العمري يناقش عبد السلام ياسين في مسألة “الإحسان” (2)

إحسان الإحسان -2-
الجزء الأول: الفصل الأول: الرجال
معاني الإحسان
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله:
[لفظ «الإحسان» يدل على معاني ثلاثة ورد بها القرآن ووردت بها السنة:
1- الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
2- الإحسان إلى الناس، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين.
3- إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه، سواء العمل العبادي أو العادي أو المعاملاتي.]:

يروم المؤلف رحمه الله أن يتتبع معاني الإحسان في القرآن والسنة ليدل على التزامه للمعنى الشرعي دون المعاني العرفية من حيث المبدأ؛ وهذا أمر نكبره فيه، ونؤكد بدورنا عليه. لكن فاته أن يشير إلى أن المعاني الثلاثة المذكورة لا تخرج عن صنفي المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي. فالمعنيان الأول والثاني اصطلاحيان من غير شك، الأول به تُميّز مرتبة الإحسان وتُعرّف، والثاني يتعلق بالمعاملات البينية الشرعية والتي يتناولها الفقه بدءا من مرتبة الإسلام. وأما المعنى الثالث، فهو لغوي مشترك.

[مجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء. علاقته بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لا يفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته.]:

ونلاحظ انصراف المؤلف إلى وصفٍ لما يكون عليه المحسن، يريد منه تعريف الصفة بالموصوف؛ وهذا أضعف وجهَي الاستدلال. فقد كان يجدر به تعريف الصفة لنتتبعها في الموصوفين بعد ذلك. ثم إن خلطه في ذلك بين كل المعاني الإحسانية، لا يمكن أن يخرج معه الناظر إلا بصورة مجملة، لا تناسب في عمومها إلا مرتبة الإسلام وحدها؛ وبهذا يكون الكلام في الحقيقة عن الإحسان هنا، بالمعنى الأولي العام، الذي كان ينبغي -من باب الالتزام العلمي- أن لا يتسمى الكتاب باسمه. وحتى ما يريد الكاتب أن يشير به إلى الإحسان الحق، في كلامه عن الذكر والدعاء والرجاء، فإنه لا يتجاوز في أحسن الأحوال مرتبة الإيمان؛ بل إن جل ما ذكره يناسب هو أيضا مرتبة الإسلام وحدها. هذا إن كنا نريد التدقيق، وإلحاق كل عمل بمرتبته.

[بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه وتجمل أخلاقه وتصلح نواياه وأفعاله فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب. ونفعه للمجتمع وللناس كافة لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط، بل يتوقف أيضا، وبالمكانة المؤكدة، على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال.]:

