فكرةُ التطوّر تستبدُّ بالخولي

د. عبدالجبار الرفاعي
يميز الشيخُ أمين الخولي بوضوح بين التجديد في مفهوم القدماء ومفهومه المختلف للتجديد، فالتجديد في مفهومهم هو ضرب من الإحياء لما كان مندرسًا، والتذكر والاستئناف لما كان منسيًا، بينما التجديد في مفهومه هو ضرب من التطور، وليس إحياء لما هو مندرس، أو تذكرًا لما كان منسيًا، أو استئنافًا للقديم وإحضاره كما هو. ويرسم الخولي رؤيته هذه بقوله: “من وصف القدماء لعمل المجدد حينًا أنه إحياء ما اندرس، ومعنى هذا أن شيئًا من المعالم الدينية الاعتقادية أو العبادية، فرضًا أو سُنة، قد أهُمل ونُسى على مر الزمن، فيعمل المجدد على إعادة العناية به، والتزامه بالصورة القديمة الأولى التى كان عليها. وهذا الفهم المتبادر القريب من جملة كلامهم لا ينتهى إلى شيء من معنى التطور، الذى هو تغير الحياة أثناء سيرها إلى مستقبلها، فإذا ما كان المجدد مُطورًا للحياة فمعنى ذلك أنه يقدر تغيرها فى سيرها إلى غدها، ويعمل على جعل الدين مسايرًا لها فى هذا السير، موائمًا لحاجتها فيه، فالتجديد الذى هو تطور ليس إعادة قديم كان، وإنما هو اهتداء إلى جديد، بعد أن لم يكن عن طريق الاجتهاد” (1). وبذلك تجاوز الشيخُ أمين الخولي وجهةَ الإحياء والإصلاح التي بدأت مع الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في القرن التاسع عشر، وتواصلت فيما بعد مع جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، ومن تلاهما، ممن تمحورت جهودهم على الدعوة لإحياء ماضي الأمة واستئناف أمجادها، بالاعتماد على الأصول والمبادئ الموروثة في فهم الدين وتفسير نصوصه. لكن الشيخ الخولي استطاع أن يشتقَّ نهجاً يتلمس في ضوئه دربًا مغايرًا لما عرفناه من أصول ومبادئ موروثة في فهم الدين وتفسير نصوصه.

ظلّ الخولي مسكونًا بفكرة التطوّر، واستبدّت به هذه الفكرة إلى الحدّ الذي استند فيه إليها بوصفها مرجعيةً لإعادة بناء المعارف الدينية، وآداب وعلوم اللغة العربية، فمع الخولي، وللمرة الأولى، يتصدّع جدارُ الدرس اللغوي والبلاغي التقليدي، كما تنفتح الفلسفةُ الأخلاقيةُ في التعليم الأزهري على أفق جديد. لم يتردّد الشيخ الخولي في الدفاع عن نظرية التطوّر الدارونية في الأحياء، وأصرّ على منحها مشروعيةً، في ضوء ما يحاكيها ويقاربها من إشاراتٍ في “رسائل اخوان الصفا” (2)، وآثارِ ابن مسكويه، وابن سينا، وابن الطفيل، ممن ألمحوا أو صرّحوا بتصنيف الموجودات في سُلّم تراتبي، يحتلّ فيه الإنسانُ الذروةَ في تكامله، فيما يليه الحيوانُ، فالنباتُ، إلى أدنى مرتبة وهو الجماد. وشغف الخولي بالتجديد إلى الحدّ الذي كان برأيه هو الثورةُ الكبرى في كلّ قرن، إذ يقول: “إن ذلك التجديد على رأس القرون هو ذلك العمل الثوري الكبير الذي تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية” (3).

توسّع الخولي في تطبيق فكرة التطوّر على علم الكلام والفقه واللغة، بل تعميمها لتشمل أبعادَ الوجود البشري المعنويةَ والفكريةَ والاجتماعيةَ والأخلاقيةَ كافة. وأصرَّ على أن التطوّرَ هو الناموسُ الشاملُ في الخلق والحياة، وليس ناموسًا خاصًا بعلم الأحياء فقط. يكتب الخولي: “صار كل باحث يتصدى لدرس شيء من ذلك إنما يتقدم إليه مسلّمًا بعمل ناموس النشوء فيه، فيما مضى وفيما هو آت، ولم يعد الباحثون يقبلون القول بظهور كائن كامل الوجود دفعة واحدة، فكرةً كان أو لغةً أو فنًّا أو حضارة… إن ظهور الفكرة الجيدة يشبه في تطور الحي ظهور صفات جديدة في نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، وقوة يقين أصحاب الفكرة الجديدة بصحتها وصلاحيتها تقابل درجة قوة الصفات الجديدة في الحي على البقاء. وإن صلاح البيئة الاجتماعية لحياة الفكرة الجديدة ومعاكستها لحياة الفكرة القديمة، تقابل حال البيئة الطبيعية بالنسبة لصفات الكائن الحي الجديدة. وإن قوة اقتناع أصحاب الفكرة الجديدة بها، وترسيخهم لها، في أذهان الناس، تشبه قوة الحي على إفناء منافسه وإبادته. واقتناع الناس رويدًا بالفكرة الجديدة وانسلاخهم من الفكرة القديمة يشبه موت الأفراد الضعاف في التناحر المادي. وإنّ تأصّل الفكرة وثباتها في نفوس مقتنعيها يشبه تأصّل صفات الحي الجديدة في نسله ورسوخها” (4).

