إحسان الإحسان: ألا وإن في الجسد مضغة (3)

بقلم الشيخ عبد الغني العمري الحسني
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله:
[نريد في هذا الفصل أن نقف عند فقهاء التربية أطباء القلوب، وأن ننظر في هذا الطب العظيم كيف عالج به أهل الإحسان أنفسهم وتلامذتهم. نريد أن نلتمس طريقا لمعرفة كلمة الحق في موضوع خطير، موضوع السلوك إلى الله جل وعلا. كثر حوله النزاع وتضاربت الآراء، واحتدم الخلاف، وحميت المعركة.]:

على عادة الأستاذ عبد السلام، يبدأ بالتهويل ليجعل القارئ يستعظم ما هو مقبل عليه؛ وهذا إن لم يعقبه تفصيل يطمئن المرء ويقوي عزيمته، فإنه سينقلب إرهابا “نفسيا” يجعل الناظر يستصغر نفسه؛ حتى إذا لم يخرج من الكلام بطائل، توهم أن ذلك من قصوره. وهذا من الاحتيال الفكري، الذي لا يكون من صفات العلماء البتة. وها هو بعد أن لم يفدنا شيئا عن الإحسان، يريد منا أن ندخل معه إلى علم السلوك الذي هو من اختصاص أهل الإحسان بحسبه؛ أما عندنا فالسلوك يتعلق بمراتب الدين كلها. ثم كيف يحيل في تعريف مجهول على مجهول؟…
وعبارة “نريد أن نقف عند…” تتطلب التفصيل والتفسير، لكي نتبيّن أولا مجال التربية ونحدد معالمه، خصوصا والتربية طب للقلوب كما أبان رحمه الله. ثم بعد ذلك لا بد من كلام عن أدواء القلوب وعن علاجاتها، ولو باختصار؛ لأن عبارة “وأن ننظر في هذا الطب العظيم…”، لا يقنع القارئ بعدها بغير ذلك…
ثم سننظر هل ما سماه الأستاذ وقوفا عند فقهاء التربية سيكون وقوفا عندهم وحدهم، أم إن في الأمر ما فيه…

[كنت كتبت منذ خمسة عشر عاما وأنا يومئذ لا أزال في بداياتي عن صحبتي لشيخ عارف بالله رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا خيرا، وأدليت بما كان معي يومئذ من شهادة،]:

لعل الكاتب يقصد كتابه: “الإسلام بين الدعوة والدولة”، الذي كان باكورة أعماله في هذا الشأن. وقد ألفه وهو بعدُ مريد (مقدم) من مريدي الطريقة البودشيشية، على عهد شيخها الراحل سيدي الحاج العباس رضي الله عنه، والد شيخنا سيدي حمزة رضي الله عنه. وهكذا أكون مشاركا للأستاذ عبد السلام في طريقة التنشئة وتربيتها، وإن اختلفنا في الشيخ.

[واستشهدت بنقول أستأنس بها ببراءة من اكتشف عالما فأخذ يصيح بكل قواه ليجلب انتباه الناس، لا يبالي بمن صدق أو كذب أو شك. تلك النقول ألزمني بها بعض الناس ما لا يلزم، كفرني بعضهم لأني ذكرت فلانا وفلانا فلم أكفر أحدا، واستخرفني آخرون لحديثي عن الغيب والكرامات.]:

كأن الأستاذ هنا، يريد أن لا يُحاسَب على ما كتبه في الكتاب المذكور، من إشادة بالشيخ العباس ودلالة على أهلية الشيخ حمزة بعده. ولعل سبب هذا التنصل، كان تذكير الناس -ممن لا علم لهم بشؤون التشيخ وأصوله- له بذلك من باب الإلزام. وهذا يبدر كثيرا من جهلة المريدين، الذين لا يجدر بهم الخوض في مثل ذلك، لو وجدوا من ينبههم إلى أثره السيء على قلوبهم. ونعني من هذا الكلام، أن الأستاذ عبد السلام كان في غنى عن اعتبار كلام الجاهلين، إن كان على بيّنة من ربه فيما اختاره لنفسه من سبيل. ونحن هنا لا نقره على دعواه، ولا نعترض عليه فيها؛ وسنترك كلامه ينبئنا عن حقيقة أمره شيئا فشيئا.
وأما من أشار إليهم بتكفيره ونسبته إلى الخرافة، فهم المتسلفة من المغاربة الذين تشبعوا بآراء ابن تيمية وتلميذه البعيد ابن عبد الوهاب. فقد كان تيارهم في الفترة التي خرج فيها الأستاذ عبد السلام إلى الناس قد انتشر انتشارا واسعا، بسبب مناسبته للمستوى الإدراكي العام الذي كان يتسم بالضعف. وهؤلاء المتسلفة، بمجرد أن يُعلن المرء أمامهم أنه على طريقة صوفية، يرمونه بالكفر والشرك من دون إبطاء، بسبب مخالفة ما يسمعون لتوحيدهم الاصطناعي الضحل. ولقد سمعنا -إن لم نكن قد قرأنا ذلك في بعض كتب الأستاذ- أن بعضهم دخل عليه المسجد مرة، وكفّره أمام الحضور. فما كان من الأستاذ إلا أن قام معلنا لشهادة الإسلام في مقابل ذلك. وقد كان منه -رحمه الله- هذا الرد جميلا، حريصا فيه على أن لا يقابل السيئة إلا بالحسنة، لا بسيئة مثلها.

