علاقتي بالدين

محمد بنميلود
علاقتي بالدين إشكالية جدا، ومعقدة جدا. ليست بسيطة بتاتا. إنه مثل الشجرة الكبيرة والوارفة التي حتى بعد أن قطعتها ظلت جذورها عميقة ومتشعبة داخلي، وظل ظلها قائما فوق وجهي كالشبح وكالأحجية، وحينا آخر يكون ذلك الظل الوهمي هو الحامي الوحيد من ضربة شمس قاتلة..

هل يمكن اجتثاث تلك الجذور؟ لا. هل يمكن القضاء على ذلك الظل بقطعه، بمسحه، بطعنه بنصل؟ لا. لا يمكننا أبدا إصابة ظل. هل يمكن إعادة الشجرة المقطوعة إلى جذورها. وإلى ظلالها؟ أيضا لا..

أنظر إلى الشجر في الغابة بحياد، لست عصفورا، وأيضا لست حطابا. أنظر إلى التراب والهواء، وأتأمل صامتا، هذا هو كل شيء.

صامتا: تعني ما هو أكثر من انعدام كامل للصوت، إنها تعني أكثر من ذلك إخراس الأفكار أيضا. تعلمت منذ زمن طويل أن التأمل ليس هو التفكير أو التفكر، بل هو القضاء على كل فكرة تشوش على صفاء النظرة. أنظر وفقط وذلك هو ما أحوزه من معرفة لا تنتقل إلى عقلي بل تتشربها روحي. أزرر معطفي وأرفع ياقته ضد نزلات برد التفكير، أنفخ داخل راحتي يدي لأتدفأ، وأنظر فقط. ليس بعيني طبعا بل بأعماقي. تتحول الغابة أخيرا إلى آلة مويسقى عملاقة من حفيف الشجر وزقزقات الطيور وخرير الماء ووشوشة الحشرات..

أعود إلى البيت بعد أن ينزل الليل ستائره الخفيفة فوق هذا الملكوت الملغز.. أعود وليس في جعبتي شيء، سوى تلك الراحة اللطيفة..

التي سرعان ما ستتبخر تحت ضربات مطرقة التفكير المتتالية.. وهكذا إلى ما لا نهاية.. لا أدرك شيئا.. بل أواصل الحفر داخلي فقط مطلا كل يوم على دهشة هذا العالم الذي يبدو لي حينا ملكوتا بكل ما لهذه الكلمة من محمول ميتافيزيقي أو ديني.. بينما يبدو لي حينا آخر عالما فقط، وليس ملكوتا، عالما ماديا صرفا من حجر وحركات وألوان وجماجم إلخ..

أمس وأنا أتصفح صورا للمغرب القديم، صور قادمة من دوامات الزمن الكبيرة، زليج على الحيطان وسقايات وقطط قرب أبواب الجوامع وأزقة ضيقة وأسواق وحرفيون وعجزة يعبرون طرقا متربة وعجزة آخرون يتحاورون متكئين على سور مقبرة وجدات متعبات من الغزل وحكايات الجن والعفاريت والغيلان لأحفاد متحفزين ومتشوقين ولبلاب يغطي أسوار قلاع قديمة وغلاي نحاسي وبراد فضي وصينية وزيتون يعصر ومقابض للأبواب من معدن ثقيل لها هيئة يد وفجر معتم فوق زقاق طويل وفارغ إلخ..

لم أر الصور فقط، بل رأيت داخلها ما لا يرى ولا يسمع، وكل مرة أحاول إزاحة ذلك الظل عن وجهي فأفشل. ظل الانتماء إلى أرض وثقافة وتراث وذكريات. تبدو صورا بسيطة للغاية. إلا أنها تحمل داخلها روحا ذكية للغاية. حية وماكرة. أزلية أيضا. متدحرجة في الزمن. كل تلك الصوامع والأبنية والأواني والزليج وحتى ملامح المارة لها ظلال شجرة عملاقة من دين ومن ميتافيزيقا، من أدعية وطلاسم وتسابيح وجداول وأوراد وصلوات وأذان وابتهالات وتصوف وهجير كناوي تحت ظلال شجرة التين الجدة. الحجر والشجر والبشر وحتى القطط تبدو كما لو أنها لا تتثاءب داخل الفضاء بل داخل بيئة الانخطاف والانكشاف والدروشة تلك. إنها قطط بسبعة أرواح من سلالة البخور، الجاوي واللبان الذكر..

أي يد صغيرة وعزلاء بإمكانها مسح كل هذا الثقل الفيزيائي للتاريخ والجغرافيا عن الروح وعن العقل؟؟ إن ذلك السور القديم الطويل المتشظي الذي بقي من حروب الممالك ومن عوامل التعرية والتصحر والجفاف صامدا ومنيعا بلونه البني الداكن، إنه هو نفسه كل ذلك الذي تشعر به روحي دون أن تفهمه. الظلال الأكيدة المضاعفة وهي تتجرجر على مهل بين أزقة الملاح، الرائحة العنيدة للخشب العنيد، والسقوف التي أخذت مع الوقت تقوسات الأدعية وطول الرجاء.

كيف لي أن أمسح كل هذا عن ذاكرتي، عن قلبي المرهق، وعن روحي الموحشة؟ روحي التي تتركني هنا في البرد، أرتعش في هذه العزلة البيضاء، وتطير إلى أزقة الأوداية، تضع ريالا في طاسة متسول أعمى، تمسد فراء قطة هزيلة، وتقف خلف سور الجامع بعد العصر لتسمع الأوراد وقصار السور برواية ورش..