مصادر الشعور

سوسن العتيبي، باحثة سعودية
الوعي بمصادر الشعور قد يقودنا للسؤال: لماذا يقع تهميش مصادر الشعور؟ والاكتفاء بمصادر المرجعيات؟ مع أن مصادر الشعور قد تكون أقوى تأثيرا وتلوينا لرؤيتنا للعالم!

(تأملات في مصادر الشعور)
كثرة صور الناس حجبت عنّا الناس!
أجد في نفسي ذلك، كيف ننظر لمن نتابعهم من خلال صورهم وبرامجهم، ثم إن لقيناهم اختلف الأمر، هم بشر يتحرّكون، يتفاعلون معنا بطريقة تختلف عن طريقة متابعتنا لهم في إنصات، أو حتى رؤية صورهم دائماً في الصحف واعتبارهم أيقونة كما هي الفاترينات!
أريد أن أتحسسهم، لديهم لحم، أجسادهم تصدر الحرارة مثلنا؟ هل يشعرون؟ هم بشر مثلنا، هل يمكن أن نتعامل معهم بلا شعور إلا شعور الشيء الذي تم عرضه في التلفاز؟ هل ستضايقهم تعليقاتنا بعنفها الرمزي؟ هل نحترمهم؟ أحياناً أسرح وأنا أنظر إليهم.

أحيانا أجد أنّ سطوة التعرف على الناس عبر الشهرة حجبت عن خير كثير عظيم فيمن ليس بمشهور، فنزهد فيه وفي كلامه، ولا نصغي، فقط نلقي! لأننا تعودنا أن الإلقاء ممن نجلس أمام الشاشات متسمّرين ننتظرهم.

ماذا لو لم تكن الميديا هي أهم مصادر تغذية الخيال، وتغذية رؤيتنا للبشر؟

مرّة كتب أحد كتاب الصحف عندنا، في عمود له عن أجمل امرأة أحبّها في مراهقته، واحتفظ بصورتها طويلا، وهي: صورة لامرأة لا بأس بها في إعلان لصابون تايد. كان خياله عن الجمال محدود بحدود صورة في جريدة في بلد يضيّق من شيوع صور النساء، والنساء في بلده متحجبات، فكان خياله بسقف منخفض، لكن مع دخول الأقمار الصناعية، انفجرت عينه من كثرة ما شاهد، وما زال لحبّه الأول (حب المراهق) قيمته التي لم يجدها مع كثرة ما شاهد من جمال يفوق صورة حبيبته الأولى المتخيّلة.

تلك المقالة قرأتها في وقت مبكّر جداً، ربما في المتوسط، وقد شغلت ذهني كثيراً، وكيف يمكن أن تؤثر فيّ الصور، وكيف يمكن للخيال أن يتغذّى بالصور، كذلك ما كانت تكتبه قريبتي الكفيفة عن كيفية تغذية خيالها بما تسمع، وكنت أدخل عليها في غرفتها حينها وأجدها مستلقية تستمع للأغاني والراديو (هذا عالمها)!

كنت أتأملها (هي أكبر مني بما يفوق ٢٠ سنة تقريباً) وأحاول أن أفهم كيف تعيش؟ بماذا تشعر؟ ولا أنكر أني أغمضت عيني مراراً وحاولت أن أعيش ليوم وأنا مغمضة العينين لأشعر بما تشعر؟

أتابع أحياناً شعور جمهور “أم كلثوم” القديم، أحاول أن أفهم معنى أن تحضر من بعيد لتسمع لأغنية، أن تنتظر بلهفة أمام مذياع قديم بصوت مشوّش لتسمع صوت من تحرّك فيك الانتقال من عالم الحس إلى عالم الخيال؟ في زمننا حرمنا من هذا الشعور، فكل شيء في متناول اليد.

هل خيالنا أخصب، ورؤيتنا للإنسان أقوى؟ أم خيال من سبقنا ورؤيتهم؟

ثم يعود التأمّل للعرب، عرب الجزيرة العربيّة، كيف لأمّة في صحراء مقفرة أن تنتقل نقلة هائلة للإيمان والفداء؟ ألم يكن شعرهم غاية في الرّقة رغم قساوة حياتهم؟

لا يمكنني أن أفهم القرآن حقاً دون فهم شعورهم، لا يمكنني أن أفهم بيئة الوحي دون فهم شعورهم.

كل ما سبق يصب في نقطة واحدة:
هل اختلاف المصادر فقط في “المرجعيّات” أم أن أدوات تصوير الكون من حولنا، ووسائل نقله تؤثر في شعورنا وتصوّرنا؟

لقد فهمت آية “فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا” بطريقة تختلف عن طريقة بعض الصديقات، فهمتها وفق طبيعة العرب القبليّة والحميّة الشديدة للآباء، لقد فهمتها من خلال بيئتنا التي فيها ذكر الآباء ربما نتجاوز ونصفه بالذكر المقدّس.

ذكر الآباء يعني القتل والفداء، يعني الشعور العظيم بالتعالي والفخر والثناء، يعني طمس الذات وغمرها في سبيل ذكر الأجداد، فلن يتم مقصد ذكر الله المطلوب إلا بسيطرة الشعور بالاعتزاز والتفاني الذي يتجاوز شعور العربي بأجداده.

هكذا فهمت، ولو عشت بلا فخر قبلي ربّيت عليه بالوراثة، لفهمت مثل صديقاتي: أن المحبّة هي المحبة الأبويّة التي يشعر بها كل أحد رزقه الله بأب. أي شعور شخصي متعيّن، لا شعور معنوي ممتد ومتضخم كما هو الشأن في المحبّة القبلية لهويّة الأجداد.
المصدر: رابط صفحة الباحثة سوسن العتيبي على “فيسبوك”:
https://www.facebook.com/profile.php?id=100031617949207