الجذور النفسيّة للمعتقدات والأفكار والممارسات

زعيم الخيرالله
أغلب المعتقدات والأفكار والممارسات البشرية، لاتمتلك أسساً موضوعيّة لإثبات صوابيتها وحقانيتها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كانت معظم هذه المعتقدات التي عرفها الإنسان واعتقدها، والأفكار التي تبنّاها، والممارسات التي رسّخها التكرار، وعزّزتها التقاليد والأعراف، وكرّسها العقل الجمعي، لاتمتلك أسساً موضوعيّة، فهل هناك أسسٌ أخرى تستمد منها مبرراتها؟

نعم، هناك أسسٌ أخرى، تشكل أرضيّة لهذا الاعتقاد والتبنّي والسلوك، وهذه الأسس هي الأسس السيكولوجية.

الإلحاد -على سبيل المثال- الذي ينتشر في بلداننا انتشار النار في الهشيم، لانجد له تبريرا موضوعيا، وليس هو نتاج دراسات جادة، أوصلت الذين ينكرون وجود الله الى هذه النتيجة. وإذا فتشنا في أعماق نفس الملحد، لوجدنا أن الجذور النفسيّة للإلحاد؛ هي التي تمثل الأسس والأرضيّة لبروز هذه الظاهرة .

ولقد رصد القرآن هذه الظاهرة ، ظاهرة الجحود، وبيّن جذورها النفسية، يقول الله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) النمل:14

أي ان الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من ربه، هي آيات حقة تدل دلالة لالبس فيها على أن موسى مرسل من ربه. وهذه الآيات هي التي واجه بها موسى فرعون، وان فرعون كان يعلم ان منزل هذه الآيات هو الله تعالى، ولكنّه الظلم والعلو والتي هي عوامل نفسيّة للجحود، يقول الله تعالى على لسان موسى (ع) وهو يخاطب فرعون: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) الاسراء : الاية : 102. العلو والظلم سبب الجحود، وهذه أسباب نفسية، وليست أسبابا موضوعية.

الظلم سبب الجحود كما جاء في قوله تعالى: ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) الأنعام: الآية: 33، والظلم سبب نفسي لاعلاقة له بالموضوعيّة من قريب أو بعيد. وكذلك الكفر سببه التعصب إلى القوم والدين. فبنو اسرائيل الذين هاجروا الى شبه الجزيرة، وسكنوا المدينة، ليكونوا أول المؤمنين بالنبي (ص)، الذي سيبعث في جزيرة العرب، ليكونوا أول الناس إيمانا به وتصديقا. يقول الله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) البقرة:
الآية: 89، في حين أن بني اسرائيل يعرفون النبي بصفاته وبالتفاصيل التي جاءت في توراتهم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم حسب التوصيف القرآني، ولكن الإنكار سببه سبب ذاتي نفسي، وهو كتمان الحق، يقول الله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة: الاية: 146.

وحتى إبليس كان سبب رفضه السجود لآدم، ليس لعلة معرفية، فإبليس يعرف أن هذا المخلوق مكرّم عند الله، ولكنه رفض استكباراً وعلواً، وهذه مشكلة نفسيّة عند ابليس لا قضية معرفية تمتلك أسسا موضوعية. يقول الله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) الاعراف: الاية: 12.

وكتمان الشهادة ممارسة أسبابها ذاتية نفسية، وليست موضوعية تتعلق بالحق والباطل، والله يشير الى قضية كتمان الشهادة في كتابه الكريم: (وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) البقرة: الاية: 283.

وهناك ظاهرة أخرى إضافة الى كتمان الحق ، وهي إلباس الباطل لبوس الحق للتضليل، وحجب الحقيقة عن أعين الناس، يقول الله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ال عمران: الاية: 71.

وقد اعتبر القرآن الكريم كتمان الحق جريمة؛ يستحق صاحبها لعنة الله ولعنة الناس، يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) البقرة: الاية: 159.

وفي الختام، ان أغلب الناس في اعتناقهم للأفكار، وتبنيهم للمارسات، لاينطلقون من أسس موضوعية، كالحق والباطل، وإنما من أسس نفسية يحكمها التعصب، والتقليد، والمواقف المسبقة، والحب والبغض، فالبعض يقف مع الصديق حتى ولو كان على باطل، ويقف موقفا ضد العدو وان كان على حق، والقرآن حذّر من ذلك بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المائدة: الاية: 8 .