عبد الله العروي، إكليل الصناعة التاريخية الثقيلة.

ذ. مولاي عبد الحكيم الزاوي ـ باحث في التاريخ
على سبيل البدء:
يرتبط إسم العروي بمجرد ما يُذكر بتعبيرات تصنيفية من قبيل “القطيعة المنهجية” “مجاوزة الثرات” “الحداثة أولا وآخرا”، ليس أصحاب الاختصاص هم وحدهم من يُحيلون على هذا التصنيف، بل نجد لذلك صدى حتى من طرف الباحثين في مختلف أوراش العلوم الإنسانية القريبة من التاريخ، على ماذا يحيل ذلك؟

إن كان لا يعني سوى حيرة وتردد الباحثين من منجز العروي المنهجي والفكري والتخييلي، بله حدوث أزمة عسر الهضم لهذا التأليف التاريخي مبنى ومعنى. يتعذر في حالة العروي الفصل بين المشروع والعملية، بين الغاية والمنهج، بين التاريخ والمؤرخ، إنه الكل الذي يجب أن يقرأ في صيغة المتعدد، والتعدد الذي يجب أن يقرأ في صيغة المتفرد.

ما جدوى التساؤل حول مفهوم التاريخ في مدار حضاري ومجتمعي يكتنفه التجاذب حول من يمتلك سردية الماضي؟ أوَ ليس مفهوم التاريخ هذا الذي لا ينتفع به المؤرخ المحترف كثيرا، يُقاس بتغير ذهنيات المجتمع وبإنغراس الوعي التاريخي، أكثر مما يُقاس به تطور الاسطوغرافيا التاريخية. هنا يتميز العروي عن مُجايليه، بجرأته على الحسم والاختيار، حسم بلا تردد أو مواربة، مسح الطاولة أو طي الصفحة كما يقال من أجل المشاركة في ما ليس منه بُد بعبارة امبراطور اليابان عشية هزيمة 1945م.

ماذا نفعل بماضينا؟ وكيف نُعامل تراثنا؟ مخيف هذا التعلق بالماضي، لست أنكر التقليد بوصفه حدثا، فأنا أدرسه كظاهرة، لكنني أنكره كقيمة، الشرط الضروري لأي تقدم قرين بالحسم، الحسم الذي نتكلم عنه وقع بالفعل في جميع الثقافات المعروفة لدينا، ابتداء من القرن 16 إلى يومنا هذا، وكأني به يستبدل القول المأثور “فليمت الأحياء من أجل أن تبقى الأفكار” بقول ” فليحيا الناس ولتمت الأفكار”.

الحق يقال، كتابات العروي شديدة الاتساق، جليلة الانتظام، لا مبعث فيها لفصل هذا عن ذاك، المشروع عنده هو الغاية لا منطق البناء، ألم يسبق له أن قال ذات مرة أن ما كتبه إلى الآن لا يعدو أن فصولا من مؤلف واحد يدور حول مفهوم الحداثة، مفهوم بلا مستقر وقرار، يلتئم من ميسم النسبية والابداعية والشكية والتجديدية.

مشروع العروي يستند إلى ثلاث مُوجهات نقدية: نقد المجتمع العربي، نقد الاديولوجيا العربية والنقد الذاتي، مشروع يتوسل بآلية المقارنة والمقايسة، ليعكس المنطق الذي كشف به الفكر العربي عن وعيه بتاريخيته وتاريخانيته. يتدخل العروي بفصله بين المجتمعات التاريخية التي تنتمي إلى دائرة التاريخ والمجتمعات غير تاريخية، لا يتعلق الأمر بالتاريخ كوقائع تنتمي إلى الماجرى، وإنما بالتاريخ كممارسة، كمصير حضاري، كخلاص وجداني وحضاري، كقراءة للذات والآخر، التاريخ الذي يؤسس له العروي وينافح عنه في مختلف انتاجاته الفكرية والتاريخية والروائية هو الوعي بتقلبات الزمن، بما هي تحول دائم وانعكاس في الوعي ( الأدلوجة)، وقدرة على ربط الوقائع بأصلها التاريخي النسبي والمؤقت.