[الآن أعود إلى الموضوع لا لأتبرأ من الصوفية كما ألح علي بعضهم، ولا لأتحمل تبعات غيري]:

يقصد أنه لن يتبرأ من التصوف كما كان يشترط عليه قوم، من أجل الانضمام إليه في دعوته الجديدة. وهو أمر في الحقيقة لا يستطيعه، وإن أراده؛ لأن التصوف أقوى من جهة التأصيل من أن يُتنكّر له بسهولة، إن كان المرء راجح العقل كأستاذنا. وكل كلام تقوله المتسلفة في هذا الباب، هو سطحية منهم مخلة، وجهل بأصول الدين المعتبرة، والتي على رأسها التزكية الشرعية، التي أهملها الفقهاء إهمالا، بسبب اقتصار فقههم على ظاهر الشرع وحده؛ بل على ظاهر الظاهر. ولعل الأستاذ عبد السلام، لم يكن يعني بخطابه التقليديين من المتسلفة، المعروفين بانغلاقهم ومحدودية إدراكهم، أكثر مما كان يتوجه إلى أعضاء الشبيبة الإسلامية (ومن على شاكلتها من الجماعات) التي كان يرأسها الأستاذ عبد الكريم مطيع -زميله في مهنة التفتيش بوزارة التعليم- بعد اتهامه بمقتل اليساري عمر بنجلون وفراره إلى خارج المغرب. فبعد تلك المحنة بقي شباب مطيع من غير قائد، والفرصة كانت مواتية للأستاذ عبد السلام لاستلام قيادة الحركة الإسلامية كلها بعد ذلك في المغرب بأسره؛ أو على الأقل، هكذا كان يبدو الأمر… ولا يخفى أن تلك الحركة المنحلة، كانت تشبه ما عليه السرورية في المشرق العربي في الفترة الزمانية ذاتها -وإن كانت سابقة عليها في التأسيس قليلا- في جمعها بين العقيدة التيمية وما عليه تنظيم الإخوان في العمل الحركي. وهؤلاء ما كان أحدهم ليستمع إلى رجل يتكلم عن التصوف في صورته التقليدية، رغم أن الأستاذ عبد السلام ما كان ليفعل ذلك، بالنظر إلى شخصيته وحدها. ولعل ظهور التيار السروري، الجامع بين العقيدة الوهابية والعمل الحركي، هو ما أدى بالأستاذ عبد السلام إلى الجمع بين العمل “التربوي” (بحسب الزعم) والعمل التنظيمي الحركي، في مقابلهم. وهذا الجانب الحركي، هو ما لم يكن الأستاذ يريد تحميله فيه تبعات التصوف الذي كان قريب عهد به. ولا بد هنا من أن نشيد بموقف الأستاذ عبد السلام من التسلف السطحي، وبتثبيته لعقيدة المسلمين المعتدلة، حيث ما كان أحد في ذلك الوقت لينوب فيهما منابه؛ فجزاه الله عن المغاربة خيرا…

[لكن لأقول كلمة الحق التي لا تترك لك صديقا، لكن لأتجاوز مرحلة كانت النقول عن الرجال ما دون كتاب الله وسنة رسوله سندا لطفولتي في طريق القوم.]:

يقصد الأستاذ بـ “كلمة الحق”، ما انتهى إليه اجتهاده في الجمع بين التربية الصوفية والعمل الحركي السياسي؛ ويقصد من كونها لم تترك له صديقا، أن الصوفية لم يقبلوا منه ما اعتزم عليه من دخول في العمل السياسي، وأن “سرورية” المغرب، لم يقبلوا منه خلفيته الصوفية رغم تعديله لصورتها. وحتى يقرب بين الطرفين، فها هو يعلن أنه لن ينقل كلاما عن أحد من رجال الطريق؛ ويُعلن أن ذلك كان منه فيما قبلَ اكتمال نضجه من الزمان، وهو ما عبر عنه بالطفولة (المعنوية).

