريقة، والسنة، والهدى، والنور، والاستقامة.
إن المنهج وسيلة التثبت والتحقق من مسائل العلم وقضاياه، وبدونه قد تتحكم الأهواء في تركيباته ونتائجه، وما وصل عالم مالم يسلك منهاجا علميا يحقق به معلوماته.

ب – التفكير:
أما (التفكير) فهو إعمال العقل في مشكلة للتوصل إلى حلها، ويقال: رجل فِكّير: كَثِيرُ التّفْكِير[31].
– التفكير المنهجي:
وحين ننسب التفكير إلى المنهج فنقول التفكير المنهجي، فإننا نعني بذلك التفكير الذي يتبع قواعد واضحة للوصول إلى نتائج يمكن لأي إنسان أن يتحقق من صدقها باتباع القواعد نفسها.[32] هذه القواعد تتمثل في الوحي القرآني الذي”يرسم معالم المنهجية البحثية التي تقود إلى المعرفة الموثقة، وكما تؤكد الآيات المسطورة في القرآن أحكاما قطعية في بعض المسائل، فإن هذه الآيات المسطورة نفسها تلح في طلب الآيات المنظورة وتتبعها في الأنفس والآفاق، واكتشاف السنن والقوانين التي تحكم وجود الأشياء وتغيراتها وأحداثها”[33].

2- أهمية التفكير المنهجي في الإسلام:
لاغنى لأي أمة من الأمم عن التفكير المنهجي في نهضتها ورقيها. وأمتنا الإسلامية “إذا أرادت أن تستعيد عزتها وترتقي إلى مبلغ أمانتها وتتصدر قافلة الحضارة، فإنه من الضروري أن يتوفر لديها الوعي المنهاجي وتتمكن من تطويره، ولما كانت المنهجية هي علم بيان الطريق، فإن الوعي المنهاجي ضرورة لازمة”[34].
فشروط النهضة والإصلاح تكمن في قوة البناء النفسي والشجاعة النفسية، وسلامة التفكير وتفوقه، ووضوح الرؤية الكونية الحضارية. فالتفكير المنهجي في فكر الإنسان طبع فطري وأمر عقلي وشأن عملي.

