الرئاسيات الجزائرية وموت الديمقراطية

تموت الديمقراطية في الجارة الجزائر في كل مناسبة لإعادة انتخاب “الزعيم الملهم” وكأن ليس بالإمكان إنتخاب أي كان.. ولا أحد يعلو على ترشيح “الزعيم”، والطغمة الحاكمة تتشبت بالزعيم تحت شعار “الزعيم أو لا أحد”!!

أليس في بلد المليون شهيد رجل رشيد !! ألهذه الدرجة باتت الجارة محط تندر وتهكم وسخرية أمام أنظار العالم ؟ !! تموت الديمقراطية ولتذهب إلى الجحيم ما دام الزعيم على قيد الحياة !

نعم ليس لنا كعرب تقليد في الديمقراطية ، والزعامة القبلية المنحدرة من عهود سحيقة تؤطر أسلوب الحكم لدى حكامنا العرب ، والمعارضة الصورية إن هي تمرين على إتقان الأدوار الثانوية ( الكومبارس ) حتى إشعار آخر… ومع ذلك نرى في الحالة الجزائرية الإحتضار البطيء لكل ما هو ديمقراطي بعد تغييب الشعب – حتى لا نقول المواطن – بعد تخويفه بعودة العشرية الأليمة. فهو ؛ أي الشعب المغلوب على أمره ؛ يفضل “السلم المصنوع على مقاس الزعيم” على الحرية المنتهكة نهارا جهارا على يد طغمة الحكم المتحكمة في الشأن العام في ظل استمرارية لازمة ” الزعيم ولا أحد سوى الزعيم “.

ماذا يعني أن يترشح الزعيم وهو على فراش الموت في بلادنا العربية ؟ وماذا يعني أن يلتزم الجميع الصمت ؛ خوفا أو طمعا ؛ من قول ” لا كبيرة ” لهذه المهزلة المثيرة للسخرية وللغثيان ؟ وماذا يعني كذلك ألا يتجرأ أحد على الترشح قبالة الرئيس المنهك أو ضده ، والفوز بالرئاسة كما يتم وفق التقاليد الديمقراطية المعمول بها في الدول التي تحترم نفسها ، وتحترم مواطنيها ، وتحترم تاريخها ، وتحترم وجودها بين الأمم ؟

نحن العرب تتبعنا لعنة الأجداد ، وتسيطر على عقولنا ثقافة الماضي ، ويحكمنا من هو منا ويستغل ضعف وعينا وغلبة الوعي الزائف في عقولنا ، فيسهل عليه قيادتنا تحت شعار الزعامة أوالمشيخة أوالقداسة أوالأسلمة وهلم شعارات تغرف من المعجم الديني/السياسي العربي/الإسلامي !

نحن العرب لما نتعلم بعد كيف نصبح أحرارا من كل تلك الموروثات الدينية والسياسية ، لأننا كشعوب نتمسك بكل ما من شأنه جعل ” الزعيم ” يبقى خالدا في السلطة ، ويوم يموت نصنع له تمثالا وضريحا فخما ونتبرك بجثته المذفونة ، ونستشهد بأقواله كما لو كانت وحيا يوحى إليه من السماء. والحال أننا نحن من نصنع هذا الزعيم ، ونحن من نطأطىء له الرأس وننحني له عابدين خاضعين في “أبوية” مكرورة ومملة ، وفي دروشة مقيتة سالبة للحرية وللكرامة.

نصنع الزعيم بتصديقنا أنه الأصلح والأبقى والأنقى فنتمثل ذلك في وعينا ولا وعينا ، في عقلنا وفي وجداننا ، ونتشرب ذلك ونورده لأبنائنا وحفدتنا ، فنصنع بالتالي جيلا من الضباع – كما تنبأ محمد جسوس ذات زمن – جيلا مسلوب الحرية والإرادة ، وعيه زائف ، معتقداته خرافية وأسطورية ، قناعاته متواضعة ، طموحه صغير وحقير ، مآلاته أخروية تجنح في تطلعها إلى عالم آخر ، هناك حيث جنة الفردوس ، وننسى أن من يفشل في صنع واقع فردوسي على الأرض يصعب عليه الظفر بجنة محتملة في السماء !! وإلا ما غاية الإنسان على الأرض إذا كانت غايته العيش والموت من أجل عقيدة لاهوتية تحد من تحقيق أحلامه على أرض الواقع بدعوى أن المآل هو العالم الآخر بجنته وناره ، حسابه وعقابه ، خيره وشره..الخ ؟

هذا الخلط بين المعتقد الديني والتطلع الأخروي يتيح فرصا عديدة لمن يسعى لتكريس نفس الوضعية في إحكام قبضته على الحكم ، ولمن يسعى لإحكام قبضته على عقول الناس من تجار دين ، و”فقهاء الأمة” ممن يحتكرون السلطة الدينية خدمة للزعيم وسلطة الزعيم.

فمتى نعلن عن موت الزعيم ؟ فمتى مات الزعيم عاشت الديمقراطية ؟.
بقلم : محمد علي لعموري