[الآن وقد شب عمرو عن الطوق بفضل الملك الوهاب أعود لأشهد شهادة الحق أرجو بها وجه الله، أعود لأحدث من يقرأني حديث القلب عن القلب وعن الإحسان وعن محبة الله ورسوله وعن المعرفة وعن الكمال.]:

يعني الأستاذ عبد السلام بعبارة “شب عمرو عن الطوق”، ما يعنيه أهل التصوف اصطلاحا بالوصول. والدليل على هذا ما ختم به هذا الشطر من كلامه، من ذكرٍ للمعرفة وللكمال اللذين هما علامة التحقق بالوصول المشار إليه. ويؤكد -رحمه الله- أنه الآن أهل لأن يُستمع إليه (وأن يقرأ)، في شهادة غير الشهادة الأولى التي كان فيها تابعا غير مستقل. فالشهادة الآن شهادته هو، بحسب ما وصل إليه هو. وهذا هو ما يريد للناس أن يحسبوه عليه وحده.

[كل ذلك من خلال عرض هادئ لقضايا التصوف، ومن خلال نصوص لا خلاف حول مؤلفيها، فأنا لا أحب أن أدخل في جدل ولا وقت لدي أضيعه في الدفاع أمام محاكمات لا تنتهي.]:

إن ما ذكره الأستاذ عن عرضه لقضايا التصوف، هو ما نتتبعه نحن هنا، وإن كنا نستشف من كلامه، أنه لن يخرج عن “إجماع”، بدا له أنه سيجمع به التيميين على أهل التصوف، بما لم يستطع بلوغه قبله أحد. وهذا وإن كان من الناحية النظرية مقبولا، بالنظر إلى تدليس ابن تيمية نفسه، إلا أنه وبالنظر إلى الأستاذ عبد السلام، وقبل النظر إلى مدى قبول الناس له، لن يكون سهل المنال من جهة التطبيق. ولعل استشعاره لما يمكن أن يكون عليه الأمر مستقبلا، هو ما جعله يُخبر بأنه لن يدخل في مجادلة أي من الفريقين المتقابلين، إن استعصى على كل فريق القبول بالطرف المقابل له. فهو من هنا يبدأ بإعلان مواصفات أتباعه من الجانبين: هم من جهة، المتسلّفة الذين ينفتحون على التربية بمعناها الصوفي (الأولي على الأقل)، وقد كان النموذج لهؤلاء محمد البشيري -رحمه الله- الذي ما لبث أن انفصل بعد مدة عن الجماعة؛ وهم من الجهة الأخرى من انفصلوا معه من الزاوية البودشيشية، الذين كانوا يبغون إضافة العمل السياسي إلى ما كانوا عليه، كأحمد الملاخ رحمه الله. ولقد كنت أنا معاصرا لتأسيس جماعة عبد السلام ياسين، وأنا في بلدتي من جهة الشرق؛ فكنت ألاحظ اختلاط المشارب لدى أتباع الجماعة منذ التأسيس. وكنت أترقب ما سيحدث لها، بعد الصراع الداخلي الحتمي الذي سينشأ بسبب الاختلاف في العقيدة على التخصيص. لكن يبدو وكأن الجانب السياسي، الذي تعلن فيه الجماعة رفضها لكثير من أعمال الملِك، كان أقوى من عوامل الافتراق كلها، فلم ينشق عن الجماعة إلا أفراد لا يبلغون في المكانة والعدد من بقوا؛ باستثناء محمد البشيري الذي كان تركه للجماعة زلزالا قويا. ولولا أن شخصية الأستاذ عبد السلام كانت في الكاريزما أقوى منه، لأصاب الجماعة بخروجه إصابة بليغة… زاد من أسباب الحد من هذا الزلزال، موته -رحمه الله- الذي لم يبطئ به كثيرا.

[لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاِسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.]:

يؤكد الأستاذ هنا، ما سبق أن أعلنه من عدم التزام للتصوف، كما هو معروف في المغرب، وكما عرفه هو من الزاوية البودشيشية؛ ويصرح بعد ذلك برفضه للاسم وللشكل معا. فمن جهة الاسم، هو لا يريد أن يوصف بعد اليوم بالصوفي؛ ومن جهة الشكل، هو يريد أن يعلن أنما يؤسسه ليس طريقة صوفية؛ وإنما هي جماعة من طراز جديد. سيكون هذا الصنف الجديد في مقابل الصنف السروري الذي أشرنا إليه آنفا. فكما جمع السرورية في عملهم بين العقيدة السلفية والتنظيم الإخواني، سيجمع عبد السلام ياسين بين التربية الصوفية (العامة) وشكل التنظيم الإخواني. ويبدو جليا، أن صورة التنظيم الإخواني ما عاد يستطيع الخلاص منها، من يبغي الانخراط في العمل الإسلامي السياسي من جميع المسلمين، وعلى اختلاف المذاهب والمشارب. يستوي في هذا، المشارقة والمغاربة؛ في إقرار لحسن البنا بالتقدم في هذا المجال، بما لا خلاف عليه. كل هذا، من غير أن ندخل في تمحيص التصور البنّائي، الذي من غير شك لم يكن مكتملا، ولا مستقلا عن ظروف نشأته الخاصة.
يعزو الأستاذ رفضه لاسم التصوف ولشكل طرائقه، إلى عدم وجود ذلك في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا أمر لا يتمكن أحد من مخالفته فيه من حيث المبدأ، لكن يبقى شِق لا ينبغي أن يُغفل من المسألة وهو: مدى فلاحه في حسن تنزيل هذا المعنى من جهة العمل والتطبيق. ولعلنا سنعثر على بعض دلائل هذا الأمر، فيما سيتبع من الكتاب إن شاء الله. ثم هو يشير بعد ذلك بقوله إنه اختار الجلوس عند منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم -بإشارة يعلمها أهلها- إلى الاستمداد المباشر منه صلى الله عليه وآله وسلم، من غير واسطة أحد (الشيخ). وهذا أيضا من دلائل الوصول عند من تحقق له. وعلى كل حال، فإننا سنتتبع أيضا، ما يؤكد هذا أو ينفيه، فيما يأتي من الكتاب إن شاء الله.

[لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان. لكن الحق الذي مع الصوفية، حق حب الله تعالى وابتغاء وجهه وإرادة الوصول إليه والتماس الطريق لمعرفته وما يكرم به الحنان المنان المصطفين من عباده، حق ثابت في القرآن والسنة، ثابت في حياة من تعرض لنفحات الله وصدق في الله وذكر الله وسار إلى الله. ذاك حق شهد به الرجال تحدثا بنعمة الله عليهم،]:

يريد الأستاذ بعد أن تخلص من صورة التصوف وشكله، أن يُبقي على جوهره ومعناه؛ لأنه من صميم الدين الذي لا يسع أحدا نكرانه. وهذا منه جميل رحمه الله، في مقابل أناس لعبت خمرة الرئاسة بعقولهم، فلم يحفظوا عهدا ولا راعوا ودا، ولا اتقوا الله في عموم عباده الذين ينبغي عدم صدهم عن الحق وأهله. فعل الأستاذ هذا بمقدار محدود معلوم، يعلمه من عايش التجربة الياسينية عن كثب.

[وأنا أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية.]:

يعلن الكاتب هنا عن تصدره للإرشاد، ويعتبره شهادة منه يُشهد الناس عليها. وهذا مألوف لدى القوم عند تحقق الإذن بالتربية. وهو يدل على ما سيُدركه الناس معه، إن هم وافقوا توجيهه؛ فيذكر من ذلك يقظة القلب، وهي أول ما ينال المريد مع شيخه؛ ويذكر التجافي عن الدنيا، وهو ناتج عن اليقظة؛ ويذكر الفزع إليه (الشيخ)، ليدلهم على الله. ويرجو الأستاذ أن تتخرج على يديه أفواج من المحسنين، يجدهم في صحيفة حسناته عند لقاء ربه، كما هو شأن كل إمام متبوع مع تابعيه، إن كانوا جميعا على الحق. لكن بين الرجاء وما يجود به الواقع، ما بين السماء والأرض أحيانا. فالإحسان الذي يبدو لدى الكاتب مستسهَلا دانيا، لا يبلغه في العادة إلا أفراد معدودون؛ ولا يتحقق بالوصول فيه إلا واحد أو اثنان لكل مربّ. بل إن من الشيوخ من لا يظفر حتى بذلك الواحد؛ بسبب ضعف الاستعداد، وقصور الهمة، والتولّي أمام البلاء. وفي هذا المعنى يقول ابن الفارض، وهو أحد أشهر من سلكوا الطريق:
ورُمتَ مَراماً دونهُ كم تطاوَلتْ *** بِأعناقِها قومٌ إليهِ فجُذَّتِ

ولعل هذا الاستسهال من “المرشد”، هو ما سيجعل أتباعه يتوهمون أنهم على إحسان؛ يلمس مخالطُهم منهم ذلك، على الرغم من عدم ضبطهم لمعنى الإحسان، كما ذكرنا سابقا. وهذه آفة، ستعوق العمل الإسلامي المغربي وإن لم يشعر بذلك كل أحد.

