اسلامٌ واحدٌ وَتَأَسلُماتٌ متعددةٌ

زعيم الخيرالله
يثير بعضُ الباحثينَ سؤالاً اشكالياّ وهو : هل الإسلام واحد ؟ أم هنالك إسلامات متعددةٌ ؟ وهناك كتاب تحتَ هذا العُنوان : ( إسلام أَم إسلامات … قراءاتٌ ثقافيّةٌ في الخطاب الإسلامي) للكاتب حاتم حافظ ، وواضحٌ من عُنوانِ الكتابِ أَنَّ الكاتبَ خلطَ بينَ الإسلام والقراءةِ الثقافيَّةِ لَهُ ، وخَلَطَ بين الإسلام والخطابِ الإسلامي ، وَبَينَهُما بَونٌ شاسعٌ. وأيضا ما جاء في العُنوانِ الذي وَضَعَهُ الدكتور عبدالمجيد الشرفي لمشروعهِ : ( الإسلام واحداً ومتعدداً ) وهوَ عُنوانٌ يَجمعُ بينَ الأضداد . وقد تناولت أبحاث هذا المشروع، اسلاماتٍ متعددةٍ ، كالإسلام الشعبي ، والإسلام الأسود ، وإسلام الفقهاء، وكلها تمثّلُ خلطاً بينَ الإسلام والقراءات والفهوم المتعددة له.
هناك فَرقٌ بينَ الإسلام الذي هو واحد ، والذي كانَ دينَ النبييّن من ادم (ع) الى الخاتم صلى الله عليه واله وسلم ، والذي هو عابر للتأريخ ، وبينَ أفهام البشر ، وقراءاتهم المختلفةِ للدين ، والتي هي نسبيّةٌ وتأريخيّةٌ .
وهناك كتابٌ أخر كتبَهُ محمد بن الخطيب تحتَ عُنوان : ( إسلام المتصوفة ) ، وهو لا يعدو ان يكونَ قراءة المتصوفة للإسلام ، ولايعني ان هناكَ أكثر من إسلام ؛ فالإسلام واحدٌ ، والقراءاتُ متعددةٌ .
انا أُطلِقُ على هذهِ القراءاتِ المتعددةِ (تَأسلُمات) ، وهي لاتحمل معنىً سلبيّاً ؛ لأنَّ معنى التَأسلُم عندي : هو كل قراءةٍ وفهمِ للإسلام .
وبهذا التمييز ، لا اسمي ما تفعله داعش واخواتها من إجرام وكراهية وقتل إسلاما ، بل هوَ (تأسلُمٌ ) ناتجٌ من قراءةِ داعش المتخلفة والمتوحشة للإسلام؛ وبذلك يكون إسلامنا مُبَرَّأً من كل جرائم وتشوهاتِ البشرِ وتوحشهم .

هل هناكَ حاجة إلى علم (إسلام مُقارَن)؟
يقترح الباحثُ سيّارُ الجميل ، الى إنشاء علم ( إسلام مُقارَن ) لدراسة كل هذه القراءات المتباينة ، والأفهام المختلفة للإسلام ، ولكنّ الصحيحَ أن يُقال (علم القراءات الإسلامية المُقارَنَة ) ؛ لانَّ الإسلام واحدٌ لايقبل المُقارَنَة. وهذا يشبه القول : ( الأديان المقارنة) ؛ لان الدينَ واحد . والله تعالى يقول : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)، المائدة . والصحيح ان يقال : ( شرائع مُقارنَة) أو ( مناهج مُقارَنَة) ؛ لان الشرائعَ والمناهجَ متعددة ، والدين واحد .

الإسلام واحد في الرؤيةِ القرآنية
الإسلام هو الدينُ الذي ارتضاه اللهُ لعباده ، وهو دينٌ واحدٌ من النبي ادم إلى النبيِّ الخاتم.
والقران الكريمُ يُعَزِّزُ هذهِ النظرة ويؤكدُها ، يقول الله تعالى :
( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)، ال عمران .
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)، المائدة.
(وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)، البقرة .
(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)، البقرة.
(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)،البقرة .
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)، ال عمران .
وَخُلاصةُ القولِ ، ان هناك فرقاً واضحاً بين الإسلام والتأسلُم ، وَأنَّ الإسلام واحدٌ ، والتأسلماتُ متعددة ، والقراءاتُ مختلفة ، والأفهامُ متباينة.