العمري: الإسلاميون فشلوا في تمتين علاقة السياسة بالأخلاق

يعيد موقع “اسلام مغربي” نشر الحوار الذي أجراه الاستاذ “نعيم بوسلهام” عن “ريحانة برس” مع الاستاذ والباحث عمر العمري بتاريخ 15 يناير 2019:
ــــــــــــــــــــــــــ
في عز هذا التراشق الاعلامي الدائر بين كتائب البيجيديين ومناوئيهم حول تفاقم السقطات “الأخلاقية” لبعض قياديي حزب المصباح كان لنا هذا الحوار الهاديء والشيق مع الصحفي والباحث المغربي عمر العمري صاحب كتاب رواية/ مذكرات “كنت إسلاميا”الذي حاول من خلاله اتاحت إطلالةً أدق وأعمق على ما يحدث داخل مطبخ هاته الحركة و ذاك الحزب الذي يتكيء على المرجعية الإسلامية أو هكذا قيل.. ذلك أنه خلال تجربته هاته حاول أن يمارس نقداً عميقاً ذكياً لها، من خلال تجربته الشخصية، الروحية والفكرية، وتطوّرها بعيدا عن القراءات البرانية التي تجنح عادة نحوالمبالغات والأوهام وعقلية المؤامرة. لقد حاول كاتبنا أن يلتقط الصورة من الداخل وبالتالي فإن رواية “كنت إسلاميا” هي بمثابة توصيف موضوعي لمسلم نفد بجلده من الإسلامية أو كما وصف أحد الباحثين المغاربة هذه الحالة ب ” الانفصال عن الإسلاموية”. إلى ذلك كنت ولا أزال أعتقد جازما أنّ هذا الكتاب وصاحبه لم يأخذا حقّهما من الاهتمام البحثي أو الإعلامي المغربي، كما حصل مع كتبٍ وكتاب أخرين…

نص الحوار:
1) هل يمكن اعتبار التضخم السياسي كما عبر عنه الراحل فريد الأنصاري سببا رئيسيا في هذا السقوط الأخلاقي المتكرر لقيادات حزب المصباح ؟
أظن أن ما عبّر عنه الراحل فريد الأنصاري بـ”التضخم السياسي” في حق تجربة “الإصلاح والتوحيد” وفرعها السياسي “العدالة والتنمية” أصبح متجاوزا، ولو قدر الله أن عاش ـ رحمه الله ـ إلى يومنا هذا لربّما نحت مصطلحا جديدا يليق بالسقوط الأخلاقي الذي ولغ فيه هؤلاء. لم تعد هناك سقطات معزولة أو معدودة داخل هذا التنظيم “الإسلامي”، يمكن اعتبارها فلتات عادية لا ينجو منها أي تجمع بشري، وإنما بات الأمر كأنه فساد مبين ينخر جسم هذا الكيان، من أعلى الهرم إلى أسفله، شيوخا وشبابا ونساء.. كما أنه قد يكون مقبولا إلى حد ما أن يصاب “المناضلون” ببعض الوهن أمام المغريات المادية أو مقتضيات الشهرة، أو أن تكون هناك تجاوزات تنظيمية أو سياسية من قبيل المناورة أو الاستبداد أو غيره، لكن ما يثير الاستغراب عند البعض هو هذا الفساد الأخلاقي، الجنسي بالتحديد ـ الذي طال ذمم من “تربوا” سنوات عديدة داخل “الجلسات التربوية” و”الرباطات الروحية”، وخضعوا لبرامج “تزكوية” صارمة تنهل مباشرة من المعين الأخلاقي لدين الإسلام.. وأعتقد أن لهذا أسبابا كثيرة:
أولا: المزايدة “الأخلاقوية” على المجتمع وادعاءات الطهرانية والتعالي عن الناس بلبوس قناع التقوى وأعمال البر والإحسان. فعندما يدعي الإنسان التميّز عن الآخرين، فمن الطبيعي جدا أن يخضع لمحاسبة دقيقة على كل تصرفاته وحركاته وسكناته، وهو ما وقع لكثير من “الإسلاميين” حين خضوعهم لميكروسكوبات أبانت عن عيوبهم المتخفية..