[إن عُرى الإسلام أول ما انتقض منها الحكم، ثم توالى نقض عُرىً أخرى حتى اختل المجتمع الإسلامي، والعقل الإسلامي، والوحدة الإسلامية، والشورى والعدل الإسلاميان. ولئن بقي للأمة وجود البتة، ولئن بقي لها تماسك استعصى على عوامل النقض والتفتيت أن تبلغ مداها، فالفضل لله عز وجل ولكتابه وسنة رسوله ثم لرجال كانوا غياث الخلق مصابيح الهدى.]:

فجأة يعرج بنا الكاتب إلى وصف الوضع العام للأمة، ويذكرنا بانتقاض عرى الإسلام الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويذكرنا بفضل أهل الله في الحفاظ على كيان الأمة، من دون أن يبيّن الصلة التي بين انتقاض العرى وما لحق من كلام. فهل للرجال المذكورين مقدرة -مثلا- على منع انتقاض عروة ما، أو على التقليل من أثر ذلك الانتقاض؟… وعند انتقاض آخر العرى التي هي الصلاة، هل يكون ذلك بوجودهم، أم من غيره؟… مثل هذا الكلام العام من الأستاذ، لا يفيد علما صحيحا لدى القارئ؛ بل قد يوهمه بخلاف الواقع، أو قد يزج به في مصارعةٍ للقدر ضمن العمل الحركي، قد تعصف بإيمانه!…

[في كل إقليم كان دعاة مربون. كان الواعظ مربيا له نفوذه الروحي على قدر ما معه من خشية الله. كان المدرس مربيا على مقدار ما وصل العلم بالعمل الصالح. كان الجار للجار وإمام المسجد وعائل الأسرة مربين على قدر ما ورثوا بالصحبة والملازمة لمن قبلهم من تقوى الله.]:

لا يمكن أن يكون في كل إقليم مربون، إلا إن كان يقصد بالإقليم -مثلا- شطر قارة أو قارة بأكملها… وهو ما لا نفهمه من الكلام؛ لذلك فنحن نرى أنه يتكلم عن التربية بالمعنى العام، الذي لا يُجاوز ما يُدركه المؤمن والكافر منها. ويؤكد ما نذهب إليه، ذكره لأصناف المربين الذين عدّ منهم: المدرس، والجار، وإمام المسجد، والأب في البيت… وهؤلاء كلهم عوام. فأي خلط في معنى التربية هذا، وقد انطلقنا من الإحسان، ومررنا بتجربة الأستاذ مع شيخه الصوفي؟!…

[كان النسب القلبي الفطري حياة سارية بالإيمان في أوصال الأمة، وكان أهل النسبة الوثقى أولياء الله تعالى أهل كرامته محطات يشع منها الإيمان الأقرب فالأقرب.]:

لعله يقصد بكلامه المريدين الذين ينتشرون في المجتمع، ينشرون فيه الإيمان الذي يستمدونه من الأولياء. إن كان هذا، فهو صحيح؛ غير أنه كان يجدر به إتيان المسألة من بابها. فهذا الفصل خاص بالقلب وصلاحه، والقارئ محتاج لأن يعلم معنى القلب في الاصطلاح؛ وأن يعلم كيف يترقى هذا القلب وبأي الأسباب… أما هذا الوصف الخارجي لما لا ينفع أن يكون معيارا في تتبع أحوال القلب، فبعيد عن الغاية!…

[هذا التماسك الموروث بالانتساب القلبي، بالتحاب في الله، والخلة في الله والتواصي بالحق والصبر، هو كان ولا يزال روح الأمة ومناط وجودها وبقائها ومنعتها على الفتن.]:

يضع الكاتب القارئ بين ما ينبغي أن يكون، وما هو كائن؛ من دون أن يعينه على الجمع من جهة العلم، بين ما هو من القَدَر وما هو من التكاليف. فانتقاض عرى الإسلام، هل كان سيُمنع منه شيء؛ حتى نذكره في معرض الكلام عن صلاح القلب؟… وهل يوهمنا كاتبنا أنه بعد كل هذا الانتقاض، يمكن أن نعود إلى الخلف بحيث نعيد الحكم إلى الخلافة بحسب هوانا ومبلغ إدراكنا؟… لا شك أن التصور القاصر للخلافة، الذي للأستاذ عبد السلام، له دخل في هذا الخلط التربوي.