هناك مجتمعات تعيش التاريخ عفويا، تكتب عنه تلقائيا، تعتقد أنه في المتناول، قابل للفهم بدون وساطة، وأخرى تقع خارج دائرة التاريخ. المجتمع النقدي هو الذي يوازي بين الاشكالية النقدية والسرد التاريخي، حينما يشيع النقد داخل المجتمع تزدهر الصناعة السردية، ويمكن للمجتمع أن يتخلص من الأفكار المسبقة، من التفكير بالأمثال، من الاقتداء بتجارب وانجازات الغير، ومنه يمنح لنفسه شرف الضيافة في التاريخ.

1 – رؤية على الكتاب:
كتاب مفهوم التاريخ هو انشغال بالمؤرخ لا بالتاريخ، بذهنية التأليف التاريخي التي تسم مهنة المؤرخ، وليس التاريخ كسجل لحوادث ووقائع الماضي، التاريخ الذي يرافع عنه العروي هو صناعة من بين الصنائع لا تتأتى إلا بالمحاكاة، بممارسة صارمة لقواعد النقد/ الجرح والتعديل عند جمهور الحديث، الإمكان والاستحالة بعبارة صاحب المقدمة، كل في مدار يسوق نحو بناء تصور متكامل للتاريخ كصناعة وكتخصص.

الوعي بإشكالية المنهج تظل عند العروي أس غياب الصناعة التاريخية، إذ المنهج المتبع لدى الباحثين محدد بالزمان والمكان، مطوق بسلسلة من الاشكالات، مناقض ومتناقض مع منهج آخر، سابق أو لاحق، فتستتبعه بالضرورة محدودية الاستنتاجات. تصبح العملية التاريخية برمتها عملية تبريرية، لا تستقرأ المنهج في ظل التغيرات التاريخية، والحالة هذه يتحول التاريخ شيئا فشيئا إلى محاكمة وتشهير، يختفي المؤرخ المحترف، ليفسح للناقد الاجتماعي الظهور أمام الناس.

بين قول المؤرخ البريطاني روبين كولينجوود “لا تاريخ بدون مؤرخ”، وقول المؤرخ الفرنسي شارل سينوبوس “لا تاريخ بدون وثيقة”، يستوطن جدل المعرفيات/ الابستمولوجيا التاريخية عند العروي، فما يسمى وضعانية في فرنسا يعتبر بالتعريف تاريخانية في ألمانيا، الأمر يحيل على قضية الترجمة والتأليف الأجنبي، بما هي فعل خيانة وفعل محايثة وتناقض. من دون نقد، من دون موقعة الترجمة ضمن سياق المعرفيات المعاصرة، تكون الترجمة فاقدة للفائدة، منفلتة من تناصها التاريخي.

الحديث عن التاريخ كمنحى بين مناحي الفكر، كمسلك بين مسالك المعرفة، يعني عند العروي شأنا آخر، غير ما نعنيه نحن به كتخصص وكممارسة، أي تلك البلازما التي تسبح في كل الفعاليات البشرية، وهذا هو الفرق عند العروي بين مفهومي بين التاريخانية والأرخانية .

الصناعة التاريخية التي يدافع عنها العروي تنبني على معادلة النقد والتمحيص، من دون ذلك يتحول التاريخ إلى رواية بلا دراية، مجتمع بلا تاريخ، التاريخ النقدي هو الذي يُغير عبارة اعلم أن بعبارة كيف أن، المؤرخ يجب أن يقدم الوفاء لما يجرب لا لما يرث، يستند العروي هنا على تجربة المدرسة النقدية الألمانية التي حطمت الروايات التاريخية التي كانت تبدو غاية في القوة والمتانة بخصوص السياسة والدين.

