الهندسة الشاملة للكون والحياة

زعيم الخيرالله
نظام الكون قائم على معادلات دقيقة، وعلى حسابات وموازنات وتقادير. وهناك تناغم وانسجام بين اجزاء هذا الكون. يقول الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ) الملك: الاية:3.

الهندسة لغة
والهندسة في أصلها كلمة فارسيّة معرّبة، جاء في ( الصحاح في اللغة )، المهندس: الذي يقدّر القُنيّ حيث تحفر، وهو مشتق من الهنداز، وهي فارسيّة، والاسم الهندسة.
وجاء في معجم (الغني)، هندسَ العمارةَ: قدّرَ معالمَها واشكالَها لوضع خطّةِ بناءٍ لها .

الهندسة في ممارساتنا الحياتيّة
في ممارساتنا الحياتيّة، نجد الهندسةَ نظاماً يحكم هذه الممارسات؛ فالطباخ يقوم بوضع مقادير محدّدَة لطبخته، واي اختلال في هذه المقادير؛ يؤدي الى فساد الطعام؛ فالطباخ مهندس طعام. والحلاق مهندس شعر؛ لأنه يأخذ حسابات ومقادير في قصة الشعر؛ فهو مهندس شعر. والصيدلي الذي يحضر الدواء وفق مقادير وحسابات دقيقة لينتج لنا دواء هو مهندس اعشاب. والموسيقي مهندس انغام، والخطيب والمتحدث مهندس كلام، والمنطقي مهندس افكار. وهكذا لايوجد حقل من حقول الحياة لم تلجه الهندسة. وعلى هذا الأساس، انا اقول بالهندسة الشاملة للوجود والحياة.

القرآن والهندسة الشاملة
القرآن الكريم تحدث عن هذه الهندسة الشاملة في نظام الوجود والحياة، وهناك آيات كثيرة تحدثت عن هذه الهندسة الشاملة لنظام الوجود والحياة، ومن هذه الآيات:
(الذي لهُ ملكُ السموات والارض ولم يتخذ ولداً ولم يكن لهُ شريكٌ في الملك وخلق كل شيءٍ وقدّره تقديرا) الفرقان: الاية: 2
( من نطفةٍ خلقهُ فقدّرَهُ ) عبس: الاية: 2
( والذي قدر فهدى ) الاعلى : الاية : 3
( انّا كلّ شيءٍ خلقناه بقدر ) القمر : الاية : 49
( الله يعلم ماتحمل كل انثى وماتغيض الأرحام وماتزداد وكل شيء عنده بمقدار) الرعد: الاية: 8
( وان من شيء الاّ عندنا خزائنه وماننزله الا بقدر معلوم ) الحجر: الاية : 21.
( قد جعل الله لكل شيء قدرا ) الطلاق : الاية : 3

الهندسة القرآنيّة
الكون كتاب الله التكويني، والقرآن كتاب الله التدويني، وهناك تعادليّة موزونة بين الكتابين. وكما ان الهندسة تشكّل نظاما للكتاب التكويني؛ فهي ايضا تشكّل نظاما في الكتاب التدويني. في الكتاب التكويني، الله تعالى يقول : ( ماترى في خلق الرحمن من تفاوت ) الملك: الاية : 3، وفي الكتاب التدويني يقول الله تعالى: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء : الاية 82.
وقد تحدث الدكتور محمود البستاني عن الهندسة المعمارية في السورة القرآنيّة ، وله بحث قيّم في هذا المجال.

الهندسة اللغويّة
في أية لغة، هناك تناسق بين اجزاء الكلام، وفي اللغة العربيّة يبدو هذا الأمر جليّا واضحاً؛ فهناك تناسق وتناغم بين الالفاظ والمعاني، وهناك تناسق بين الكلمات في الجملة الواحدة، بل هناك تناغم وعدم تنافر بين حروف الكلمة الواحدة. والأوزان في الشعر العربي، تحقق هذه الهندسة الايقاعيّة بأجلى صورة.
في اللغة نظام هندسي، وهناك قصديّة في اختيار الكلمات، ولكن أختلف مع ماطرحه المفكر العراقي عالم سبيط النيلي في تفاصيل نظريته، وان كنت اتفق معه في أصل القصدية.
يبدو لي أن عالم سبيط النيلّي، وهو المهندس طبّق هندسته في عالم الاشياء والمباني، على اللغة. انا اقول بالهندسة الشاملة، ولكنّني افرّق بين الهندسة في عالم الطبيعة فهي هندسة صارمة، والهندسة في عالم اللغة، والحقول المعرفية الانسانيّة، الهندسة في اللغة والمعارف الانسانيّة هندسة مرنة. طبق عالم سبيط النيلي نظريته في الهندسة الصارمة على اللغة، والحل ان الهندسة اللغوية ليست كهندسة عالم الطبيعة، وليست كهندسة البنايات والعمارات؛ ولهذا دعا المفكر العراقي عالم سبيط النيلي الى الغاء المجاز والاستعارة والكنايات على اساس نظريته القصدية في فهم اللغة.
نحن لسنا بحاجة الى إلغاء المجاز والاستعارة من اللغة، لنحقق معنى القصديّة، فالقصدية متحققة في الحقيقة والمجاز والاستعارة.
في قوله تعالى: ( وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) الاسراء : الاية 72. هناك قصدية في الاستخدام المجازي لكلمة أعمى، وفي قوله تعالى: ( لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) النور: الاية: 61. والقصدية تحققت حينما دخلت كلمة أعمى في تركيب، وسياق، وجملة مفيدة سواء كانت الكلمة تحمل المعنى الحقيقي او المجازي.
فالقصدية متحققة في المعنى الحقيقي أو المجازي للكلمة ، ولانحتاج أن نلغي المجاز والكنايات والاستعارات.