لا يمكن أن نعد هذا الكلام علميا، وإنما هو إنشائي وأقرب إلى الكلام الأدبي الذي يتوسع فيه الناس ويأمنون الاعتراض؛ من كونه لا يخضع لمعايير العلم الصارمة من كل وجه، وغير مشترط فيه مطابقته للواقع. وقد كان يجمل بالكاتب -إن كان يريد الكلام عن الإحسان بالمعنى الاصطلاحي- أن يمهد للكلام عن مرتبة الإحسان، بما يجعلها لا تتداخل مع غيرها من المراتب في ذهن المتلقي. نعني أنه كان لا بد من الفصل بين المعنى العام والمعنى الاصطلاحي، وإلا فسنبقى على هذا الخلط إلى ما شاء الله من الكتاب. وقد ورث المؤلف هذا التصور المجمل المخلوط، عن علماء الدين (فقهاء ومتكلمين)، الذين تكلموا عن مراتب الدين كلها من مرتبة الإسلام، بما أن جلهم لا يُجاوزونها. وهذه آفة أصابت العلوم الدينية منذ عصر التدوين وإلى الآن، ولم نجد من نبه إليها، لا من المتقدمين ولا من المتأخرين؛ مع تحقق ضررها البالغ على التدين الفردي وصنوه الجماعي بالقطع. وذلك لأنه قد نتجت عن ذلك تصورات للمراتب مخالفة لما هي عليه في حقيقتها؛ وفي أحيان كثيرة، مانعة عن إدراكها إدراكا صحيحا. وينجر عن هذا الإجمال في التصور، قصور إدراكي قد يبقى ملازما لصاحبه طول عمره؛ وهذا ليس من شأن العلماء. فالعلماء الذين تكون علومهم دقيقة (كعلم السلوك هنا) يتجنبون الحشو والتعميم؛ لأن المعاني في علومهم، ينبغي أن تكون شديدة الوضوح وصارمة الدلالة؛ منعا لكل التباس ينشأ عن ترابطها أو تراكبها. والوضوح الذي نعنيه هنا، ليس هو ما يجعل المعاني مُدرَكةً لكل أحد، كما قد يُفهم؛ ولكنه الوضوح اللازم، الذي يجعل أهل العلم يميّزون ما يُقال. فاللغة لدى العلماء ينبغي أن تكون مشابهة لحركة مبضع الجراح: دقيقة وحاسمة وخالية من اللغو. وإن سمة التعميم الغالبة على كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، نجدها منوطة بالوجهين: الإدراكي واللغوي (العبارة) معا. فمن وجه الإدراك، فإنه لم يخرج عن مألوف الفقهاء قديما وحديثا، على ما بهم من قصور كما أسلفنا؛ ومن وجه اللغة، فإنه يروم التغطية في أحيان كثيرة على القصور المعرفي بتنميق العبارة أو تشتيت الانتباه. وهذا الأسلوب لا ينطلي إلا على من كان أجنبيا عن هذه العلوم…

[يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البيهقي رحمه الله عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»]:

معنى الإحسان هنا ينطبق على مرتبة الإسلام أكثر مما ينطبق على غيرها، نقول هذا مراعاة لإدراك القارئ؛ وإلا فإنه يدخل في معنى الحديث كل عمل قلبي بعد ذلك. لكننا على يقين من أن المؤلف لم يقصد هذا المعنى الشامل، ولو كان يقصده، لجعله مدخلا إلى الكلام عن الإحسان بالمعنى الاصطلاحي. وحيث لم يفعل، علمنا أنه لم يكن يقصده.

[ومن حديث مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»]:

هذا الحديث أعم من السابق لعموم لفظه، وهو أقرب إلى أن يُتّخذ مدخلا إلى الإحسان الذي هو أعلى الدين؛ لكن مجاوزته من غير إشارة إلى ما ذكرنا، يدل على أن الكاتب أخذه بمعناه الظاهر المناسب لإدراك أهل الإسلام.

[في هذين الحديثين نجد المعنى الثالث للإحسان عائدا إلى المعنى الأول، حصول الأول متوقف إلى حد على حصول الثالث. ويعم حب الله تعالى المحسنين، أكملهم نصيبا من حبه تعالى من عبده ذاكرا نافعا للعباد متقنا مجيدا، يعطيه إتقانه الوسائل الضرورية لإرضاء الحاجات الدنيوية لنفسه وعائلته وأمته، وتؤهله خدمته وإنجازاته الدنيوية للتقرب من الله رب العباد من خلال هذه الإنجازات نفسها.]:

إن الترتيب السابق الذي اعتمده المؤلف، لا يجعل القارئ يميّز معنى الإحسان في الاصطلاح، وبالتالي فلن يتمكن من البناء على الدلالة المذكورة؛ وهي مغالطة يقع فيها الكاتب لا تليق. ولقد تجلى عدم ضبط معنى الإحسان هذا، لدى تلاميذ الأستاذ عبد السلام، منذ نشأة جماعة “العدل والإحسان” وإلى الآن؛ بحيث لم نجد ممن التقيناهم على مدى عقود، من يُفهَم عنه ما يدل على تمييزه له. فهم يؤمنون أن الأستاذ عبد السلام يعلم الإحسان، وأنه قد كتب عنه بأفضل ما كتب عنه كاتب؛ ويؤمنون أن لهم حظا من الإحسان بجميع معانيه؛ لا لشيء، إلا لأنهم تابعون للأستاذ فيه… وهذا كما لا يخفى، مصادرة على المطلوب، يقع فيها الأتباع بسبب عدم ضبط مرشدهم للمعنى الذي ما زلنا نحوم حوله إلى الآن. وإن إحالته إدراك صنف من الإحسان على الصنف الآخر، يزيد من انبهام المعنى وغموضه، وإن كان في الظاهر يبدو وكأنه يؤكده عن طريق التفصيل فيه. ثم إنه عندما يُدخل الحاجات الدنيوية في الكلام بعد ذلك، فإنه ينسف معنى الدين بأكمله وينزل إلى ما يليق بالعقل المعاشي وحده من إدراك؛ وذلك لأن الدين في أصله مناف للدنيا من حيث التوجه العام. نعني من هذا أن المؤلف لم يتحر ضبط شرط التوجه، الذي يكون في الدين إلى الله واليوم الآخر؛ لا إلى الدنيا كما هو حال أهل الكفر وأهل الغفلة. فعندما نسمع الله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، فإنه لا بد أن نلاحظ أنه سبحانه لم يأت على ذكر الدنيا في عملية التدين التي هي الصلة بين المتأسّى به صلى الله عليه وآله وسلم، والمتأسّي. وهذا أمر جوهري ما كان ينبغي لعلماء الدين عامة إغفاله، لو كانوا يبغون موافقة الحق المؤسَّس بالوحي. ولعل الكاتب كان مضطرا إلى إقحام الدنيا في الكلام، ليضع الأساس التنظيري اللازم لبناء نظريته السياسية فيما بعد (الترتيب هنا للمرتبة لا للزمان)؛ لأنه من غير هذا التأسيس لن يتمكن من الجمع بين العمل السياسي والتزكية الشرعية، كما عرفتها أجيال السالكين على مر العصور. ولقد دللنا نحن في أكثر من موضع من كتبنا على أن ذلك الجمع لا يصح. فعلى من أراد التوسع في هذه المسألة أن يتتبعها في مظانها، أو أن ينتظر إلى أن نصل إليها ضمن هذا الكتاب في محلها… وإنّ نفينا للتوجه إلى الدنيا، لا يعني إهمال شؤونها كلها، كما يفعل المـُخِلّون، أو كما سيسارع البعض إلى فهم ذلك من كلامنا؛ ولكنه يعين على تبيّن مكانتها في مختلف المعاملات، حيث لن تكون إلا خادمة للدين فحسب. وهذا هو معنى قول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]. فإسباق ذكر الآخرة على الدنيا، يفيد انحصار التوجه في الآخرة؛ والنهي عن نسيان النصيب من الدنيا، هو لعدم الإخلال بالآخرة لا بالدنيا، كما قد يفهم من لا علم له بالأمر. وأما ذكر الكاتب للدنيا في معرض الكلام عن الدين والإحسان، فإنه يدل على وقوعه تحت تأثير الثقافة السائدة في مجتمعاتنا الغافلة، والتي اختلطت لديها التربية الدينية الأصيلة، بما داخلها من التربية الكفرية (من حيث المبادئ والأصول) التي جلبها المستعمرون إلى بلداننا بالأمس، ويقوم على تثبيتها فينا وكلاؤهم منا اليوم. ولقد كان حريا بالأستاذ عبد السلام أن يتحرى ما يقول، حتى لا يدل على أمر مخلوط، لن ينتج عنه إلا خلط مثله، لن نلبث أن نقع على تنويعات له فيما سيأتي من الكتاب…

[وردت عبارة ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أو ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران مرتين، وفي المائدة مرتين. وفي القرآن آيات عديدة تعد أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن البشرى للمحسنين. حض على الإحسان متكرر، فما هي حقيقة الإحسان تفصيلا؟]:

إن اعتناء الكاتب بالعدد الوارد من اللفظ، ينبئ أنه لا يُدرك من اللفظ إلا المعنى الظاهر المشترك؛ وهذا أسلوب يعتمده كثير من المتأخرين، ويتوهمون أنهم به قد يُغطون على عجزهم. والحقيقة هي أن كل لفظ ورد في القرآن -وإن شابه غيره- هو مغاير في الحقيقة من جهة المعنى. وهذا له طريقان: طريق الظاهر، ويُعلم من السياق والقرائن؛ وطريق الباطن، وهو متعلق بالكشف. ثم إن الكاتب عندما استدعى انتباهنا باستعمال الاستفهام التنبيهي، في سؤاله: “فما هي حقيقة الإحسان تفصيلا؟” يجعلنا نتطلع إلى جواب مقنع، بل مفصل؛ يغني عن كل متابعة بعده، ويكون جامعا لكل شتات قبله…

[بعد أن وضعنا على رأس هذه الفقرة المعاني الثلاثة مرتبة]:

يوهمنا الكاتب أنه قد أتى بشيء يُعتدّ به، عندما يتكلم عن الترتيب السابق وكأنه قد تقرر لدى القارئ؛ وهذا استغفال. ويُقدّم به وكأنه يبغي البناء عليه، كما يفعل كل ذي منطق متماسك؛ والحقيقة هي -على غير ذلك وبالعكس منه- إرادته جعل القارئ يتوهم أنه شريك في “البرهنة”، حيث سيساق سوقا إلى نتائج مظنونة، تبدو في عين غير البصير متيقَّنة.

[نستمع إلى بيان ترجمان القرآن رسول رب العالمين لنضع الإحسان في مكانته من الإسلام والإيمان. فإن الإحسان ما هو معنى عائم هكذا، عام الدلالة بعموم المدلول اللغوي، بل الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى، لها الأهمية القصوى. الإحسان غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال.]:

إن الأستاذ عبد السلام يقرر هنا، ما ذكرناه نحن منذ بداية تعليقنا على الكتاب، وهذا -بالإضافة إلى السؤال السابق- سيجعلنا نترقب الجواب الذي ينبغي أن نخرج به من عموم المعنى، إلى إدراك المعنى الاصطلاحي الخاص. فهو الآن يقوي الحجة عليه، إذا لم يف بما يعد؛ لأن الوفاء بالشرط من لوازم التأكيد في التقديم، وإلا عاد الأمر تحايلا على العقول، لا يليق بعلماء الدين.

[لأهمية الإحسان هذه البالغة شاء الله جل شأنه أن يرتب للصحابة رضي الله عنهم ولنا من بعدهم حادثة تلفت النظر وتعلق بالخيال، وتخاطب العقل والوجدان، لكيلا يفهم المسلمون دينهم فهما مسطحا. هذه الحادثة هي نزول جبريل عليه السلام لاستجواب الرسول الكريم وهو بين أصحابه في مجلس تعليمه. رأوا الملك المقرب جميعا وشهدوا الحوار. هذه لوحة خالدة للتعليم الرباني يرويها الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما بصيغة مقتضبة نمسك منها عبارة أن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». في هذه الرواية يقول الحبيب آخر الحديث: «هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم.»]:

لقد زادنا الكاتب تشويقا، بهذا التطواف بين شيء من البرهنة العقلية (وما تقتضيه من التراتب والترابط) وبعضٍ من الوصف (وما يشتمل عليه من دلالات). فلم يبق من السامع إلا أن يتهيأ لما لم يسمع مثله من قبل، ولا عهده من كل من سبق أن تكلموا في هذا الشأن. وهذا، لأن التأليف ينبغي أن يضيف فيه المؤلف شيئا جديدا، أغفله السابقون أو لم يحيطوا به من كل وجوهه؛ حتى يكون جديرا بالاعتبار. وهذا يخالف ما طغى في زماننا -بسبب التوجيه التعليمي الأكاديمي- مما يسميه أصحابه “بحثا” أو “دراسة”، لا يقومان إلا على الاقتيات على ما قاله السابقون، إن لم يكن على نقله نقلا. وهذه مسألة ينبغي أن تنال ما تستحق من عناية من قِبل المعنيين بالشأن التعليمي، إن كنا نبغي إصلاح تعليمنا (العالي على وجه التخصيص) والخروج به من هذا التخلف والانحطاط. ونقل الكلام في الأمور من دون إضافة، هو شأن الوعاظ لا العلماء، إلا إن كان يُقصد بالعلماء المدرِّسون للعلم؛ لأن هؤلاء لا بد من إيرادهم لأقوال العلماء السابقين كما هي. وحتى المقارنة بين مختلف الأقوال، التي يعتمدها المدرسون، ليست وحدها ما نقصد بالعلم الذي يستحق أن يُعد صاحبه عالما جديرا بالتأليف. وهذا يجعلنا مجبرين على التمييز بين المقررات الدراسية المعتمدة في تدريس العلوم، وما هو من العلم بالمعنى الذي نشير إليه نحن هنا. والمدرّسون وإن لم يكونوا وعاظا، فإنهم لا يفوقون الوعاظ كثيرا في المرتبة. وبالنتيجة، فلا يكون العالم عالما حقيقة حتى يهضم العلم هضما، ويخرج فيه بما لم يُسبق إليه؛ فهذا وحده ما يضمن التقدم في العلم، لا غيره. فإن قيل إن الدين لا يمكن أن يتقدم العلم فيه، بما أنه قد فُرغ منه واكتمل؛ وإن المقصود ببلوغ الكمال في العلم الديني هو الانتهاء إلى إدراك ما كان عليه أهل الدين في الأزمنة السابقة فحسب، كما هو مذهب المتسلفة منا؛ أو لأن الزيادة في العلوم الدينية قد تختلط علينا بمعنى البدعة، الذي هو ملازم في أذهاننا لكل خروج عن الأصل؛ فإننا نجيب: إن الدين اكتمل من حيث الصورة (العلمية والعملية) المتعلقة بنصوص الوحي من جهة، وبالشعائر والعبادات من جهة أخرى؛ وأما من حيث المعارف المتضَمَّنة في النصوص، أو بما ينتج عن العبادات من واردات، فلا نهاية له ولا غاية!… وقد قال أئمة الطريق: قد يفتح الله على المتأخرين، بما لم يكن يعلمه المتقدمون!… ولولا أن العلم قابل للزيادة، ما كان الله تعالى يُعلّم نبيّه طلب الاستزادة منه، وهو -صلى الله عليه وآله وسلم- من أوتي علم الأولين والآخرين. يقول الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]. وهذه -لو كان الناس يعلمون- هي خصيصة الدين الحق، التي يمتاز بها عن كل الأديان الباطلة وعن سائر الأيديولوجيات.

[نأخذ الرواية الأتم، ننقلها بتمامها لأهميتها البالغة:]:

هذه العبارة، تجعلنا نجزم بأن الكاتب سيفصّل الكلام في الحديث المذكور، بما لم يُسبق إليه. ولعل القارئ الآن ما عاد يحتمل طول الانتظار، بعد كل هذا التشويق…

[أخرجها مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تومن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتومن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق. فلبثت مليا (أي قليلا) ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.»]:

إن العامة، وعلى رأسهم الفقهاء، لا يكادون يخرجون من هذا الحديث بغير الأسماء المعلومة، من إسلام وإيمان وإحسان، وما يتعلق بها من تفاصيل (أركان)، بما هي أسماء أيضا فحسب. وما لم يتوقف الكاتب عند هذا الحديث ليبلغ بنا منه معاني الإحسان حتى نميّزها بطريق التصور والتمثل على الأقل، فإنه سيكون كأنه لم يكتب هذا الكتاب ولا خاض في معنى الإحسان!… وسيكون كمن زار مكة ولا حج ولا اعتمر!…

[نعم يا حبيب الله أنت المعلم نعم المعلم جزاك الله عن هذه الأمة ما هو أهله. لكن رحمته سبحانه بنا، وحرصه على أن نتعلم ديننا كاملا وافيا، لما يعلم من قصور فهمنا وغلبة النسيان علينا واختلاط معالم الأمور في ذاكرتنا، بعثت معلما مساعدا سماويا هو رفيقك ومحاذيك في إسرائك ومعراجك. عليك صلاة الله وسلامه وعلى الملك الكريم.]:

هذا الكلام، على ما فيه من ثناء على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وشكرٍ وامتنان نؤكدهما تأكيدا، ليس له قيمة علمية، بالنظر إلى المسألة التي نحن بصددها، والتي هي: تعريف الإحسان. ولقد كان هذا الكلام يليق بواعظ يستدر عواطف الناس ويتصيد ميلهم، لا بمن يريد أن يتصدر للإرشاد الديني بجميع أطواره؛ نعني من أدنى مرتبة مشتركة، إلى أعلى ما يصله المتدينون.