يضع العروي ابن خلدون في مجهر التاريخ، يبدو ابن خلدون من جهة راويا مثل غيره من الرواة عندما يتكلم عن أصول العرب والبربر والترك، مُشاهدا بل صحفيا عندما يتكلم على نفسه وعلى سلاطين بني مرين، مؤرخا يزاحم في الاتقان والنباهة والاطلاع المسعودي أو البيروني، مُنظرا لقواعد الكتابة التاريخية، مُبدعا لعلم العمران في مستوى فلاسفة عهد التنوير، كاشفا عن الحقيقة التاريخية كميزة بشرية، لربما مقدمة ابن خلدون لا تنفع المؤرخ المحترف، قرأها ابن حجر العسقلاني فلم يستفد منها وما كان له أن يستفيد. المقدمة لم تُغير وجهة نظر المؤرخين، بله أن تغير الذهنية العمومية، وعند التدقيق ما كان يمكن أن توثر المقدمة في مجتمع متفكك، اخد نحو الأفول. حيث الوعي بالتاريخ لا يتم إلا في عهد التقدم والازدهار.

شرعية التساؤل حول مفهوم التاريخ ستظل جوهرية ومتجاوزة في ان، جوهرية لأنها مرتبطة بحركية الفكر، ومتجاوزة لأن منفعة التاريخ لا تتحقق بوضوح لدى الأفراد والجماعات، داخل مجتمع يعبد التاريخ وينفيه كوعي.

2 – التاريخانية كاختيار
يبدأ القسم السادس من الكتاب بتحديدات توضيحية تستأنف الاختيارات المنهجية التي أسس عليها العروي كتابته لمفهوم التاريخ. يعمد في مفتتح هذا القسم إلى فك الالتباس بين مفهومي التاريخ والحقيقة، هذه العلاقة التي ستظل حاضرة كلما فكر المؤرخ في التاريخ كعلم أو صناعة، حيث السؤال المهم هو ليس العلاقة بين التاريخ والحقيقة، لأن هذه الصيغة حسب العروي لا تفيد شيئا ولا تنتج سوى البديهيات، بقدر ما هو سؤال موجه إما للتاريخاني أو الوضعاني. يرمي المؤرخ إلى نقد رواية موروثة، إلى القيام بعملية الهدم التاريخي، عبر النقد والتفكيك، من أجل توليد رواية جديدة، حتى وهو لم يفصح عنها، إنه هنا أي المؤرخ لا يصير مؤرخا إلا وقد وعى خصوصية منحاه.

يعمد عبد الله العروي في الفصل السادس من كتاب مفهوم التاريخ إلى القيام بعملية تصنيف للموقف التاريخاني في مختلف صوره وعبر سائر مراحله، متوقفا على مدلول مفهوم التاريخانية، والنقد الذي رافقها من طرف الفلاسفة وأنصار الكلاميات أو المناطقة، في ارتباطها مع مفهوم الوضعانية، مختتما هذا الفصل بتحديد موقفه من تأرخة عملية المؤرخ نفسه، من أجل عدم اغماس المؤرخ في تاريخ وهمي وتذويب التاريخ- الوقائع في ذهنيات المؤرخ.

كلمة التاريخانية/ هيسطوريسموس من صناعة كارل فرنر سنة 1879، في سياق تعريفه لسياسة فيكو. كارل فرنر يؤكد على أن العقل البشري لا يدرك إلا ما يصنع، أي الشعور بأن الحوادث البشرية فريدة ومتطورة في نفس الوقت بعبارة منكه في كتابه أصول التاريخانية. هكذا يبدو إذن أن فكرة التاريخانية قلبت مجرى التاريخ، تارت ضد المطلق والفكر التقليدي، ضد التقليد البشري الذي يتحكم في العقل والشعور، التقليد سرمدي لا زماني بالتعريف.

يجب أن نفصل حسب العروي بين التاريخية/ الهيسطوريسم والتاريخانية الهيسطوريسيسم، الأولى منهج وطريقة للبحث، والثانية فلسفة كل مؤرخ يعتقد أن التاريخ هو العامل المؤثر في أحوال البشر، بمعنى أنه سبب وغاية، كيف يمكن للمؤرخ أن يكون مؤرخا دون أن يكون تاريخي النزعة؟ هل يمكن أن نعرف التاريخانية دون أن نستحضر تاريخها؟

