الموسيقى وتوسيع الوعي والإدراك

المحجوب مزاوي

يمكن تغيير حالة الوعي بقراءة الكتب المقدسة، أو تأمل الحقائق الروحية الكبرى، أو بالذكر المتواصل أو بواسطة التجربة العاطفية أو الجنسية العميقة أو عن طريق تأمل الطبيعة والتملي بجمالها على طريقة الطفل حين يكتشفها لأول مرة …أو عن طريق التجربة الفنية والجمالية…

فكل هذه التجارب والخبرات لها تأثير على “الشاكرا” أو مراكز الطاقة في الجسم ، ولها تأثير على الهالة وقوى عقل الإنسان.. وبالتالي فإنها تؤثر على حالة الجسم ووظائف أعضائه وتجعل للعقل استعدادا لتلقي أشياء خارج المألوف ….

وتتميز التجربتان: – الموسيقية والجنسية على وجه الخصوص- برفعهما لاهتزازات الجسم الأثيري اللا مرئي الذي يتخلل الجسم العضوي، بحيث تسهلان الدخول إلى العالم اللامرئي الذي يسميه البعض “عالما باطنيا”، ويسميه آخرون “عالما أثيريا”، ويسميه نفر ثالث “العالم النجمي” ويسميه نفر رابع “العالم الروحي”.. لا تهم الأسماء والألفاظ في هذا المقام …

كما تشكل الموسيقى والجنس مدخلا فعالا ووسيلة لإدراك ذلك العالم اللامرئي والبلوغ إلى الكشف والمشاهدة…

فالموسيقى الرائعة والاتصال الجنسي الفعال ( المشبع والمتكرر) يجعلان الجسم الأثيري يشتغل بشكل أقوى ويؤهلان الإنسان لاستخدام العين الثالثة والخروج من الجسد….

طبعا لا يتعلق الأمر بأي موسيقى كيفما كانت بل بالموسيقى الراقية التي توحي بجمال الطبيعة والنبل والقيم الإيجابية وعالم الروح وكل ما هو سام وراق…

فهناك في المقابل موسيقى صاخبة ومزعجة وخارجة عن المقاييس الفنية المألوفة ، وهناك موسيقى مستخرجة من الطلاسم السحرية القديمة (ولو دون شعور ملحنها)، وكلاهما سلبيتان وتدخلان المطبق إلى الباطن الظلماني …

كما لا يتعلق الأمر بأي اتصال جنسي كيفما كان بل بالاتصال المشروع الذي يملؤه الحب والرحمة والشفقة قبل أن تملأه الغريزة والشهوة والوخز الطاقوي …

ويذكر الكاهن البوذي لوبسانغ رامبا Lobsang Rampa في واحد من مؤلفاته ما معناه أن الجنس المقدس والجنس المفعم بالمحبة الصادقة يجعلان جزيئات الجسد تأخذ اتجاها واحدا ويسهلان الترقية الروحية وانطلاق قوة الكونداليني من عقالها في اتجاه الدماغ عبر العمود الفقري. مما يمكن الإنسان من تحصيل قوى واجتراح خوارق فيزيقية (طاقوية) ومعرفية .

واليوم سنتحدث عن الموسيقى كوسيلة لتوسيع الوعي وتطويره والبلوغ إلى النشوة الروحية ..

وأول ما نذكره أن الصوفية يستخدمون ما يسمى “بالسماع” للبلوغ إلى حالة الوجد..

ففي السماع تتفاعل المعاني التي تحملها الكلمات مع الأنغام الشجية فتوصل المستمع والمتلقي إلى شيء ثالث لا يستطيع الصوفي التعبير عنه بالكلام وهو ما يسمى “حالة الوجد”. (وبالمناسبة لا أنسى أن أذكر أن الصوفية بحثوا أيضا في أسرار الجنس وتأثيراته ووظفوه في الترقية الروحية ).

وقد يحدث في بعض الظروف أن يعيش العقل بسبب إحدى الخبرات السابقة التي ذكرناها، تجربة فنية من الدرجة الثانية تنتج عن تمازج وتفاعل العوامل المؤثرة… وهي تجربة إذا ما تم تعميقها كانت مقدمة إلى الروحانيات والخبرات الباطنية….

أذكر أنني في بعض حالات الخلوة الروحية والتأمل العميق أو الذكر المتواصل كنت أحس بالموسيقى بشكل مختلف وكأنني أعيد قراءتها من جديد فأكتشف فيها ما لم أكتشفه أثناء الاستماع إليها في السابق. وأدخل في حالة وجد لا إرادية .. وقد أذرف دموع فرح غير مفهوم ، ليس من السهل تحمّله … وأكثر من ذلك فإنني أصبح آنذاك شديد الحساسية إزاء معاني ومواقف إنسانية نبيلة ولقطات في أفلام ، وعبارات في كتب ونصوص، وحقائق وجودية كانت من البديهيات التي لا ينفعل لها العقل في حالاته العادية ، لكن الحرارة تغير طعم الأشياء … والحرارة تنبعث من التطبيق …

حدث هذا منذ عشر سنوات تقريبا… حين سافرت من الرباط حيث أقيم إلى قرية “أغبالو” في الأطلس المتوسط لأزور عائلتي هناك( أمي وعمي وأخوالي ) .. وقررت أن أرفق سفري بالتأمل والذكر المتواصل وأن أقرأه سرا وعلانية، ونطقيا وذهنيا دون انقطاع…

وعندما كانت السيارة تقطع بي الوديان كنت أشاهد الجبال الشامخة وما فيها من أشجار باسقة وصخور ومياه وأتذكر أن داود عليه السلام سخرت له الجبال وكانت تسبح معه بالعشي والإبكار فأذكر عظمة الخالق وأستمر في القراءة .

