في نقد التعامل مع “الآيات التدينية” في القرآن الكريم

في لقاء مفتوح أخير بمؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، بصالون جدل بالرباط، مع المفكر المصري عبد الجواد ياسين (12/01/2019)، اثارني جوابه على سؤال طرحه أحد الحاضرين عن آيات الأحكام في القرآن الكريم، والتي يعتبرها من معالم التدين في النص القرآني لا الدين؛ حيث ذهب عبد الجواد ياسين إلى إسقاط كل تعال عن هذه الآيات، وهو في نظرنا ما يتوافق، بشكل من الأشكال، مع الداعين جهارا إلى إسقاط الآيات التاريخية، أي ذات الصلة الوثيقة بأحداث ووقائع مخصوصة في زمن التنزيل وسياقه الاجتماعي والتاريخي والانتروبولوجي.

ولنا على هذا الفهم اعتراضات من بينها:
– بغض النظر عن الاختلاف الذي قد يلحق التمييز بين آيات الدين وآيات التدين في النص القرآني، أي آيات القيم المتعالية والروحية والأخلاقية الكلية العابرة للأزمنة والأمكنة وآيات التقنينات والأحكام المرتبطة بطبيعة الإشكالات المطروحة على الرسول صلى الله عليه وسلم زمن التنزيل وفي سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي المخصوص، فإن ثمة إغضاء عن البعد المتعالي في آيات الأحكام نفسها، والذي تستمده من الوحدة العضوية للنص القرآني من جهة، بحيث تتجاور وتتحاور وتتآثر وتتبادل التحديد مع آيات أخرى في نسيج قرآني يعيد بناء دلالية النص في أفق روحاني وشعائري ينطلق من التاريخ لينفصل عنه، وذلك ما يسعف فيه الترتيب “التوقيفي” للآيات، والذي لا يلتزم بالشروط التاريخية ليشيد أفقا دلاليا متعاليا تصير فيه للغة كينونة روحية تلبي أشواقا وتنسج بواطن وتستجلب طاقة جوانية تنتظم في إدراك إيماني يتعذر وصفه بالأدوات المفاهيمية التاريخية أو الوضعانية.. هذا الإدراك هو الذي يدعمه التجاور والتوالج البنيويين بين الآيات في النص كيفما كانت طبيعتها “الدينية”او “التدينية”، مثلما تدعمه التلاوة الشعائرية لتلك الآيات في الصلاة والتنسك والتعبد.

– إلى جانب هذا التعالي الذي تستمده الآيات “التدينية” من داخل النص، ومن تلقيه الشعائري والروحاني، ثمة أفق آخر في تلقي النص القرآني يلغي ذاك النزوع إلى إلغاء التعالى وإسقاطه عن تلك الآيات، وهو تلقيها الإشاري العرفاني في التفاسير الصوفية للقرآن الكريم، بحيث يتم تأشير (من الإشارة الصوفية) تلك الآيات، وفتح دلالاتها على آفاق إدراكية روحية تنسجم مع كليات النص الروحية والأخلاقية، وتضمن لها الاستمرار في “التدليل” وإنتاج المعنى خارج سياقاتها التاريخية، و ذلك بما يلائم بنية النص وتلقيه الشعائري والروحاني. وهو أفق ظل منسيا في قراءة المفكر عبد الجواد ياسين، ومن يسير في اتجاهه.

– الأمر الثالث، أنه يمكن، وخارج التلقي التعبدي او الإشاري للنص، قراءة تلك الآيات “التدينية” قراءة تاريخية تأويلية لا تاريخوية وضعانية؛ بمعنى أن لا نقصيها ونسقطها بذريعة ارتباطها بسياق تاريخي انتهى وانقضى وتلاشت معطياته ومحدداته، بل أن نميز فيها، إذا استعرنا لغة المفكر المغربي عبد الله العروي في “نقد المفاهيم”، بين “الموقف” و”المضمون”، فقد يكون المضمون تاريخيا، لكن الموقف أي منطق التعامل مع الحدث في السياق المخصوص هو المشمول بالتعالي، وهو أفق مفتوح للاستنباط وتجديد القراءة والتأويل متى ما توافر شرطا الاجتهاد العقلي والمجاهدة الروحية، وهما شرطان متضافران لا ينفصلان في القراءة العقلانية الإيمانية. ولعل هذا هو الأفق الذي يجب فيه تجديد فهم القاعدة الأصولية التي تقول بالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ ربما وجب الأخذ بمنطق الحكم وفلسفته الأخلاقية والروحية الكامنة فيه، لا الأخذ بمنطوق الحكم الذي تغيرت شرائطه التاريخية. وهنا يبدو وكأن الحكم الوارد في الآيات التدينية في ذاته ذو وظيفة بيداغوجية لاستبطان الموقف والمنطق لا المضمون والمنطوق.

هكذا نخلص إلى أن ثمة أبعادا تدعونا إلى رفض المزالق التي يقودنا إليها توجه الأستاذ عبد الجواد ياسين الذي شرحه في كتابه “الدين والتدين” وأكده في لقاء “مؤمنون بلا حدود”، وسار فيه غيره إلى حد الدعوة إلى حذف آيات من القرآن الكريم. وهي دعوة، كما يبدو، داحضة متهافتة، ولا يمكن أن تشكل في نظرنا مدخلا للإصلاح أو التجديد أو التنوير .
محمد التهامي الحراق