ما هو الربا المحرّم في اصطلاح القرآن الكريم ؟

الجزء الأول
الربا المحرّم في القرآن الكريم هو الربا في الحقيقة العرفية الجاهلية وليس ما تعارف عليه المسلمون بعد نزول القرآن ، لأنه نزل بلغة عرب الجاهلية وخاطبهم بلسانهم ، ولم ينزل بالمفاهيم التي ظهرت بعد البعثة .
والربا المعروف في الجاهلية هو ربا النسيئة أو النَّساء – وهو أن يكون على الرجل دين / قرض / سلف إلى أجل مسمى ، فإذا حان الأجل وتعسّر عليه الأداء زاده الدائن ( صاحب الدين ) في الأجل مقابل الزيادة على رأس المال ، وإلا تعرّض للإهانة والعقاب الشديد كأن يرهن أحد أولاده أو نفسه، وغالبا ما يكون المقدار الزائد على رأس المال مجحفا يفرضه الدائن مستغلا وضعية المدين المتأزّمة .
والدّين قد يكون سلفا محضا ، أو ثمنَ سلعة لم يحضر حين البيع فيصير دينا على المشتري ، ولذلك قال الله جلّ جلاله في سورة البقرة – الآية 275: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا )
وذلك لأنهم كانوا يزعمون أن الزيادة المالية مقابل الزيادة في الأجل شبيهة بالربح الذي يأخذه التاجر البائع على بيعه ، والواقع أن تلك الزيادة بعد انقضاء الأجل الأول ليست مماثلة للأرباح التي يحدّدها التاجر لسلعته ، بل هي استغلال لحالة العسر والضيق من أجل تشديد الخناق .
وقول الله تعالى : ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) صريح في أن صور البيع كيفما كانت لا تدخل في الربا لأنها تتم بالتراضي بين المتبايعين ، وهو الشرط الرئيس الذي اشترطه القرآن الكريم للخروج من أكل أموال الناس بالباطل ، فقال الله سبحانه :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 30] فكلّ تجارة / بيع وشراء مبنيّة على التراضي بين المتعاقدين / البائع والمشتري لا يمكن إدراجها في باب الربا بنص هذه الآية ، ولا يجوز عندنا التقييد والتخصيص والاستثناء من خارج النص القرآني ، لأن الأحاديث تعترضها مشكلات عدّة من حيث الثبوت والدلالة والتناسق وانتفاء الاضطراب والتناقض .
والحديث الموافق للقرآن هو الذي يكتسب القوة والمصداقية من كتاب الله لا من ذاته .
وقد جاء في السنة الصحيحة ما يؤيّد المعنى القرآني / العربي الجاهلي للربا ، وينفي إمكان الاستدلال بالقرآن على تحريم ما يسمّى ربا الفضل / التفاضل الذي لم يكن معروفا عند العرب أنه ربا ، وبالتالي لم يقصده القرآن أبدا:
وهذه بعض الأحاديث الدالة على وجود الاضطراب في مرويات الربا من جهة ، وتؤكد ما جاء في كتاب الله من حصر الربا فيما كان أهل الجاهلية يعدونه ربا :
الحديث الأول :
ورد من طرق عن ابْن عَبَّاسٍ أنه قال : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» في لفظ : «لاَ رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ»
التخريج : ( مسند الشافعي ح 550 ، ومسند الحميدي ح 761 ومسند أحمد ح 21570 وح 21778 و ح21795 و ح 21796 و ح21817 ، وصحيح البخاري ح 2178 وصحيح مسلم ح 1596 )
في رواية صحيحة السند: «لَا رِبًا إِلَّا فِي الدِّينِ» وفي لفظ : «إِنَّمَا الرِّبَا فِي الدَّيْنِ» قَالَ عَبْد اللَّهِ بن عباس : مَعْنَاهُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ. وفي ثالث : «لَا رِبًا فِي يَدٍ بِيَدٍ، إِنَّمَا الرِّبَا فِي الدَّيْنِ» ، ( مسند ابن الجعد ح1648 ، وسنن الدارمي ح2622 ، ومسند أحمد ح21817 ، ومستخرج أبي عوانة 3/387، ومعجم الطبراني الكبير ح436 وح437 وح441 وح442 )
ولم ينفرد به ابن عباس عن أسامة ، فعنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قال : حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» ( مسند أحمد ح 21762 ومسند البزار – البحر ح2564 )
ولم يشذّ به أسامة بن زيد كما ادعوا قديما وحديثا ، فعن التابعي الكبير أَبِي الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ . ( سنن النسائي ح4575 و ح4576 ومعجم الطبراني الكبير ح453 )
وهو حديث صحيح السند باعترافهم .