مفهوم التاريخ في سبيل اقرار شرعيته خاض عدة معارك ابستمولوجية طاحنة، ظل دوما في قلب التحولات الكبرى لحفريات المعرفة الانسانية، فيكو هردر رانكه هيغل ماركس فروود وكروتشه وغرامشي أقطاب التاريخانية ما فتئوا يُلحون على ضرورة العودة إلى ظروف النشأة/ أسباب النزول في المصطلح الإسلامي، حينما نهم بتأصل التاريخانية كفلسفة للتاريخ، يستوقفنا تضارب بين الفلاسفة، فريق أول يعتبرها ثورة ضد ثورة، رفض الثورة الفرنسية، وفريق ثان يعود بها إلى حدث القطيعة الذي حدث في القرن الثامن عشر، حينما تم الارتداد على الفكر الكلاسيكي من طرف نقاد الأدب وفنانو المدرسة الرومانسية، وفريق ثالث يعود بها إلى حركة الاصلاح الديني في القرن السادس عشر، حينما استعر النقد صوب الكنيسة الكاتوليكية.

التاريخانية عند العروي تعدو أن تكون تحرر تدريجي من المنطق التقليدي المعادي لتطور الأشياء ، هي بشكل أو بآخر نوع من علمنة الفكر التقليدي، التاريخاني هو من يؤكد على أن التاريخ يشيد نفسه بنفسه، لا يسير في مسار خطي، ولا يحمل معنى واحد، من هنا تتبلور نقطة الانعكاس/ النقطة القلب، التاريخ يتحول إلى مفهوم يتوحد في ذهن، ينحل التاريخ تلقائيا إلى فكرة، إلى ذِكر، إلى اسطوغرافيا، التاريخاني هو من يقر بأن لا فلسفة خارج تاريخ الأفكار، لا حق خارج تاريخ القوانين، لا جمال خارج تاريخ الفن، لا تاريخ خارج تاريخ تطور الاسطوغرافيا، عليه فالتاريخانية الفلسفية هي تجربة اكتشاف التاريخ كعامل موضوعي مستقل عن الذات، تجربة هي البداية والنهاية، الأصل والغاية، بل هي في أعم تعريفاتها حصر تجربة الإنسان مع الزمان في تجربة التاريخ.

يستعرض العروي في القسم السادس من كتاب مفهوم التاريخ مُجمل الانتقادات الموجهة الى التاريخانية كمنهج وكفلسفة، يتلخص النقد الموجه إلى التاريخانية في كونها لم تدرك أنها تجربة التاريخ هي إحدى صور تجارب الإنسان مع الزمان، لم تدرك أنها نفسها محاولة للخروج من الزمان عبر تواتر القوانين ووحدة الغاية وحتمية التطور، لا يوجد مفكر تاريخاني إلا ووجد من أوله إلى آخره، لهذا لا تستقيم التاريخية في عرف العروي إلا كعبارة عن تجربة كل واحد منا، إيجابية كانت أو سلبية .

يجب أن نقر بأن التاريخانية افراز طبيعي لتطور اجتماعيات المعرفة، محصلة لإشكاليات معرفية، استئناف لسؤال كانطي حول ما هي حدود المعرفة التاريخية؟ حينما يقرأها الآخر على أنها فكر متناقض، فالتناقض هو مرآة للواقع، كيف تستوي العبارة في واقع غير مستو، ما يميز التاريخاني عن الآخرين، هو أنه طرح قضية فلسفية وراح يبحث عن الجواب في التاريخ، وأي مغزى للتاريخ إن لم يكن يحدث في التاريخ.

في لحظة الانحطاط والتقهقر ينحط المجتمع ويهوى من التاريخ إلى الطبيعة، من هنا يتدخل أعداء التاريخانية ليصوبوا رماحهم تجاهها، يقولون بأن التاريخانية تؤمن بالحتمية، هنا يشيرون فقط إلى فصيل منها وليس كلها.
التاريخانية هي رؤية للاستحضار، مفهوم وجودي ورتته التاريخانية عن الوجودية، مفهوم حياتي ومنهجي في نفس الوقت، حينما نعود إلى المعنى الأول ثمة اقرار ضمني بأن الزمان يتحكم في كل التأويلات، الشرط الوحيد لاكتشاف موضوعية التاريخ هو تجاوز حدود التقليد (سنة/ تراث)، الحكم بمنظور العادة والمألوف. التاريخ هو بالضرورة فكر الاختلاف والمغايرة، هكذا كان أول درس لأبو التاريخ هيرودوت.

