تفكيك خطاب العقل النخبوي الاحتجاجوي العربي

الرئاسة بالكرسي المتحرك… ” احتجاجات رفض نخب الجزائر أنموذجا “!!
هل يمكن عزل فهم ما يحدث في الجزائر راهنا؛ عن كونه هزة مرتبطة بنطاق الموجات الارتدادية الزاحفة بالتتابع إلى دول المغارب العربية؛ في إطار ” الجيولوجيا السياسوية ” لزلزال الربيع العبري ” الأميركي؛ أو ما جرى ترسيخه استخباراتيا، وتسميته بــ (الربيع العربي)؛ والذي ساهم مسبقا في تجريب إنتاج وضع فسيفساء عصيانوية؛ من الأعراق والمذهبيات، عبر تفجير دول المشارق العربية ؟!

بدأت المسألة من ” تونس الخضراء ” بلد الفكر التنويري؛ ثم تواترت إلى بقية الخريطة؛ وأخذت مغاربيا في طريقها ليبيا، فالجزائر راهنا، فيما المغرب وموريتانيا الواقعتان في المجال الارتدادي لا تزالان في الانتظار المريب بسيناريوهات يعلم نوعيتها الله ومدى خصوصيتها أو عموميتها.

إن التغافل عن ربط تلك الظاهرة في الجزائر بمحركاتها المضمرة وأيضا المشهرة؛ يمكن أن ينتج قراءة غير صائبة لذلك الحدث؛ ويرسخ قناعات على درجة كبيرة من فعل الإضلال، إذا لم يدرج الأمر ارتباطا بسيناريو تجارب تدمير الدولة الوطنية؛ ذات الهوية القومية، نظاما مماثلا لما حدث في العراق وليبيا وسوريا واليمن؛ والذي أفلتت من تطبيقه الدولة المصرية بفعالية احترافية.
*****
لذلك فالجهد التفكيكاوي لفعاليات ارتدادات ” زلزال الربيع العبري ” في الجزائر، والربط هنا من الضرورة؛ ينبغي أن يتجاوز ضوضاء استثارات إقدام الرئيس بوتفليقة لفترة الرئاسة الخامسة المشهورة بــ ” العهدة الخامسة ” على الرغم من حالته الصحية؛ وذلك لتحديد والإمساك بطبيعة نوعية الصخور التي تهتز ارتدادا في دولة الجزائر.

إذ الرجل الذي يدفع للحركة على مقعد؛ تجده أكثر إصرارا ـ من منظوره وأجهزة نظام دولته ـ لمواصلة تحمل عبء مسؤولية قيادة مجتمع كبير ومعقد؛ ومعتمل بالتحديات الداخلية والإقليمية والأمنية الكبيرة.

وهذه التحديات البنيوية، تضع بوتفليقه مضطرا تحت ضغوط تواصل التزامه بالبقاء في سدة الحكم لإدارة ـ من منظوره أيضا ـ تلك الضغوط الاستراتيجاوية الحافة بالجزائر؛ انطلاقا من طبيعة الروح الأبوية؛ التي يتمسك بها الحاكم العربي. وهي مسلكية لها أسانيدها العقدية والطبقية والميراثوية في المنطقة بكل خصوصيتها الثقافوية العميقة بنهج ” عدم الخروج على الحاكم أنموذجا “.
*****
كذلك فالأمر حين محاولة فهمه، يكون ملتصقا بالبحث عن تقدير أوزان قوى الاحتجاج في الشارع الجزائري؛ وهي في عموميتها الظاهروية تشهر الغضب؛ متوحدة بدافعية مطالبات رفع الأجور؛ وتعديل السياق الوظائفي، في مناخ جامع بين الأساتذة والمعلمين والأطباء والمحامين؛ وعمال الخطوط الجوية؛ ومتقاعدي الجيش الجزائري؛ وسواهم ممن جمعتهم المطالبات المعيشية؛ ويحف بمحيط هؤلاء جموع الطلاب كقوى إشعال مقولبة بالدافع الجمعوي للفضاءات الافتراضوية لـ ” فيس بوك ” و ” تويتر “.

وهذه الظواهر تشكل دوما البيئة الحاضنة للتحشيد العشواءوي للجماهير؛ والذي جرت تجربته مسبقا في دول تطبيق زلزلة ” الربيع العبري “؛ ويقام بتجهيزها، لاستصناع أرضية قفز القوى والعناصر المتمرسة بخبرات التحكم باتجاهات القطعان في الشوارع والميادين وتحريكها؛ وهي القوى المدعية احترافيا الارتباط بالاحتياجات الفئوية؛ لذلك لا يجري الانتباه لقياس أفعالها؛ كأيدي تتسلل لتشعل أعواد الثقاب.
*****
إن قراءة الصور الراصدة للتجمعات الاحتجاجوية الراهنة في الشوارع الجزائرية؛ تكفي لوضع اليد على المناخ الضاغط في خطاب الاحتجاجات؛ فمع مشروعية المطالب الاجتماعوية المحركة للاحتجاج؛ والتي تأتي نتيجة انهيارات المقدرة الشرائية للمواطن الجزائري؛ فينبغي إدراك حدوثها بفعل بروز تأثيرات ضغوط النهج التقشفي المنتهج حكوميا خلال السنوات الأخيرة، سعيا لضبط الأمور الاقتصادوية في الدولة.