[في عصرنا توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى. لذلك يكون المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات]:

يوصّف الكاتب حال الأمة الراهن في جملة، ويجعل “العروة القلبية” -التي لم يرد بها لفظ الحديث وهو من يصر على التزام اللفظ الوارد في القرآن والسنة وحده- توشك أن تتلاشى. ومع عدم شكنا فيما يريد الأستاذ أن ينبهنا إليه، إلا أننا نجده بعيد الإدراك من جهة تعابيره وحدها. ثم إن ذكر الإحسان فجأة بعد توصيف الواقع، يقفز بنا على ما كان ينبغي أن نتبيّنه من مرتبة الإيمان أولا؛ من كونها مرتبة القلب عن جدارة: فهي قلب الدين، والقلب عمدتها. وكان الأولى بالكاتب هنا أن يذكر شيئا من تفاصيل مقامات الإيمان، بدل التلويح المرة بعد الأخرى، بإحسان مبهم؛ أو على الأصح بإحسان عام يُراد جعله خاصا بالقوة والعنف البيانيين!…

[ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل. جسد الأمة متداع نهب للناهبين. يستطيع المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والباحث الاجتماعي أن يشخصوا أعراض الانحلال في جسد الأمة. وينبري أصحاب «الحل الإسلامي» و«البديل الإسلامي» ليقترحوا علاجا «إسلاميا» وفقا لذلك التشخيص، وفي مستواه من المادية والعقلانية، واستجابة له، وتبنيا لما تعرفه المجتمعات البشرية من بواعث ومنازع.]:

يقع الكلام عن طب القلوب وأهميته، من دون ذكر لبعض أمراضها وعلاجاتها. والأستاذ لا شك يعلم من مهنته على الأقل، أن هذا الكلام يبقى مجردا، يتصوره كل قارئ بحسب ما يعنّ له. وهذا ضعف جلي في عملية التعليم، حيث يريد الكاتب أن يكون معلّما لمتعلمين تختلف درجات الإدراك لديهم كما تختلف مشاربهم. والتعريض بالحل الإسلامي الذي يُقدمه الإسلاميون، والذي يقصر عما يريد الأستاذ عبد السلام أن يبلغه به، من دون ذكر معالم للقصور وللكمال يعتمدها القارئ عند إرادته الفهم الصحيح، لا ينفع في الخروج من التعميم الذي ظللنا نعاني منه من بداية الكتاب وإلى الآن. وإن كان الأستاذ يرى أن ذكر المادية والعقلانية سيجعلنا نتبيّن ما يرمي إليه، فهو مجانب للصواب؛ لأنه هو نفسه قد يُرمى بما ذُكر؛ ذلك لأنه أشرك في الاتصاف بالعلتين الإسلاميِّين، الذين يتكلمون من داخل الدين كما يفعل هو ذاته. فلمَ لا يكون هو على عقلانية ومادية، قد تقل عما لدى الآخرين أو تفوقه، بحسب الناظر ومدى تمكنه من النظر؟!…

[التشخيص النبوي وصف داء الأمة حين تنحل وتصبح غثاء كغثاء السيل، وسماه «وهنا» وهو حب الدنيا وكراهية الموت. العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب. من حديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «… ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.»]:

ما زال الكاتب إلى الآن يتكلم في العموميات، ويحوم حول العنوان من دون أن يفصل الكلام فيه. إن محورية القلب في مجال التربية (التزكية)، لا يختلف عليها اثنان؛ والحديث المذكور يدلنا على هذه المحورية بأقوى ما تكون الدلالة؛ لكن يبقى أن نعلم صلة القلب بالجسد… ومعنى الصلاح والفساد القلبيين… وكيف نخرج من حال فساد القلب والجسد إلى صلاحهما…

[صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المؤمنين.]:

ينتقل بنا الكاتب هنا من الصلاح الفردي الذي لم نتبيّن منه شيئا، إلى الصلاح الجماعي؛ وكأنه يبني على معلوم. وهذا قد ينبه القارئ إلى ما كان يعلمه قبل قراءة هذا الكلام، من نفسه ومن مجتمعه؛ نعم، لكنه لن يجعله يعلمه إن لم يكن عالما به من قبل. وهذا من قِبل الكاتب تقصير في إيصال المعنى بيّن!…

[وصلاح القلوب يكون بالتربية. وللتربية أصول وقواعد من كتاب الله وسنة رسوله. حفظها وحافظ عليها القوم رضي الله عنهم، واجتهدوا واجتهادهم فرع. ونحن، وإن استدللنا في طفولتنا بالفرع على وجود الأصل واقتبسنا والتمسنا نورا من الفروع، لا نبتغي بالأصل بدلا.]:

لم يجعلنا المؤلف نفرق بين التربية بمعناها العام، والتربية بمعناها الخاص؛ وهذا يجعل كل كلام يتبع من غير فائدة. ولا تكفي نسبة التربية إلى القرآن والسنة، لنكون قد استفدنا شيئا بقراءتنا لهذا الكلام؛ لأن اعتيادنا على سماع مثل هذا من فوق منابر المساجد قد أصم الأسماع وبلّد الأفئدة من طول التكرار. ثم إن كلامه عن طفولته ومسألة الأصل والفرع مكرور أيضا، لم يضف فيه جديدا حتى نعتبره.

