المرأة والرجل وجهان لعملة واحدة

العملة البشرية المتداولة فوق الأرض منذ ملايين السنين هي هذه المرأة وهذا الرجل اللذان التقيا ليكونا سكنا لبعضهما، ليعيشا حياة التزاوج والإنجاب وبناء الأسرة والإسهام في بناء الوطن وبناء الفرد فيه على أسس ثقافية متماسكة تؤطر العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد ومنه الأزواج من ذكر وأنثى كما جرى العرف الذكوري منذ قرون عديدة.

ومنذ الإنقلاب الذكوري على النظام الأميسي الذي كان للأم فيه قديما دور طلائعي وهيمنة وكلمة عليا ، وحلول النظام الأبيسي الذي انتقلت بموجبه السلطة من يد المرأة إلى يد الرجل ، والمجتمعات البشرية فوق الأرض تعيش وضعا ثابتا من الأدوار التي أوكلت لكلا الجنسين: أدوار سياسية واقتصادية وعسكرية موكولة للرجال ، وأدوار إجتماعية ، أسرية وإنجابية موكولة للنساء ، مع تأطير تلك الأدوار وتسويغها بواسطة ثقافة ذكورية صلبة تحكمها القبضة الدينية والسياسية وتوجهها نحو تأبيد تلك الأدوار الثقافية وجعلها تدخل ضمن القدر الذي لا سبيل إلى دفعه لأنه أصبح أقوى من الجماعة نفسها بله الفرد.

لقد جاءت الأديان لتكرس نوعا من العدل الذكوري الذي يجعل الرجال في مرتبة عليا والنساء كائنات مستسلمات لهذا التوزيع الذي يحتسب ضمن تجليات العدل الإلهي !

طبعا الأديان قدمت عرضا سخيا في إبانه ، كانت فيه المرأة دون مستوى أن يكون لها الحق في الحياة فبالأحرى أن يكون لها رأي في قضايا مصيرية سواء كمقررة أو كقوة اقتراحية و استشارية ، لكن طبيعة الأديان أنها لعبت أدوارا سحرية حين تقدمت بعرض سماوي ينتسب لعالم مطلق ، وجعلت النفوس المؤمنة خوفا أو طمعا ترضخ للعرض ” الإلهي ” كما جاء به المبشرون والأنبياء والصالحون ، وطبعا هذه الوساطة البشرية ظلت دوما ذكورية – باستثناء رابعة العدوية التي زهدت في الحياة فكانت قديسة الإسلام بلا مشروع سياسي محرر للمرأة –

بعد انفراط عقد الأديان وتراجع دورها بعد بروز العلم كمعطى قوي اكتسح الساحة العالمية وزحف بقوانينه ومعادلاته ونتائجه وتجلياته العلمية والتقنية نحو حياة الأفراد والجماعات ، تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم ومنها نظرة الرجل للمرأة ، خاصة بعد تجذر فلسفة حقوق الإنسان وتمكنها من أن تصبح عقيدة العصر وإنجيل العالم المتقدم ، فتحررت المرأة من قيود الفكر الديني الذكوري ، وصار ينظر إليها ككائن بشري لا يقل عقلانية وذكاء وقدرة على العطاء والخلق والإبداع في كل الميادين.

بالمقابل ، وبحكم استمرار الدين عندنا نحن العرب والمسلمون في ملء فراغات غياب العلم والعلمية ، وتأخرنا عن مجاراة العالم في سرعته نحو خلق إمكانات قصوى وصلت إلى حد معانقة السماء واكتشاف الفضاء والسيطرة على مجرة طريق الحليب ( درب التبانة ) ، ومراقبة الكون والأرض والإنسان والحيوان وكل الكائنات عبر الأقمار الإصطناعية ، فقد ترنحنا نغالب إكراهات العصر بمحاولات لإحياء الماضي ” الذهبي ” ومواجهة التغيير والإيقاع العالمي المتسارع بمزيد من العنف وفرض المزيد من القيود على الجنس الثاني(المرأة حسب قول سيمون دوبوفوار)، والإنتصار لمقولة ” ليس بالإمكان أبدع مما كان ” منذ سقوط بغداد أيام المغول ، ومنذ سقوط الأندلس ، ولا غرابة أن يسقط العقل العربي بعد ذلك في بركة آسنة من الجمود والتقليد تكرس في وجه من وجوهه في حجب المرأة عن مسرح الأحداث ؛ إلا من بعض الإستثناءات ؛

اليوم ومع تنامي ظاهرة الإسلام السياسي أو الأصولية الشعبوية ، زادت الأمور استفحالا بعد تسويق الدين من طرف هؤلاء بطريقة تنم عن جهل كبير بجوهر الأديان وجوهر الرسالات الدينية والتي تقوم على فكرة العدل والسلام والحب والإنسانية والكونية واحترام الإختلاف والحرية الفردية…الخ

كل هذه الأشياء التي توصلت إليها الفلسفات الحديثة والمعاصرة في بيئة غير بيئتنا ، هي ما يجعل قضية المرأة عندنا قضية وجودية ، لأن المجتمع الذكوري الذي يحجب المرأة بخرقة أو بقطعة قماش فضفاض إنما يحجب عقل المرأة ويقتل أو يسجن حريتها وترتهن بالتالي لتصور ذكوري لما ينبغي أن تكون عليه المرأة حسب نفس المنظور الذكوري الموروث والسائد وهو : وضع المرأة لتكون مجرد زوجة ، وأم ومربية ، وأداة للجنس ومحتوى للإنجاب ، وطاهية للرجل داخل المنزل !!

المعركة اليوم هي معركة تحرر المرأة من حجاب الذكورة الذي يتكرس كشكل من الملبس يغطي رأسها باعتباره عورة ، والحال أن المجتمع هو الذي يغطي عقول نسائه باسم الدين وباسم المقدس ليبقى المجتمع رهين نفس الثقافة الذكورية المهيمنة.
بقلم: محمد علي لعموري