وهنا يمكن الإمساك بنسق اللغة الشعبوية المتمترسة عبر كشف المضمر السياسوي؛ أي ذلك الفاعل الذي يسرق ربط الظاهرة الاحتجاجوية عن دوافعها الكامنة؛ إذ أن الغضب النخبوي المشتعل في الشوارع الجزائرية؛ وبعض الشوارع الأوروبية التي تتواجد بها الجاليات الجزائرية يكون مستترا بقوائم الاحتياجات الفئوية؛ لكنه في الوقت عينه يعكس منظومة المتشوقات السياسوية لتلك النخب؛ والتي تنامى الإشهار لها عبر الارتدادات الزلزالية الحادثة في دول المنطقة.

وإذا كانت التجربة الاحتجاجوية الجزائرية الراهنة تشهد كثافات متنامية في التجمهر؛ فإنها في خطاب نخبتها التي تستهلك منطوقات خطاب الليبرالية الجديدة كما توصف في أدبيات علوم السياسة؛ لا تغاير منطوقات الخطاب المعمم؛ والمتعارف عليه في المنطقة، والذي مارست إشهاره بقية النخب العربية المماثلة في حالة ” نمط تثورنها الثقافوي ” المصالحي الرجراج؛ وفق تجربة كل منها في بلدانها؛ أو أجندتها الخاصة؛ ومجملها يدور في مجالات حواف ” المتشوق الديموقراطي “؛ والدعوة لتبادل السلطة؛ وحرية القول والفعل؛ وتحكيم الصناديق؛ وكل ذلك يجري الصراخ به مختبئا تحت عباءة الحاجة الشعبوية؛ والفقر وعدالة تبادل السلطة.
*****
إن بنية الخصوصية الجزائرية الاحتجاجوية تكمن أيضا في الارتكاسات التي طالت المشروع التنموي الجزائري، بعد فيض مشروع دولة الثورة التحريرية؛ والذي أطلق زخم النماء البشري السكاني؛ ولكن نتيجة التعثر الدولاتي في استكمال مشروعاتها المرتبطة بمعالجة خلل الفرنسة في اللغة؛ والتعليم واحتدادات النسق الاجتماعوي؛ والتحول التدريجي باتجاه النمط الاقتصادوي العولمي؛ حدث البروز المتوحش لما يسمى ” الإسلام السياسوي ” بدعوى الحفاظ على العقيدة واللغة والهوية؛ من ” هيمنة الفرنسة “؛موازيا لنشوء اتجاهات اللبرلة لدى المراحل العمرية الشابة.

إن المعضلة البنيوية التي ينوء بها كاهل الدولة الجزائرية؛ تتعلق بتاريخ الصراع الداخلي؛ والذي أجهد هذه الدولة كثيرا؛ بما أحدثته ما تسمى ” الجبهة الإسلامية للإنقاذ “؛ وما أبرزته من نزوع تفتيتي لبنية الدولة المستقرة؛ بغرض التخليق القسرى لمتوهم ” الدولة الإسلامية ” في الصحراء الغربية، اقتطاعا ـ حسب المصادر المرجعية ـ من أراضي الجزائر ومالي والنيجر!

وكل ذلك يحدث في إطار اللعبة العولمية باختلاق انتزاع حالة هيمنة الدولة الجزائرية على مواقع النفط والمعادن الثمينة ذات الندرة الأخرى؛ وتوفير تمكينها للجماعات الساعية لهدم الدولة؛ تماثلا مع ما حدث في ليبيا والعراق وسوريا، إذ استحوذت ” جماعات وفرق الإرهاب المتأسلم ” على مصادر الطاقة النفطية، وقامت ببيعها بأبخس الأثمان للدول الراعية استخباراتيا؛ والدول التي تساعدها في الإمداد بشراء أسلحة تدمير الدولة الوطنية، واحتراباتها الداخلية مع قوى النظام ” الجيش والشرطة “.