وورد هذا المعنى عن عمر بن الخطاب ض حيث قال : «إِنَّمَا الرِّبَا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِيَ، أَوْ يُنْسِئَ» مصنف عبد الرزاق الصنعاني 8/122
فهو صريح في حصر الربا في النسيئة على عادة أهل الجاهلية ، وفي نفي دخول الربا في أوجه المعاملات التجارية الناجزة .
فكيفما اتفق المتبايعان وتراضيا ، كان ذلك مشروعا معقولا .
الحديث الثاني :
ورد عن جماعة من الصحابة منهم جابر بن عبد الله ( ض ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع الطويلة شهورا قليلة قبل موته: ( … إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ، وَمَالٍ وَمَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ يُوضَعُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ اللَّهَ قَضَى أَنَّ أَوَّلَ رِبًا يُوضَعُ، رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ، وَلَا تُظْلَمُونَ … ) ( مسند أحمد ح 20695 والمنتخب من مسند عبد بن حميد ح858 و ح1135 ومسند الدارمي ح 1892 وصحيح مسلم ح1218 وسنن أبي داود ح1905 وح3334 وسنن النسائي الكبرى ح3987 وسنن الترمذي ح3087 وسنن ابن ماجه ح3074 )
نلاحظ أولا أن النبي قال : ( لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ) ، وهي تأكيد للقرآن الذي اشترط التراضي في البيع والشراء لانتفاء أكل مال الناس بالباطل .
ثم إنه خصَّ ” ربا الجاهلية بالإبطال والوضع ، وقد عرفنا ما هو ربا الجاهلية .
وقد كان سيدنا العباس بن عبد المطلب مسلما من قديم ، ونلاحظ أنه إلى آخر حياة النبي ص كان يتعامل بربا الجاهلية ، أي أن التحريم لم يكن قديما، وهو ما يتفق مع شهادة سيدنا عمر أن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن ، وأن النبيّ ص مات قبل أن يوضح لهم أبواب الربا .
وكنت نقلت كلامه في منشور سابق .
ولو كانت الربا محرّمة قبل ذلك بوقت طويل نسبيا ، لأبطل النبي ص ووضع الربا لفائدة أصحابه من قديم .
اعترافات على استحياء :
قليل هم العلماء الذين يعترفون بأن الربا المحرّم في كتاب الله تعالى هو ربا الجاهلية المسمى في الفقه بربا النسيئة ، ومنهم العلامة المحقق أبو جعفر الطحاوي الحنفي المتوفى عام 321 هـ رحمه الله حيث قال في كتابه ” شرح مشكل الآثار ” 12/ 283 : فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ التَّحْرِيمِ الَّذِي كَانَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَيْءٍ، كَمَا لَمْ يَكُنِ الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِي النَّسِيئَةِ ، وَالَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي التَّفَاضُلِ .
ثم قال في كتاب شرح معاني الآثار (4/ 65) : ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ الرِّبَا إِنَّمَا عَنَى بِهِ رِبَا الْقُرْآنِ , الَّذِي كَانَ أَصْلُهُ فِي النَّسِيئَةِ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَكُونُ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ الدَّيْنُ , فَيَقُولُ لَهُ: أَجِّلْنِي مِنْهُ إِلَى كَذَا وَكَذَا بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَزِيدُكَهَا فِي دَيْنِكَ, فَيَكُونُ مُشْتَرِيًا لِأَجَلٍ بِمَالٍ , فَنَهَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي التَّفَاضُلِ , فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ , وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ , وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ, الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ , عَلَى مَا ذَكَرَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ , فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي «بَابِ بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ» فَكَانَ ذَلِكَ رِبًا حُرِّمَ بِالسُّنَّةِ وَتَوَاتَرَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَامَتْ بِهَا الْحُجَّةُ …
قلت : لا يهمنا أن يكون الطحاوي رحمه الله مع القائلين بتحريم ربا التفاضل ، فالشاهد عندنا هو أنه إمام كبير يشهد بأن القرآن لم يحرّم إلا ربا الجاهلية / ربا النسيئة في اصطلاح فقهائنا ، أما التحريم بالسنة فذاك نقاش آخر .
وقبله قال قَتَادَة التابعي المفسر كما في تفسير الطبري وغيره : «أَنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، يَبِيعُ الرَّجُلُ الْبَيْعَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ صَاحِبِهِ قَضَاءٌ زَادَهُ وَأَخَّرَ عَنْهُ» فَقَالَ جَلَّ ثناؤُهُ لِلَّذِينَ يُرْبُونَ الرِّبَا الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ فِي الدُّنْيَا، ( لَا يَقُومُونَ ) في الْآخِرَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ ( إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ: يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ فَيَصْرَعُهُ مِنَ الْمَسِّ، يَعْنِي مِنَ الْجُنُونِ .
فالغرض من هذا المقال هو تحقيق مفهوم الربا في القرآن ، وقد عرفته فالزم .
يتبع