3 – خصائص التفكير المنهجي في الإسلام:
التفكير المنهجي في الإسلام له خصائص تحدد معالمه الكبرى، وتتمثل في كونه ينبني على:
– مبدأ التوحيد (المرتكز على الوحي): “وهذه الرؤية تنطلق من مفهوم توحيد الذات الإلهية المطلق، ومن مبدأ التوحيد تنطلق الرؤية القرآنية إلى مبدأ التوحد والتكامل في فهم علاقات الكون والحياة…وأن بناء الكون والحياة والإنسان، وحدة في تنوع متكامل، وتنوع متكامل في وحدة”[35].
وهذا المبدأ يتفرع عنه مبدأ الخلق، ومبدأ تكامل الدنيا والآخرة، ومبدأ تكامل الوحي والعالم، ومبدأ تكامل العقل والحس، ومعادلة التكامل المعرفي[ ما بين حقائق عالم الغيب وحقائق عالم الشهادة]..
– مبدأ التزكية: ويتفرع عنه مبدأ تكامل الجسد والعقل والروح، ومبدأ تكامل الوجود الإنساني بين الفرد والمجتمع، ومبدأ تكامل العلم والعمل…[ مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة استيعاب الإنسان المسلم ما لدى الآخر من معارف وأفكار وطلب الاستفادة من الحضارات الأخرى، دون الانتكاس إليها فقط بل لاستصحابها في الأخذ بإيجابياتها دون سلبياتها. والتجديد في إنشاء معارف معاصرة].
– مبدأ العمران: ويتفرع عنه مبدأ تكامل متطلبات الحياة الاجتماعية: الزراعة والصناعة والتجارة والاتصال، ومبدأ تكامل ميادين المعرفة: علوم الوحي، العلوم الإنسانية، العلوم الطبيعية، والعلوم التقانية، مبدأ تكامل الانتفاع والاستمتاع…[36] [للوصول إلى معرفة السنن الكونية وجعلها أداة لتسخير الكون بما مكن الله به الإنسان من أدوات تسخيره تحقيقا لمبدأ الاستخلاف في الأرض].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية – دار العلم للملايين (2/ 783)
2. التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ)، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان، الطبعة : الأولى، 1420هـ/2000م، صفحات: (11/ 62) و(6/ 112) و (22/ 94)
3. التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي، دار الفكر المعاصر , دار الفكر – بيروت , دمشق، الطبعة الأولى، 1410هـ، (ص: 194).
4. جعل الإمام أبو حامد الغزالي كتاب التفكر وهو الكتاب التاسع من ربع المنجيات من كتابه إحياء علوم الدين.
5. مصطلح التفكر كما جاء في القرآن الكريم، د: محمد خازر المجالي، مجلة الشريعة والقانون، العدد الثالث والعشرون، ربيع الأول 1426هـ/مايو 2005م، (ص:25)
6. إحياء علوم الدين (4/ 423)
7. في ظلال القرآن (3/ 43)
8. إحياء علوم الدين (4/ 424)
9. مصطلح التفكر كما جاء في القرآن الكريم، د: محمد خازر المجالي، (ص:22)
10. تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية – لبنان/ بيروت – الطبعة : الأولى، 1422 هـ – 2001 م (3/ 403)
11. إحياء علوم الدين (4/ 423)
12. إحياء علوم الدين (4/ 426)
13. كتاب الفوائد، لابن القيم، (ص: 241)
14. التفكر من المشاهدة إلى الشهود(دراسة نفسية إسلامية)، الدكتور مالك بدري، نشر الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الرابعة 1415هـ/1995م، (ص:71)
15. نفس المصدر، (ص:75)
16. التحرير والتنوير (27/ 20)
17. التحرير والتنوير (21/ 16)
18. التحرير والتنوير (27/ 20)
19. لبحر المديد، أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الثانية / 2002 م ـ 1423 هـ (1/ 2)
20. ينسب للإمام علي بن أبي طالب ولم أجده في ديوانه المطبوع
21. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى : 1393هـ)، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت – لبنان، الطبعة : 1415 هـ- 1995 م (7/ 179)
22. من روائع حضارتنا، لمصطفى السباعي، دار الوراق للنشر والتوزيع – بيروت – المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، سنة 1420 هـ- 1999م، بتصرف، (ص:71-75)
23. من روائع حضارتنا، لمصطفى السباعي، دار الوراق للنشر والتوزيع – بيروت – المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، سنة 1420 هـ- 1999م، بتصرف، (ص:71-75)
24. رواه البخاري ومسلم.
25. من روائع حضارتنا، لمصطفى السباعي، (ص:219-221)
26. من روائع حضارتنا، لمصطفى السباعي، (ص:258)
27. التربية على القيم في مناهج التعليم وأثرها في التنمية مقاربة معرفية منهجية، الدكتور خالد الصمدي، ضمن أعمال ندوة سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر، تقديم الدكتور أحمد عبادي وتنسيق وتحرير الدكتور عبد السلام الطويل، نشر الرابطة المحمدية للعلماء سلسلة ندوات علمية (04)، الطبعة الأولى،1433هـ/2012م، (ص:208) بتصرف
28. منهجية التكامل المعرفي في الإسلام (مقدمات في المنهجية الإسلامية)، فتحي حسن ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، طبعة خاصة بالمغرب، 1434هـ/2012م، ص:13-14
29. معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة (نهج)، ج:5، ص: 361
30. الصحاح للجوهري، ج:1، ص: 346. وانظر في المعنى مادة (نهج) من لسان العرب لابن منظور، ومن القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج:1، ص: 210.
31. انظر تفسير ابن كثير ،ج: 3 ، ص: 129، و الكشاف، للزمخشري ج: 2 ، ص: 32
32. المعجم الوسيط (2/ 698)
33. منار التربية الإسلامية، كتاب التلميذ السنة الثانية من سلك الباكلوريا، وزارة التربية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي قطاع التربية الوطنية/ المغرب، طبعة 1431هـ/2010م، ص:62
34. منهجية التكامل المعرفي في الإسلام، ص: 146
35. منهجية التكامل المعرفي في الإسلام (مقدمات في المنهجية الإسلامية)، فتحي حسن ملكاوي، ص:118
36. منهجية التكامل المعرفي في الإسلام نقلا عن الرؤية الكونية الحضارية القرآنية، لأبي سليمان عبد الحميد ص:49