حفِل القرن العشرين بتحولات جارفة، هو قرن معاداة الفكر التاريخي مثلما كان القرن التاسع عشر قرن ارتداد على فلسفة التنوير، الفلسفة الغربية لا تطمئن لمنجزها، تنتقد نفسها دائما في دائرة ديالكتيكية مستمرة، ما انتقدته التاريخانية من تقليدانية وحقيقة مطلقة لسوف يرتد عليها بصفتها تقليدا جديدا، بله أصل كل تقليد، هل الأمر يتعلق بنقد أم رفض؟ ما يميز التاريخانية لدى العروي عن باقي المرجعيات الأخرى هو أنها تحتوي على نقطة انعكاس تجعلها تحتمل قراءتين: إحداهما تطورية وضعانية والثانية تقليدية ثيولوجية، وهي بذلك تتحاكم إلى الواقع، واقع التجربة البشرية، الفردية منها والجماعية، إلى تمحيص الفرضيات التاريخية، ورؤية الإنسان كفاعل في التاريخ، لا إلى المنطق المجرد.

التاريخ لا يكون تاريخا إلا بعد أن يُحال إلى مفهوم، والمفهوم في ذهن المؤرخ شأن خارجي وذاتي في نفس الوقت، سلسلة أحداث مترابطة، غير ذلك فإن المؤرخ يمارس الوصف، وهو أشبه بعمل الاثنوغرافي، ويكون أقرب إلى الوضعاني منه إلى التاريخاني، كيف يحصل أننا لا نزال نتذوق الفن اليوناني بعد أن انهارت الحضارة التي كانت عبَّارة عنه؟ ألا يعني ذلك أن هناك شأنا لا يخضع للزمان والتاريخ، التاريخانية هي ثورة ضد التقليد والاتباع، رهان بأن التاريخ قوة سائرة نحو هدف مرسوم، وأن التاريخ تحكمه قوانين قارة تسير به نحو اتجاه مرسوم، نحو غاية محددة، التاريخاني مقتنع بأن التاريخ له غاية هي أن يكتشف الإنسان أنه الغاية والوسيلة، وكلاهما يقودان نحو الحرية ونبد الاتباع.

أهم درس يلح العروي على اكتسابه من معركة التاريخ مع باقي العلوم الاخرى، هو أن حوادث التاريخ لا يمكن حصرها في تقليد واحد، المؤرخ الموضوعي لا يقول بأن هذا أفضل من هذا، بل يقول فقط واجب علي أن أنصت لكل تقليد على حدة، مستقلا عن سواه، هكذا بنيت النهضة الأروبية مع جان بودان وإتيان باسكيه وفلاسفة عصر الأنوار، الموضوعية في التاريخ استعداد نفسي واختيار فكري، فصل الذات عن الموضوع وإعادة تشكيل سردية الماضي وفق قوالب مفاهيمية جديدة، كل ثورة فكرية على التقليد تستند إلى عملية النقد، وقتئذ تشيع التاريخانية كمنهج وكرؤية للحياة، أوَ ليست التاريخانية هي من أسقطت الفكر المطلق من السماء إلى الأرض، هي من جعلت التاريخ يخرج من الصالون إلى المطبخ بتعبير إلين بارو.

كل ممارسة تاريخانية هي بالتعريف إهمال للخرافات وضرب للماورائيات، التاريخانية هي وصف تقدم الإنسانية نحو كمال العقل ، والمؤرخ لا يصير مؤرخا إلا إذا رفض الحكم المسبق، وتمتع بصفة عدم الانتماء، وأدرك أن مهمة التاريخ هي الهدم وإعادة البناء، هي الكشف والتشخيص. لقد كان رانكه بروتساتنيا محافظا، لكنه كتب عن البابوية كما لم يكتب أحد قبل، ما يهم في التاريخ هو ما يحدث في ذهن المؤرخ من عمليات تضمين وإدراك كمحصلات لكل التطورات التاريخية.