[في الأصل نجد أن «أول علم يرفع من الناس الخشوع» هذا جزء من حديث شريف عند الترمذي. ونجد أن «أكثر منافقي أمتي القراء». وهذا حديث عند الإمام أحمد.]:

يريد أستاذنا من هذه الإشارة على استحياء، أن يدل على فساد القلوب العام، ويدل على سببه المباشر الذي هو أخذ الدين عن القراء (فقهاء الأمة الآن عندما غاب الفقهاء)؛ ولكنه لم يتوقف عند هذه الآفة، ليهدي القراء إلى علاجها. وهو لم يعمل على فضح المتاجرة بالدين، التي يعتمدها المتفقّهة، والتي صار الناس لا يعلمون دينا سواها؛ لا لأنه لا يعلم ذلك، ولكن ليُبقي على شعرة المودة بينه وبينهم موصولة، لعلهم ينضمون إلى دعوته ويناصرونه. فلا هو بكلامه نفع الناس، ولا بإغضائه سينفع الفقهاء!…

[فالإسلام الثقافي، إسلام العقل والقراءة، والقلوب فارغة من خشية الله، مرض آخر زائد على أمراض الأمة الكثيرة. ونجد في الأصل أن «أخوف ما أخاف عليكم كل منافق عليم اللسان» وهو حديث عند الإمام أحمد، والنفاق يعشش في القلوب إذا خلت من الإيمان أو سبق إليها النفاق فلم يدخلها الإيمان قط. في كتاب الله عز وجل نجد آية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾]:

مرة أخرى يصف الكاتب حال المرض لدى الأمة، ويشير إلى سبب من أسبابه، بأسلوب لا يبعد كثيرا عن أسلوب الفقهاء الذين لمزهم سابقا. ويذكر أن النفاق منتشر في الأمة، على تفاوت بين الناس؛ فمن منافق جزئي إلى منافق تام النفاق. لكن الآية التي جاء بها لتأكيد كلامه، ليست في موضعها؛ لأنها تفيد التراتب بين الإيمان والإسلام، من غير قدح في إسلام أهل الإسلام. أما هو بإيراده لها بعد كلامه عن النفاق، فسيجعل الناس يتوهمون أن أصحاب مرتبة الإسلام يكونون عليه. وهذا خلاف الواقع، وخلاف معنى الآية. وهذا الخلط في المعاني، يدل على أن صاحبنا لم يضبط بعدُ ما يريد أن يدل الناس عليه. وهو بهذا حتما، لن يختلف كثيرا عمن انتقدهم من إسلاميين وفقهاء…

[عن الإيمان والإحسان نبحث، فنجد أنهما عقد بالقلب يتبعه نطق باللسان وعمل بالجوارح. محصور الإيمان بهذا العقد القلبي. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.]:

الإيمان ليس عقدا بالقلب (بهذا اللفظ) إلا عند أهل العقائد (المتكلمين) من أهل مرتبة الإسلام؛ وإلا فإنه مطلق التصديق من غير تنطع. وهذا الخلط في المعاني قد بدأ منذ القرون الأولى مع الغافلين الذين انحرفوا عن طريق السلوك، إلى طريق الفكر والنظر. وكان جديرا بالكاتب، وهو من يزعم أهليته للإرشاد أن يعيد القارئ إلى صحيح الفهم، بدل ترسيخ الانحراف منه. وبما أنه جمع في بداية كلامه بين الإيمان والإحسان وكأنهما أمر واحد، فهذا يدل على أنه كما لا يضبط معنى الإيمان، فهو للإحسان أقل ضبطا من غير شك.

