كيف يفكر المغاربة في الجنس؟

سؤال كبير لكنه ذو راهنية وحساسية في آن ، لأنه يبحث في عمق التمثلات الشبقية والإستيهامات التي تحرك رغبات الأفراد داخل المجتمع المغربي نحو الجنس سلوكا وممارسة وتفكيرا..

لعل الدافع إلى اختيار هذا الموضوع للتفكير والخوض فيه بحديث ، هو ما يعج به المجتمع من سلوكات وتصرفات ذات إيحاءات جنسية في الفضاء العام ينم من جهة عن جهل كبير لدى عدد كبير من المغاربة والشباب المغربي على وجه خاص بمكانة الجنس كتربية وكثقافة ، ومن جهة ثانية عن تدني مستوى التخاطب اليومي وامتلاء مفرداته بمدلولات وتعابير جنسية سافرة.

أذكر فيما مضى من عقود قريبة أن المغاربة كانوا محافظين فيما يخص التحدث علنا بكلمات ذات إيحاءات جنسية ، وأن النكت التي كانت تتداول بين الأطفال والشباب والتي تكسر تلك القاعدة كانت إستثناءا يخرج عن تلك القاعدة لكن في إطار ضيق لا يمتد خارج تجمعات مغلقة وبين الأصدقاء والزملاء…

وأذكر أيضا أن التحرش لم يكن على أشده كما هو عليه اليوم ، وكان الفتى حين يريد لفت انتباه فتاة ليتقرب منها يلتف حول نفسه سبع مرات قبل أن يجرؤ على محادثتها ، والإستثناء في ذلك كان عند بعض المتسيبين الذين يضعون يدهم على قضيبهم من فوق السروال دلالة على رغبته في مضاجعة الفتاة التي يريد إبلاغ تلك الرسالة ذات الإيحاء الجنسي إليها.

في زماننا هذا هناك فوضى وتسيب أصبح يشكل قاعدة في زمن يعرف انفتاحا إعلاميا ورقميا كثيفا ، ويعرف بالمقابل داخل مجتمعنا المغربي فورة امتداد أفكار المد الأصولي الذي اشتغل منذ عقود على ” أسلمة المجتمع ” إلى جنب المد الإخواني الوافد علينا من حاضنته المصرية.

ورغم تأثير الحركات الإسلامية منذ النكسة العربية إلى الآن ، فإن الجيل الجديد الذي تربى على نهج الأفكار المتضمنة في كراسات الدرس لمادة التربية الإسلامية بعد دحر كل تأثير للدرس الفلسفي على الحياة الدراسية لجيلين متتابعين ، جيل السبعينات وجيل الألفية الثالثة ، قد اكتسب افكارا متمنعة تمتح من معين الفكر الديني بشقيه السلفي الوهابي والإخواني مما جعل هذا الجيل الذي يعيش انفتاحه على العالم يحمل نفس الأفكار التي تخلو منها قيم التسامح وقبول الإختلاف وفهم المسألة الجنسية بشكل علمي كما هو حاصل في الغرب مثلا.

فما بين التمسك بأفكار متقادمة موروثة تتناقلها الأجيال في إطار دعوات إسلاموية والتي تستحضر ثنائية الحلال والحرام في كل حديث أو تقييم لها ، وبين تدفق الرغبة وجموحها لدى نفس الجيل وخروج الشباب ذكورا وإناثا للتعارف وربط العلاقات والمواعدة وممارسة الجنس في الخفاء وبزي محتشم كما تفرضه التقاليد والموجة الجديدة للحجاب ، تحدث تناقضات تعبر عنها سلوكات الأفراد داخل المجتمع تدل عن طفو المكبوث وخروجه من قمقم العفريت المارد الذي يتمرد على ضوابط المجتمع لكن بهوس مكشوف وعلني.

الشباب المغربي الذي يجلس في المقاهي ويكون حديث أفراده كلمات ذات إيحاءات جنسية هو شباب مهووس بالجنس حتى النخاع ، ففي لا وعيه المغطى بطبقات من التمظهرات ذات البعد التجميلي المنافق الذي يتعمد تغطية الشمس بالغربال ، تنط بين الفينة والأخرى من قارته المجهولة تلك ( لا وعيه ) ما يؤكد هذه الفرضية على أنه في عدد ساعات يومه يفكر في الجنس كهاجس.

فكيف يمكن تفسير أن شباب اليوم حين يمزح مع صديقه في مقهى أو في فضاء عام وعلى مسمع الحضور أو المارة ، ودون أي” كابح ” يوظف من القاموس الجنسي كل الألفاظ التي تدل على ما نرمي إليه من تمكن الهاجس الجنسي من لاوعيه ؟

فكلمات يتحرش بها الشاب بقرينه أثناء المداعبة ، أو حين تفوز فرقة للكرة من الهواة في الحي ويصفون فوزهم بأنه وطء جنسي للفريق المهزوم ، وحين يسب شخص آخر ويهدده بكونه سينكح له أمه ، أو أنه إبن عاهرة أو أنه ليس برجل دلالة على اتهامه ب” الشذوذ ” – مع تحفظنا على هذه الكلمة سوى تقريب الفهم للقارىء بها – ، تدل على كل هذه الترسانة الكبيرة من القاموس اللغوي المتداول بشكل يومي بين الأشخاص حتى عاد صيغة للتخاطب بلا حرج ، وقد يسمعها الجميع ـ ومنهن النساء ـ فلا يحركون ساكنا بل يلتزمون الصمت، وقد يعتبرونه عاديا تماشيا مع القاعدة التي تقول : إذا عمت هانت.

المغاربة اليوم يفكرون في الجنس بشكل مضاعف لأن كل ممنوع مرغوب ، ووفق ما سبق فإن البيئة التي تعرف نكوصا في القيم واختلاطا وتضاربا في الأفكار واحتداما في المرجعيات ، وكبثا للرغبات ، وتقييدا للحريات ، وانتشارا موازيا للأفكار المؤدلجة ، تفسح المجال لظهور سلوكات ذات طابع إجرامي يعتدي على حقوق الغير من تحرش واغتصاب وبيدوفيليا جامحة ولغة تخاطب مليئة بالإسفاف والميوعة.

وبالتالي فإن المجتمع يصاب بلوثة الجموح اللاأخلاقي والضمور الفكري ، نتيجة لغياب ثقافة جنسية واضحة المعالم والتوجهات ، وفقر المناهج التربوية والدراسية من أي تربية جنسية قمينة بجعل المواطن المغربي حرا ومسؤولا في آن ، حرا من حيث اختياراته الجنسية ، ومسؤولا من حيث التزامه بحدود حريته حتى لا يصيب بها حرية غيره بألفاظ حاطة من مستوى التعبير العام بين الناس داخل نفس المجتمع.
بقلم : محمد علي لعموري