التاريخ تاريخ لا يعود، ما انهد لا يعود في صورته الأصل، قد يعود في صور مشابهة لكن ليس هو هو، كل حدث يحمل خصوصيته في ذاته، كموضوع وكنسق، كمغزى وكمقصد، كتواتر وكإطراد، التاريخ مفهوم والوعي به هو التاريخانية، بل التاريخانية هي منطق التاريخ وأساسه، كل حقيقة هي مغزى الزمان الحاضر، والحاضر هو الذي يعطي للماضي معناه الحقيقي، التاريخ هو وحده المطلق، الحقيقة دائما تاريخية أي منوطة بالزمان.

يُحسب للتاريخانية أنها هي من أعادت الإعتبار لميكيافيلي، لغائيته في التاريخ، ومعه عاد أعداء التاريخانية يشهرون محاكماتهم من جديد، التاريخانية تقوم بدور الاستئناف، ما انقطع من حلقة الفكر البشري تعيده من جديد في صورة مفاهيم أو تجربة، صحيح أن التاريخانية تجد صعوبة في بناء نظرية قانونية متماسكة، لكن ذلك لا يمنع من كشف التناقض بين الأهداف والوسائل، النوايا والنتائج، الأفراد والجماعات.

في سياقنا الخاص كيف نتحقق من أن التاريخ غاية ونحن لا نزال تائهين في دروبه؟ أوَ ليس الغارق في البحر لا يمكن أن يتحقق من أن له ساحلا، وكذلك الإنسان في التاريخ لا يمكن أن يقطع أنه له غاية وقوانين توحده وتسيره. ما يعطي قوة للتاريخانية هو ارتكازها على مفهوم التقدم/ الانجاز/ التجسيد، كل تقدم لا وجود له إلا إذا طابق منطق العلم، لا إعجاز بلا انجاز، قيمة الإنسان بما ينجز، والتاريخ هو سيرورة الانسان كإنسان، ككائن عاقل حر وخلاق.

يظل التعامل مع التاريخ انتقائيا، نأخذ ما نريد وننفي ما نريد، حدث هذا مع بلوتارك وفولتير، ابن قتيبة وجمال الدين الأفغاني، التاريخانية تأخذ بهما معا، تسائل التجربة البشرية في كلياتها وليس في جزئياتها، مفهوم التاريخ كما تشيده التاريخانية مفهوم متماسك، ليس التاريخ كحوادث وشواهد (القبتاريخ) وإنما التاريخ كعزم وتخطيط وإنجاز، كإصرار واستمرار. الفهم عزم، لا فهم بدون أن يصمم الإنسان على الوفاء لتاريخيته، ولا عزم بدون إدراك أن التاريخ هو بناء انساني، لا تاريخ بدون وعي، وهذا الوعي إن تحقق فلا مناص من التاريخانية.

ما يميز التاريخاني عن الوضعاني، هو أن الأول يقول بأن كل مفهوم يتلون بمعنى التاريخ، والثاني يقول بلا وعي ولا تاريخانية المفهوم، ألم يعمل فيكو على تفنيد الديكارتية، ألم يعمل على انتقاد الأمثولة من اللامعنى، التاريخاني يتعالى عن التاريخ كمجموعة وشواهد ويقفز الى الاسطوغرافيا، مستوى النظر في التاريخ كرواية مؤلفة محفوظة.

الإنسان حر بما أنه تاريخي وتاريخي بما أنه حر، التاريخانية هي تعميق الوعي بنبذ ما لا يساير الحاضر من أفكار وعقائد، حقا قد يقال بأن التاريخانية انتهازية برغماتية لا أخلاقية، يجيب التاريخاني الأخلاق قسم من التاريخ، فهي إذن حاضرة في ذهن المؤرخ أثناء عملية الفهم. الوعي بالتاريخ هو الاطمئنان إلى أن الانسان كائن حر خلاق، فهو وعي بالأخلاق، بل بأعلى مراتب الأخلاق، حينما يحصل الوعي تنشأ بالاستتباع النزعة التاريخانية.
التاريخانية حينما توضع في إطارها الصحيح، بصفتها خلاصة الاسطوغرافيا تمحيص لمغزى المحفوظ من الأخبار، تُقبل مع التاريخ أو ترفض معه، تُعاش كتجربة حياتية مع البطل، وكممارسة بحثية مع المؤرخ، تعتبر التاريخ هو تكوين الانسان انسانا، تكون إذاك قد تبلورت في نزعة حضارية تقود نحو الحرية وكمال العقل ونقد المطلق وتمحيص التراث.