[الإحسان أن نعبد الله كأننا نراه. درجة ثالثة بعد الإسلام والإيمان، فوقهما، بناء عليهما لا تحليقا، لا إيمان بلا إسلام، ولا إحسان بلا إيمان.]:

كلام جيد جدا، وتقديم ممتاز لما بتنا ننتظر…

[الله سبحانه أحسن صبغة وأحسن قيلا. وهو أحسن الخالقين. ومن إحسانه يفيض الخير على من أقرض الله قرضا حسنا، وعلى من أبلى بلاء حسنا. منه إلينا الرزق الحسن والمتاع الحسن في الدنيا والحسنى وزيادة في الآخرة إن نحن أحسنا في هذه الدنيا حسنة، وهاجرنا فيه سبحانه ليبوئنا في الدنيا حسنة. يزيدنا حسنا إن اقترفنا حسنة ويعطينا إن أحسنا الدعاء في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. له الأسماء الحسنى سبحانه.]:

بدل أن نجد تعريفا لإحسان العبد (الذي به يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله يراه)، أخذَنا المؤلف إلى معنى إحسان الله الذي لم يتعلق به انتظارنا، ولا دل عليه شيء من المقدمات. وهذا إخلال كبير بالجانب المنطقي للكتاب، ومخادعة لانتباه القراء عند إلهائهم عما تعلقوا به، بما يشترك معه في اللفظ وحده. ومع ذلك نقول: يمكن أن يكون هذا منه زيادة في توسيع دائرة المعنى العام للإحسان، وسنواصل الانتظار.

[دعانا رسوله المصطفى بالموعظة الحسنة.]:

عرّج هنا على بعضٍ من إحسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكأنه يبلغ في توسيع المعنى مداه…

[فإن نحن استجبنا لربنا وصدقنا بالحسنى أعطانا الحسنى في هذه الدار، وجعلنا من المبعدين عن النار مع الذين سبقت لهم منه الحسنى. أمرنا أن نتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، وهو كتابه العظيم وسنة رسوله الكريم، وفي كتابه وسنة رسوله الإحسان إلى الوالدين، والدفع بالتي هي أحسن رفقا بالخلق وملاطفة، وأن نقول للناس حسنا، وأن نجازي بالإحسان إحسانا. خلقنا سبحانه في أحسن تقويم، ثم ردنا أسفل سافلين في دار الامتحان ليبلونا أينا أحسن عملا، فمن آمنوا وعملوا صالحا كان لهم أجر غير ممنون، وكلما كان إيمانهم أكمل وعملهم أحسن كانوا أقرب إلى نيل كمالهم الأخروي حيث يحشرون إلى دار النعيم في أحسن تقويم. خرجوا من الامتحان صالحين. هنالك في مقعد الصدق يقال لهم ما قيل للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾. هنالك يستبشرون ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وللمحسنات مثل ذلك، لنساء نبي الله وحبيبه القانتات التائبات العابدات قيل في الكتاب العزيز: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾. ولكل مؤمنة قيل ذلك يا من يسمع كلام الله، ويفهم عن الله، يرجو الله، ويخاف الله، ويحب الله. لا إله إلا الله. والحمد لله.]:

اتضح بعد هذا، وعند بلوغنا نهاية الكلام وإيقاننا بأنْ لا مزيد، أن الرجل يتتبع مادة “ح،س،ن”، ولا شأن له بالإحسان. فها هو بعد أن استفز إدراكنا فيما قبل، وشوقنا إلى معرفة حقيقة الإحسان، يُطوح بنا في تتبع للفظ من القرآن الكريم، من دون مراعاة رابط ولا ماسك؛ يغلف ذلك -رحمه الله- بغلاف إنشائي مهلهل، لا يتمكن من إنسائنا ما كنا بصدده. أين تعريف الإحسان يا أستاذ؟!… لمَ تعتمد أسلوب الاستغفال في مخاطبتنا، وقد وثقنا من أنك ستدلنا على ما ذكرت؟!… ألا يكفينا ما نتعرض له من إضلالٍ من قِبل من لا دين لهم، حتى تزيدنا صنفا جديدا هو الإضلال بالدين؟!… إنا لله وإنا إليه راجعون. والله لَلصمت عن الكلام، خير من قول مثل هذا!… فهذا يشبه الجملة الاسمية التي يأتي فيها المبتدأ من غير خبر؛ حيث تكون -كما يقول النحاة- كلاما غير مفيد!… كان ينبغي للمؤلف -على أقل تقدير- أن يوضح ما يلي:

1. مرتبة الإسلام هي المرتبة المشتركة التي ليس دونها إلا الكفر. وأعمالها بدنية، ليس لها من القلب (الباطن) إلا النية.

2. مرتبة الإيمان، هي المرتبة الثانية من الدين، وهي قلبه؛ لذلك قد يسمى الدين كله إيمانا، فتصدق التسمية. وأعمالها قلبية لا قدم لأهل مرتبة الإسلام فيها. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].

3. مرتبة الإحسان، وهي المرتبة الثالثة من الدين وأعلاه؛ وهي مرتبة روحانية يكون العمل فيها للروح. وهي درجتان: مراقبة، يدل عليها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك.»؛ ومشاهدة، ويدل عليها قوله عليه السلام: «أن تعبد الله كأنك تراه.». ومرتبة الإحسان بهذا الاعتبار، أغمض من سابقتيها؛ لذلك يتوجه على أهلها النكير قديما وحديثا. وكم من المحسنين يراهم المسلمون كفارا وزنادقة، للسبب المذكور. وإن إنكار الفقهاء أنفسهم على أهلها، بما صار ديدنا لهم عبر العصور، لا يدل إلا على أن الدين قد جُهل، وأن التحريف قد بلغ منه مبلغا سيصير معه الأعلى أدنى والأدنى أعلى. ولقد كان حريا بالأستاذ عبد السلام، أن يعدل المقلوب ويصحح الإدراك، بدل أن يتركنا على مثل ما كنا عليه.

نخلص من هذا، إلى أن الأستاذ عبد السلام، لم يُجب عن سؤال: فما هي حقيقة الإحسان تفصيلا؟ الذي ألزم نفسه به؛ لا إجمالا، ولا تفصيلا!… وهو بعدم إجابته: إما أنه لا يعلم الإحسان، وإما أنه يعلمه. فإن كان يعلمه وامتنع عن الجواب، فلا بد أن يكون ذلك لسبب معتبر، ينبغي أن يشير إليه؛ أو قد يكون أرجأ الكلام عنه، أيضا لسبب معتبر؛ كأن يكون مضطرا إلى الكلام عن المرتبتين الأوليين بما يجعل الكلام فيما بعد عن الإحسان أكثر وضوحا في الأذهان؛ لكن هذا أيضا، كان ينبغي أن يشير إليه، حتى نبقى على احترامٍ لمسلكه. وأما إن كان لا يعلم الجواب، فلمَ أوهمنا أنه سيجيب وهو لن يستطيع؟… ومتى كان بسط السؤال يُعدّ جوابا؟… لأنه في الحقيقة ما فعل شيئا -في كل ما قال- غير بسط السؤال، على عادة المدرسين عندما يريدون إعانة المتعلمين على تبيُّن طرق الإجابة. لكن هذا كله، لا يليق بمن يتكلم في العلوم الدينية الخاصة، ويريد أن يعلمها الناس!… هذا، إن كان يسعى إلى الخروج بما ينفع ولا يضر…