وبعد أن مكثت عند عائلتي لمدة ثلاثة أيام تقريبا عدت إلى الرباط وبقيت مواظبا على نفس الذكر… فشعرت بأن عقلي أصبح ساخنا وأنه دخل في حالة وعي مختلفة… وعندما وصلت إلى المحطة الطرقية المعروفة في الرباط باسم “القامرة ” امتطيت سيارة أجرة زرقاء ما زلت أذكر ملامح سائقها الشاب بسبب ما سيأتي ذكره …

وعندما انطلقت بنا السيارة في اتجاه الحي الذي أقطن فيه، فتح الراديو كاسيت فانبعثت منه موسيقى أغنية “راي” معروفة للشاب نوفل والشابة زينة (التي أصبحت تسمى الداودية فيما بعد ). وكان عنوان الأغنية “لا يا أمال”.. وقد سبق لي أن سمعتها في منزلي مرارا وتكرارا – بطبيعة الحال- وكانت تعجبني إلى حد متوسط لا يستحق التنويه …

ولكن في تلك اللحظة التي كان فيها عقلي ساخنا ومشحوذا أحسست بتلك القطعة بشكل مختلف وكأن فجوة انفتحت فيها .. بل وكأنني أكتشفها لأول مرة…. وشعرت باهتزازات وبشيء يتسرب إلى الجسم ويجعل فيه تنملا…. وبعد ثوان معدودة أحسست بأن الطاقة تجاوزتني وانتقلت إلى السائق … وتوقعت أن يصدر عنه رد فعل يؤكد ذلك ..

فالتفت إلي فعلا ، بشكل فجائي وقال معلقا دون مقدمات : “وازوينة هاذ الموسيقى”… “جميلة هذه الموسيقى”…( ليس من عادة سائق طاكسي أن يحدث زبونا، دون مقدمات عن أغنية مألوفة لديه تنبعث من المذياع أو الراديو كاسيت)….

فأجبته والدموع في عيني بسبب التأثر : ” نعم جميلة، وهاهو الدليل عليها في عيني.. ألا ترى الدموع ؟ ” .

نظر إلي نظرة استغراب وقال متأثرا: ” مسكين. “لعلها الربطة الزغبية” لعلها ذكرتك بقصة حب أو شيء من هذا القبيل ؟”.. .

فأجبته مصححا وبصدق: “لا لا… إن الأمر يتعلق بتأثير الموسيقى فقط ..لا غير”…

فقال: “هذا أمر عجيب” .

وسرعان ما تزايد لدي التأثر وكدت أطلق العنان لمزيد من الدموع… لكنني تماسكت حتى لا يظن الرجل أن بي مرضا نفسيا أو مسا من الجن….

فعاد يقول : ولماذا أبكتك الأغنية ؟
فقلت له بعد تردد : لأنني قرأت الذكر كثيرا خلال الأيام الأخيرة فارتفعت حرارة العقل وأصبحت أتذوق الموسيقى بحس جد مرهف .. وأحس بما فيها من طاقة ومعان خفية …

لكن الرجل لم يفهم كلامي مائة في المأئة. وقد توقعت ذلك. ولكن كان لا بد من إعطاء جواب ..
أتوقع أن يتساءل في عجَب : “ما العلاقة بين الذكر والموسيقى ؟” “أليست الموسيقى مرتبطة في ثقافتنا بالفسوق بينما الذكر مرتبط بالعبادة والصلاح والتقوى ؟ ”

اقتربنا من المنزل فأوقف السيارة وقال لي متعجبا : ” والله لم يسبقْ لي قط أن رأيت شخصا مثلك.. أتمنى بحق أن أتعرف عليك ..

” فأجبته قائلا : “لا .. إن أمثالي كثيرون لكنهم غير معروفين … سنلتقي يوما ما إذا ما كتب الله ذلك” ..

لن يفهم الرجل أن الذكر المتواصل يؤثر على “الشاكرا” ويجعلها تشتغل بشكل أقوى ويقوم بتوسيع الوعي والإدراك فيتمكن الإنسان من تذوق الأشياء والمعاني والأنغام والمأكولات (بل والجنس ولم لا ؟) بشكل مختلف …

لعل الثقافة الباطنية المسيحية كشفت بطريقة مفصلة ومنهجية عن العلاقة بين الموسيقى والروحانيات.. فالعلامات الموسيقية (“دو ، ري مي فا صول، لا ، سي) تشير إلى علاقة يوحنا المعمدان (أي النبي يحيى عليه السلام) بالصوت والكلام والولادة (لأنه ولد بعد أن توقف زكرياء عليه السلام عن الكلام لمدة ثلاث ليال ) .. وتشير إلى علاقة الموسيقى بالرحم والأفلاك وعالم الروح .. وذلك ما سأتناوله بالشرح في مناسبة قادمة بحول الله ..

المصدر: صفحة الكاتب على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وهذا رابطها:

https://www.facebook.com/elmahjoub.mazaoui