ثانيا: أمام تقمصهم لصفات “أولياء الله” لم يتم التعامل معهم كسائر البشر الذين يصيبون ويخطئون، وإنما رآهم الناس بتلك الأقنعة الظاهرة، ولأن مجتمعنا يغلب عليه طابع “التدين”، لأسباب وراثية وتاريخية وأيضا اختيارية، فهو يحترم المتدينين ويعظمهم ويكرمهم، و”الإسلاميون” قدموا أنفسهم للناس على هذا الأساس، فلقوا الترحيب والقبول من بعضهم، حتى عندما تقدموا للانتخابات ورشحوا أنفسهم للمناصب والمسؤوليات، حازوا أصوات الناس وتأييدهم السياسي، وهكذا حدثت في المغرب أكبر عملية نصب واحتيال على اختيارات المواطنين وتوجهاتهم.. لكن منذ سنة 2011 انكشفت عورات كثيرة وبدأ الناس يستوعبون مدى فداحة وخطورة هذا الاحتيال أو هذه المتاجرة التي تمت باسم الله وباسم دينه وباسم الأخلاق الإنسانية..
ثالثا: هناك أيضا عوامل نفسية لتفسير السقوط الأخلاقي لبعض الإسلاميين، فهم عاشوا الفقر والحرمان والبطالة، وأغلبهم جاء من مناطق نائية، فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وعندما فتحت أمامهم أبواب المال والمناصب والشهرة، فكان من العادي جدا أن يفتتنوا بالحياة الجديدة، وأن يرغبوا في اقتناص لحظات المتعة التي يبحث عنها عموم الناس، فلم يفلت من ذلك بعض نساء وشباب “الحركة الإسلامية”، بل وحتى بعض الشيوخ المؤسسين لها.. وأعتقد أن الأمر كان سيكون عاديا جدا إلا أن ادعاءهم الفضيلة وإظهار ذلك للمجتمع هو الذي جعل الأنظار تتسلط على سلوكياتهم ويتولى “المنافسون لهم” فضحها أمام العموم.. فحبل النفاق قصير جدا..
رابعا: مما جعل هذه السقطات الأخلاقية للإسلاميين تظهر للناس بعدما كانت متخفية في أقبية مظلمة هو اجتهاد “المنافسين السياسيين” في البحث والتنقيب عنها وتسليط أضواء الإعلام عليها. وهنا لا يمكن أن نلوم هؤلاء “الخصوم” ونتهمهم بــ”التواطؤ” أو “التحكم”، فهم لم يجبروا “إسلامية” عن نزع حجابها، أو “شيخ” على ممارسة الجنس بقراءة سورة “الفاتحة”، أو ارتشاء ذاك العضو أو غيره.. فاللص عندما يسرق متاع غيره يعتقد أنه في منأى عن الكشف أو الملاحقة أو المتابعة، وكذلك الذي أو التي تريد أن تعيش لحظات المتعة، تعتقد أن لا أحد سيراها في أماكن بعيدة عن الأنظار، أو في بلدان ما وراء البحار..
خامسا: هناك سبب موضوعي آخر أيضا راجع إلى فكرة تأسيس الحركة الإسلامية في حد ذاتها، مما يطرح أسئلة عديدة حول أهدافها وخلفياتها وملابسات إنشائها، هل هو عمل كان يراد به “وجه الله” وإصلاح المجتمع بالفعل أو أن هؤلاء الأشخاص خلقوا تنظيمات وجمعيات وأحزاب هي في عمقها سياسية ـ مصلحية، لكن تجلياتها الأساسية كانت هي استغلال الدين والركوب عليه لبلوغ وتحقيق مطامح منفيعة.. وهنا لا يمكن الحديث عن “تضخم سياسي” كما عبر عن ذلك المرحوم “الأنصاري” وإنما عن “فساد سياسي” واضح..
وأتمنى أن يتجه الانتقاد مستقبلا نحو محاسبة هؤلاء عن إنجازاتهم الحكومية وعن السنوات التي قضوها في تدبير الشأن العام، فهمهم الوحيد أن تنقضي سنوات تسييرهم الإداري بسلام ويذهبوا إلى حال سبيلهم سالمين غانمين.. وهنا يمكن التساؤل عن دور المعارضة السياسية في هذا الباب، هل هي قائمة بواجبها الدستوري في إخضاع هؤلاء لمساطر المحاسبة والمتابعة.. فهذا هو الأهم والمطلوب في المرحلة القادمة في نظري..