تبدو حالةُ التفهّم لقيمة معطيات العلوم والمعارف الحديثة واضحةً في توكؤ الخولي على نظرية التطور الدارونية، والاستنادِ إليها بوصفها مرجعيةً شاملة في تسويغِ ضرورة تطوير اللغة وآدابها، وتجديدِ معارف وعلوم الدين. وهي سمة طبعت تفكيرَ بعض رجال الدين والمثقفين في ذلك العصر، ممن تعرّفوا على العلوم الحديثة، واكتشفوا التقدّمَ الغربي، واستند غيرُ واحد منهم إلى نظرية التطوّر لتسويغ تجديد التفكير الديني. كما تمادى بعضُهم وأسرف في توظيف فرضيات ونظريات وقوانين العلم الجديدة في تفسير القرآن، مشدّداً على التوأمة بين العلم والقرآن الكريم، إلى الحدّ الذي أضحى معه النصُّ القرآني بمثابة كتاب لا مضمونَ له، ولا يكتسب مضمونَه إلا بإسقاط معطيات العلم الحديث ونظرياته واكتشافاته (5).

يتّسع قانونُ التطوّر في منظار الخولي ليشمل اللغةَ أيضًا، مثلما يشمل الظواهرَ الأخرى في الاجتماع البشري كافة. فهو يرفض المواقفَ اللاعقلانية في التعاطي مع العربية، بوصفها استثناءً من لغات العالم، لذلك لم يقبل ما يقال عن: ” فضل العربية .. وكمال العربية .. وانتهاء العربية إلى ما لاشيء بعده” (6). وشدّد على أن العربيةَ ليست استثناءً من اللغات البشرية، فكلُّ لغة كائنٌ اجتماعي حيّ، يحيا ويتطوّر تبعا لسنن الحياة وتطوّرها، وأن اللغةَ بطبيعتها أكثرُ حيويةً ومرونةً وإمكاناتِ تحديث من سواها، ففيها على الدوام كلماتٌ تموت وتندثر، وأخرى تتوالد، أو تنحت، لتثري معجمَها، وتعزّز رصيدَها التداولي. وذلك ما يوضحه الخولي بقوله: “فاللغة من أشد المظاهر الحيوية لينًا، وأقلها تصلبًا وتحجرًا، وأطوعها للتطور، وقدماؤنا يدركون هذا واضحًا، حين يتحدثون عن تهذيبِ اللغة وعواملِه، وحين يقرّرون أن الاستعمالَ يحيي ويميت، ويقبح ويحسن، وحين يصفون تداخلَ اللغات، وما إلى ذلك من دلائل الشعور بتأثر اللغة بالحياة تأثرًا قويًا” (7).

وفي لفتةٍ بالغةِ الدلالة يتحدّث الخولي عن مأزقِ الفصحى، والازدواجِ اللغوي بين الفصحى والعامية، وكيف أننا نتحدّث بلغةٍ غيرِ تلك التي نفكّر ونكتب ونقرأ فيها، فسعى للكشف عن الجذور التاريخية لذلك، وكيف أن المنهجَ الذي اعتمده المعجميون الأوائل في جمع اللغة تبنّى لغةَ البدو في الصحراء العربية خاصة، إذ استبعدوا كلَّ كلمة تدلّ على ما هو شائعٌ في المدينة والحواضر المعروفة؛ لذلك اغتنت العربيةُ بكلمات البادية، وما يدلّ على الظواهر الطبيعية والحيوانات والنباتات والعادات والتقاليد والأدوات والأشياء والصور والحاجات السائدة في نمط الاجتماع القبلي، في حين افتقرت الى ما هو معروفٌ ومتداوَل في المدن. وكأنه هنا يلمح الى أن العربيةَ مازالت مرآةً لحياة البداوة، وأنها مشبعةٌ بنمط ثقافتها، فرؤيتُها للعالم ضيقةُ الأفق، وإيقاعُ التحوّل والتغيير فيها بطيء، خلافاً للغة المدينة التي تغتني بالكثير من الألفاظ الدالة على ما يسود حياةَ الحواضر المدينية من أشياء وأفكار. من هنا ضاقت عربيةُ القبائل البدوية في العصر العباسي عن استيعاب ما تفشّى في الاجتماع الإسلامي من أشياء وأفكار لم تعرفها الباديةُ من قبل، فعوّضت ذلك بالاستيرادِ من غيرها، واشتقاقِ وتوليدِ ألفاظ جديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الخولي، أمين. المجددون في الاسلام. ص 45.
2 ـ وردت في الرسالة الثامنة من الجسمانيات الطبيعية في رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء أشارات لنظرية التطور. بيروت: دار صادر، ١٩٥٧ ، ج2: ص ١٧٨ وما بعدها.
3 ـ الخولي، أمين. المجددون في الاسلام. ص 17.
4 ـ الخولي، أمين. كتاب الخير. ص ٥٧، 66.
5 ـ أسرف في تطبيق هذا المنهج الشيخ طنطاوي جوهري ( 1870 – 1940) في تفسيره: الجواهر في تفسير القرآن الكريم، كما تحدثنا عن ذلك في فصل 6 في الطبعة الثانية من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
6 ـ الخولي، د. يمنى طريف. أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد. ص 42، عن: . 56 د. حامد شعبان، أمين الخولي والبحث اللغوي، ص 16.
7 ـ الخولي، أمين. مناهج تجديد. ص 17.