[ذكر الله وَوَجَلُ القلب والتوكل على الله أعمال قلبية يتفرع عنها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر أركان الإسلام وشعب الإيمان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. إنما في اللغة حرف حصر، فلا إيمان دون عقيدة لا ترتاب وجهاد لاينثني بالمال والنفس، باعثه ابتغاء مرضاة الله، طريقه سبيل الله.]:

يطالعنا الكاتب مرة أخرى بكلام مخلوط، لا يميّز فيه بين إحسان وإيمان؛ بل ويجعل الأعمال القلبية المخلوطة أيضا أصلا لأركان الإسلام، وكأن الإسلام الآن صار أعلى من الإيمان وربما الإحسان. وكيف نُميّز معنى الذكر في كلامه، وهو يصاحب العبد من الإسلام إلى الإحسان؟ كيف نفرق بين ذكر الإسلام وذكر الإيمان؟ وبين ذكر الإيمان وذكر الإحسان؟ وإن كانت أركان الإسلام معلومة من مرتبة الإسلام، فما الذي يطرأ عليها في مرتبة الإيمان، وفي مرتبة الإحسان؟ كل هذا كان ينبغي أن لا يوضع أمامنا ويُترك على إبهامه!…

[قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. فكم من ساجد بالجسد مسبح باللسان لم يحصل له الخضوع والخشوع للواحد القهار، فظل مستكبرا في نفسه مستكبرا على بني جنسه. قال الله تعالى: ﴿َلا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث. وثاقة هاته العروة من وثاقة الولاء التام لله ولرسوله ولدينه. أفيمكن للأمة والجسد واه غثائي أن تستجمع قواها وتجاهد أعداءها وتعز على المستكبرين إن لم يصلح القلب وتتوثق عرى الإحسان؟]:

نجد الكاتب مرة أخرى يورد كلاما عاما، لا يختلف عما يقوله الوعاظ والخطباء. أفبهذا التعميم يبغي أن يدلنا على سلوك الطريق وذوق الإيمان والإحسان؟!…

[القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ما حديثنا عن مقاصد الشريعة، وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المؤمنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات.]:

يختم الكاتب كلامه كعادته بعبارات إنشائية لا تفيد علما، وإنما تعطي انطباعا، وقد تؤثر تأثيرا يشابه ما يكون للخطب الوعظية الحماسية. وكما خرجنا في الفصل السابق من الإحسان بغير إحسان، فكذلك نغادر كلام القلب والإيمان من غير تبيّن لما قد يجعل أهل مرتبة الإسلام يشتاقون إلى الترقي في دينهم إلى مرتبة الإيمان. ولا بد أن نذكر هنا، أن الكاتب لو كان ملتزما للمنهجية التعليمية السليمة بالتدرج من الأدنى إلى الأعلى (كما دل على ذلك حديث جبريل)، لبدأ الكلام بتعريف الإسلام، ثم الإيمان، لينتهي إلى الإحسان؛ لكون الأعلى متضمنا للأدنى ولا بد. أما وقد بدأ بالإحسان وثنى بالإيمان، فلا ندري إلى أين يريد الانحدار بعدُ؟!…
وقد كان يجدر بالمؤلف -رحمه الله- أن يذكر ما يلي:
1. إن الإيمان المرتبة، يختلف عن الإيمان الذي يكون في مرتبة الإسلام. نعني أن إيمان مرتبة الإسلام مجمل، والآخر مفصل.
2. إن للإيمان أركانا ستة كما للإسلام أركان خمسة. وأركان الإيمان هي: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب المنزلة، الإيمان بالرسل عليهم السلام، الإيمان بالآخرة، الإيمان بالقدر.
3. إن العقائد التي اشتغل بها المتكلمون، وعدّوها من مرتبة الإيمان، ليست منها. بل هي بدعة مستحدثة، عدل بها الناس عن طريق الدين إلى طريق التفلسف من داخله. وبدل أن يعمل الاشتغال بالعقائد على طريقة المتكلمين على ترقية الناس، فإنه قد قعد بهم في مرتبة الإسلام على سوء؛ لأن هذه المرتبة العامة المشتركة، تُعدّ كلُّ زيادة فيها على الأركان الخمسة، نقصا لا زيادة.
4. إن ذوق مرتبة الإيمان، يتطلب التحقق بالمقامات الآتية: التوكل، الزهد، الصبر، الشكر، الخوف، الرجاء، التسليم، الرضى.
5. تتشعب عن مقامات الإيمان، كل شعب الإيمان التي ورد في الحديث أن عددها بضع وسبعون أو بضع وستون.
6. لا يكاد يبلغ مرتبة الإيمان في زماننا، من لم يصحب شيخا ربانيا يرشده إليها، ويقوده فيها؛ بخلاف السابقين من القرون الماضية، الذين كان أحدهم يعمل بما يعلم فيبلغها. وإن كان الأمر على هذا مع الإيمان، فما القول في الإحسان، وهو أعلى منه!…
وأما فقهاء التربية الذين صدّر الكلام في هذا الفصل بذكرهم، فلم يأت على ذكر اسم واحد منهم، حتى يكون لكلامه اتساق بين المبادئ والغايات؛ ولعله كان يقصد الكتاب كله بكلامه، فسننظر هل سيفي بشرطه فيما سيأتي أم لا…