وقفات أولية مع ثلاثية غرناطة لرضوان عاشور

ثلاثية غرناطة للأديبة الأريبة رضوى عاشور، من أمتع ما كُتب في الرواية عن الظاهرة الأندلسية وخاصة الموريسكية منها؛ إذ تجلي فيها معاناة ومحنة أهل الأندلس تباعا بعد سقوط ممالكهم، ليستقر بهم الأمر في غرناطة.

تبدأ رضوى روايتها من تشخيص الواقع الذي آلى إليه أمر الأندلس وغرناطة بعد توقيع اتفاقية الجلاء للمسلمين من أراضيهم؛ لتدخل بذلك حجم المأساة النفسية والوجدانية الذي لاقته الأسر الأندلسية التي وجدت نفسها بدون جريرة تحت طائلة الهجرة أو التنصير أو التعذيب أو السجن أو إزدواجية شخصيتين في آن واحد.

بعدها تجدي الوصف في أحوال أهل غرناطة الذين بقوا على دينهم وعاداتهم وثقافاتهم، ولم يسيروا نحو ركب التنصير المفروض قسريا عليهم؛ من خلال تصوير دقيق للأمكنة والشوارع والأزقة الأندلسية، وكذا ليومياتهم في الليل والنهار، ولاجتراحهم في عاداتهم، وأعمالهم، وحِرفهم، ومأكولاتهم، وأفراحهم، وأحزانهم، وكل ما يتعلق بحياتهم، مما يمكن أن يُخيل بالقارئ أن الكاتبة تنتمي إلى تلك الحقبة من الزمن وهي التي لم تزرها حتى.

تنبع ثلاثية غرناطة رونقها في التتبع الدقيق لخيط عائلة أندلسية تناسل أفرادها داخل حي البيازين بغرناطة الذي بقي محافظا على معتقداته وعاداته، لتجعل منها تلاقي أصنافا من الابتلاءات والسجون والتعذيب والتنكيل والتهجير القسري؛ فمحاكم التفتيش التي تنوعت أساليبها الوحشية في التمثيل بالإنسان الأندلسي، وتعذيبه بأشد آلام الآلات والمعدات التي ابتكرتها الكنيسة الكاثوليكية لكل من امتنع عن التنصير، كلها ستصيب منها عائلة أبو جعفر التي تمثل شخصياتها أغلبية الرواية.

حرق الكتب، التنصير القسري، منع إستعمال اللغة العربية، التعذيب بالنار لحد الموت، اختطاف الأطفال، فرض اللباس والأسماء واللغة القشتالية بالقوة، تحويل المساجد إلى كنائس، الامتناع عن العادات والتقاليد في الأفراح والأتراح، فرض العادات النصرانية بقوة الحديد والنار، فرض الجزية والإتاوات، فرض الرق على الناس وبيعهم في الأسواق…كلها أساليب استعملها القشتاليون ضد أهل غرناطة لتغيير الطبيعة الديمغرافية للجغرافيا الأندلسية، وهو ما سيفرز الشخصية الموريسكية التي ستبدأ معاناتها بمجرد كونها ذات مستقلة وجدت نفسها تطاردها العيون، وتنتظرها غياهب السجون، وتفتك بها آلات الجحيم من التعذيب بالتقطيع للأطراف، وتعليق الجثث في الطرقات والشوارع، ليستقر بها الأمر نحو العصيان المدني كما حدث مرارا بطرقات البيازين، أو الانضمام إلى الثورات الشعبية كما حدث في جبال البشرات، أو اختيار الهجرة إلى الجنوب في تونس والجزائر والمغرب.

ثلاثية غرناطة كُتبت في زمن ألهمت الكثير من الكتاب والباحثين والروائيين للخوض في الشأن الأندلسي عامة والموريسكي خاصة، بالكتابة والبحث والمحاضرة، والتداول حول القضية الموريسكية حقوقيا وحضاريا وإنسانيا ووجوديا.
إلياس الهاني