وقد كان لتماسك وتعاضد مكونات الدولة الجزائرية شعبويا؛ أن تمكن جيشها الوطني من حسم التحدي الذي فرضته الجبهة الإسلامية عليه؛ والقضاء في فترات قيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على ذلك المتوهم السياسوي الإسلاموي؛ فضلا عن ترسيخ قدرة الدولة الجزائرية على امتلاك مقدراتها المستهدفة؛ مع إتاحة الفرصة لبعض الانفراجات المدنية فيما يتعلق بالكتلة الأمازيغية.
*****
وهنا يثار التساؤل المنطقي: ما الذي يدعو الرئيس بوتفليقه بحالته الصحية وضغوط المسؤولية ليواصل البقاء في موقعه؛ حتى وإن مرر خطابا للمعترضين على إعادة انتخابه بأنه سيستمر في موقعه لمدة عام واحد فقط؛ بعده يعاد تنظيم الانتخابات بخروجه من موقع السلطة. ومع تشكيك نخب المعترضين في ذلك التوجه؛ لكن ينبغي قراءته من منظور الضرورة الوطنية المرحلية وضغوط إدارة الأزمة.

أي أن غياب بوتفليقة من موقعه بشكل مباغت، ونتيجة تخليه عن مواصلة القبض على السلطة؛ قد يحدث ارتباكات في استراتيجيات إدارة الأزمة المتعلقة باستكمال خطط التنشيط التنموية الجارية؛ ويعطل مواصلة توجهات تطهير أبنية السلطة من الفساد المتحقق في فترات الاندراج بنمط الانفتاح الاقتصادوي الذي شهدته الجزائر في مرحلة ” الشاذلي بن جديد “؛ ضمن إطار مراحل الانقلابات الاقتصادوية على نمط التنمية الوطنية التي شهدتها المنطقة في مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار القديم؛ ثم التغيير إلى نمط تنشيط الرأسمالية المحلية؛ وهي في الأغلب تكون رأسمالية طفيليوية تابعة.
*****
إن العقل التفكيكاوي ينبغي أن يقرأ بإدراك خريطة التكوينات السياسوية المشاركة في حراك الشارع الجزائري؛ وأن يتصور المضمر المسكوت عنه لدى كل فريق:

** لماذا لا يكون الرهان المعترف به دوما، هو نتائج الصندوق بعيدا عن حجب الترشح أو منعه للراغبين في خوض معركته؟ فلماذا لا تراهن النخب على التحشيد ضد بوتفليقة؛ طالما أن لديها القدرة على فرض الفعل التصويتي والتحكم في نتائجه؛ ليخرج بوتفليقة بنتيجة تكون درسا لكل متشبث بالكرسي؟ أم أن المسألة كما اعتاد الجمهور من نخبته … لعبة احتشادات وشعارات؟!

** لماذا لا تتفق كل القوى والتيارات الجزائرية المعارضة على التوحد؛ واختيار مرشح واحد تتكتل خلفه وهي تقف في مواجهة الرئيس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ أم أن لعبة تقسيم التورتة ستفجر الصراعات بينها وتذهب ريحها الفاعلة للاحتشاد؟!

** لماذا لا يصار إلى قراءة خريطة القوى السياسوية بدقة من خارج الصندوق الانتمائي؛ لحساب وتحديد المشروع الحلمي المستهدف لكل تلك القوى: الطلاب والمثقفون والمهنيون يحلمون بتعميق التوجه إلى ” متخيل الدولة المدنية “؛ والعقديون المنتمون لما يسمى الإسلام السياسوي وروافده البنائية المتأخونة والماضوية المشهورة بالسلفية والصوفية يتشوقون لتنفيذ حلم ” متوهم الدولة الدينية “؟!

** لماذا لا يقوم العقل الجمعوي الجزائري بإجراء حسابات الحقل والبيدر لقياس مقدار النتائج المتوقعة؛ ومدى كارثيتها لو انفلت من جديد عقال الصراعات المسلحة داخل المجتمع الجزائري؛ والمشابهة لما يسمى في الخطاب الجزائري مرحلة ” الحرب الأهلية ” السابقة؛ وتأثيراتها التدميرية على الشعب الجزائري؟

** لماذا لا يقوم العقل الجمعوي الجزائري، بقراءة دلالة الشعارات التي يحملها جمهوره في اللافتات المرفوعة خلال تظاهرات الاحتجاجات؛ ويتلمس مدى الدسيسة التي يمررها العقل النخبوي المتسيس؛ وخروجها عن النسق الإنسانوي؛ مثل رفع لافتة لكرسي الأشخاص المقعدين؛ قاصدا التشهير بالحالة المرضية للرئيس بو تفليقة؟!
*****
الاحتجاجات المشتعلة راهنا في الجزائر لرفض ترشح الرئيس بوتفليقة للعهدة الخامسة؛ تقود البلاد إلى مناخات ذات دلالات سوداوية وفق حسابات المراقبين؛ والتي تكشفها لوحة إشهارية تمثل إهانة بدلالاتها العنصرية حين وضع مصممها علامة (إكس) على المقعد المتحرك الذي يستخدمه الرئيس بوتفليقة؛ لتقول
احتجاجات نخب الجزائر… نحن نرفض الرئاسة بالكرسي المتحرك!!
رأفت السويركي