كثيرا ما يتم التركيز على نقد التأليفة التاريخانية، خاصة الماركسية منها، يعود بروست إلى إلهام فن العصر الوسيط، ستراوس إلى المُثل الافلاطونية، بوبر إلى منطق كانط، كوربان إلى تعاليم العارفين، تحت معاول هؤلاء النقاد تفتت التاريخانية وانهدت ركنا ركنا، لا سبيل لترجيح نظرية على أخرى دون اقحام عوامل أخلاقية أو نفسانية في النقاش. يبدو أن أساس النقد هو أن مفهوم التاريخ اصطناعي، مبني على الانتقاء الفردي والجماعي، صنم متسلط على وجدان الفرد.

واضح أن العروي عبر هذا القسم يتتبع الأدلة المعبرة عن النزعة التاريخانية والنزعة اللاتاريخانية، وهو في خُلده توازن لا متكافئ، إذ التاريخانية ليست فقط منهجية المؤرخين بل أدلوجة الفلاسفة، لا ندري متى بدأ التاريخ كوعي، كشعور بالتغير، بالتراكم والاضمحلال، في معرفيات التاريخ حصل تطور من منطق التاريخ إلى منطق المؤرخ، وحتى التاريخ نفسه لا يتحقق دائما داخل التاريخ، هناك تاريخ بوعي وآخر بغير وعي وربما بغير وعي عن وعي.

كتاب مفهوم التاريخ علامة فارقة في منجز الاسطوغرافيا المنهجية بالمغرب، تقيد بالمنهج الاستقرائي في تتبع السجالات الفكرية حول مفهوم التاريخ والتاريخانية، رصد دقيق لتجاذبات الفكر الانساني حول شرعية التاريخ في فهم الحاضر، في جعل الواقع المشتت يتوحد حول مفهوم يصنعه المؤرخ، بقدر ما يخال القارئ أن الأمر يتعلق بازدواجية ينشأ عنها إلتباس في المعنى والفهم، بقدر ما تستدعي التاريخانية قراءتين، لا يمكن حسب منظور التاريخانية التي يشيدها العروي كحلقة لتجاوز الانسداد التاريخي العربي أن تفصل مفهوم التاريخ عن الطبيعة، مفهوم التاريخ هو دائما وأبدا غير التاريخ المفهوم.

ومهما اعتقدنا بشأن المنهجيات ودورها في تجديد الكتابة التاريخية وإشاعة التاريخانية داخل المجتمع، فإنها لا تحل إشكالية الكتابة التاريخية/ الاسطوغرافيا، لأن التاريخ شأن إجتماعي قبل أن يكون شأن المؤرخين، في مدار مجتمعي مجتمع يدرس التاريخ ولا يشعر بتاريخيتيه، في مجتمع يحصر التاريخ في الحدث، المؤرخ المحترف هو من يمشي فلا يهمه أن يعرف كيف ولماذا يمشي، يخشى إن هو توقف، توقف ليسائل نفسه سقط إما في أحبال الطبيعة رفقة الفيزيائيين وإما في متاهات الذات صحبة دعاة التأصيل.

كتاب مفهوم التاريخ كل يقرأ في تاريخانيته، في منجزه وغائيته، يُقرن بإجرائيات الحداثة ومفاهيمها المستتبعة، في جعل الدرس التاريخي منهجا ومُدارسة يتجاوز عقل النظر إلى عقل العمل، من عقل اليقين إلى عقل الإيقان، من عقل الانحصار إلى عقل الانعتاق، عقل الوقائع، عقل أفعال البشر المتجددة، فجوة القطيعة بين القديم والحديث تتسع، وطي الصفحة كما يقال باعث على كل عملية استنهاض وشرط لكل تقدم.