2) سلوك الإزدواجية الذي ينهجه بعض البيجيديين بات يعتبره البعض بمثابة نزوع نحو “القيم العلمانية” أو على أقل تقدير مايعتبره البعض علمانية اسلامية، في رايكم هل سيدفع ذلك الحزب الى التماهي مع ما كان يعتبر سابقا خطا احمر من قبيل القيم الكونية، وحقوق الإنسان، وحرية الضمير، والحريات الفردية ؟
أعتقد أنه لو كان الأمر على هذا المنوال لكان أهون مما ذكرناه سابقا.. ليس عيبا أن تتطور مسارات الحركة الإسلامية نحو العلمانية وتبني القيم الكونية في مجالات حقوق الإنسان والحريات الفردية.. فالإسلام يستوعب كل ذلك ويتكيف مع كل الثقافات الكونية ويتعايش معها وداخلها.. فالمشكل ليس في الدين ولكن في عقم العقول العاجزة عن الاجتهاد ومسايرة التطورات الزمنية المتلاحقة.. لو اعتكف الإسلاميون على تطوير ذواتهم ومناهجهم وتصوراتهم، وأقدموا على مراجعات على مستوى الفكر والفلسفة والسياسة والفقه وغيره، لكان الأمر محمودا بل ومطلوبا كذلك، لكن ما تعيشه الحركة الإسلامية حاليا هو نكوص وارتكاس وتلاشي.. هم كانوا يتحدثون عن التغيير الحضاري، وأنهم أولياؤه وأوصياؤه، لكن ما يقع الآن هو عنوان كبير عن “سقوطهم الحضاري”، وهو في نظري كان متوقعا، لأن ما انكشف حاليا للعموم عايناه منذ عقدين، وخلصنا إلى أن فكرة الحركة الإسلامية مصيرها الزوال، وأن أصحابها سيخضعون للمحاسبة والمحاكمة من قبل عامة الناس.. وأذكر هنا أنه في السابق عندما يقرر “الإسلامي “مغادرة “التنظيم” كان زملاؤه السابقون يسألونه دائما عن “أحوال إيمانه” وأين استقر به المقام، لأنهم كانوا يعتقدون أن من انسلخ عن “الفكرة الإسلامية” سيكون “سَقْطاً”، لكن العكس هو الذي حصل، فالذين طلقوا “الفكرة الإسلامية” مبكرا هم الآن أحسن حالا منهم، لأنهم ـ على الأقل ـ تعافوا من أمراض النفاق والشقاق وازدواجية الشخصية..

3) هل تتفق مع بعض التحليلات التي تذهب الى كون هذا التخبط والغموض الذي يعيشه الحزب على مستوى المرجعية الى غياب أطروحة فكرية سياسية متينة من منطلق أن علاقة الإنسان المسلم بالسياسة لا يمكن أن تكون ناجحة إلا إذا كانت علاقته بربه علاقة سليمة ؟
ما الجديد الذي جاء به الإسلاميون؟ هم أولا لم يبدعوا فكرة “التنظيم” أصلا، بل وجدوا التنظيمات اليسارية قائمة فاستنسخوها وعملوا بها، بل المؤسسون الأوائل للحركة الإسلامية هم من اليسار وقادته، فاشتغلوا بما هو كائن من الوسائل، فكانت الفكرة “يسارية” فتحولت إلى إسلامية”.. ولم يبدع الإسلاميون فكرة النقابة أو الجمعية أو الحزب أو الديمقراطية أو الانتخابات، فإنما كل هذا هو إبداع إنساني، وجدوه جاهزا فانطلقوا منه واشتغلوا وفقه واجتهدوا في إطاره، إنما الجديد عندهم هو إلباس كل ذلك بلبوس الدين والأخلاق، في إطار عملية عشوائية وانتقائية سمَّوها بــ”أسلمة المجتمع والدولة ومؤسساتها”.. فكان كل الابتكار عندهم هو “استفراغ” التراث الديني في قوالب ووسائل حديثة جاهزة أبدعها غيرهم.. فالإسلاميون لم يطوروا نظريات سياسية أو شيئا من هذا القبيل ولم يستطيعوا لحد الساعة أن يجيبوا عن الإشكالات المطروحة بخصوص علاقة الدين بالسياسة، وهم لم ينجحوا حتى على المستوى السلوكي في تمتين علاقة السياسة بالأخلاق، فكانوا نماذج بشرية مشوهة أضرت بالدين والسياسة معا.. في اعتقادي الخاص أن بناء نظريات جديدة في الفكر أو الدين أو السياسة يقوم بها أشخاص نذروا أنفسهم لهذا العمل، لا يسألون غيرهم أجرا ولا مصلحة ولا منفعة، وإنما همهم الوحيد هو الفكر البشري عموما سواء كان متدينا أو غير ذلك..
عن موقع ريحانة بريس