ما هو الربا المحرّم في اصطلاح القرآن الكريم ؟

الجزء الثالث
فوزي : أستاذ محمد ، كنت قد فهمت من آيات سورة الروم المتعلّقة بالربا أنه انتهاز ضعف الفقير والمعسر لأكل ماله بالباطل من خلال مطالبته بالزيادة على رأس المال في الدين مقابل إنظاره وتأجيله .
فماذا عساك تقول في :
الموضع الثاني : آيات سورة البقرة :
قال الله جلّ جلاله : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ( … ) وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) ؟
الأنجري : سيد فوزي ، يجب أن تعرض هذه الآيات في سياقها مع سباقها ولحاقها هكذا : ( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) )
لنلخّص ما جاء في الآيات :
(270) كل نفقة أو نذر مسجل معلوم عند الله ، ومن وقع في الظلم المالي فليس له من ينصره وينقذه من غضب الله .
(271) إظهار الصدقة عمل حسن ، وإخفاؤها خير ، وأجرها موفّى حتما .
(272) الهداية بيد الله ، والمنفق المتصدق هو المستفيد وسيوفى ثوابه كاملا .
(273) أحق الناس بالصدقة الفقراء المتشوقون للجهاد الذين لا يملكون مالا يسهمون به في سبيل الله ، ومن صفاتهم التعفف عن المسألة ، ومن تصدق عليهم علم الله به .
(274) المنفقون المتصدقون لهم الأجر والأمن والفرح .
(275) أما المرابون فقوم أشقياء مجانين يزعمون أن فوائد الربا تماثل أرباح التجارة ، وليس كذلك ، فمن تاب منهم استحق رأس ماله ، ومن عاد للربا بعد هذا التحذير فهو من الخالدين في النار .
(276) فوائد الربا ممحوقة ، والصدقة مباركة مضاعفة الثواب .
(277) المومنون أصحاب العمل الصالح من صلاة وزكاة أجرهم والأمن والفرح مضمون له .
(278) و (279) أيها المؤمنون تخلّصوا من الربا تعظيما لله ، ولكم الحق في رؤوس أموالكم كاملة ، وإلا فأنتم في حرب مع الله ورسوله .
(280) وإن كان المَدِين الذي أقرضته مالك معسرا عاجزا عن الأداء عند الأجل المتفق عليه ، فأنت بين خيارين لا ثالث لهما : إما أن تنتظر حتى يتيسر له السداد أو أن تتصدق عليه برأس المال كله أو بعضه وهو الأفضل والخير .
يا سيد فوزي ، هل تتفق معي في تلخيص ترجمة هذه الآيات من سورة البقرة ؟
نعم .
فما هو الموضوع المركزي الذي تعالجه هذه الآيات يا شيخ ؟
السيد فوزي : سياق هذه الآيات واضح في أنه يحثّ على الإنفاق في سبيل الله ويرغِّب في الزكاة والصدقة على الفقراء والمساكين ، فالموضوع هو الترغيب في الإحسان المالي .
الأنجري : أصبت كبد الحقيقة ، فما علاقة الربا بالموضوع المركزي حتى تحشر بين آيات تحض على الزكاة والصدقة ؟
السيد فوزي : نظرا لأن بعض الأغنياء لا يرحمون الفقراء والغارمين المدينين العاجزين عن أداء الديون ، بحيث يفرضون عليهم أرباحا مقابل الزيادة في الأجل وتأخير القبض ، أي يكرهونهم على الربا مستغلين ضعفهم منتهزين شدّتهم ، فإن هذه الآيات تحذّر من ذلك وتصرّح بأنه إثم كبير وأن فاعله شخص أثيم يستحق العذاب الإلهي في الدنيا والآخرة .
إن هذه الآيات تدعو للصدقة على المَدين الذي عجز عن أداء ما عليه من الديون ، كان فقيرا من قبل أو غنيا صار غارما مفلِسا ، باعتبار أن المدين العاجز أولى الناس بالإحسان والتخفيف وليس إثقال كاهله بما لا طاقة له به .
الأنجري : أحسنت شيخ فوزي ، والآن : بماذا تقارن الربا هذه الآيات ؟
السيد فوزي : إنها تقارن وتقابل بين ربا الدَّين والصّدقة ، فتجعل المرابي في مقابل المتصدق المزكي المنفق تماما كما فعلت آية سورة الروم .
الأنجري : ونرى ذلك واضحا أيضا في آيات سورة آل العمران المدنية : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) )
حيث جاءت الدعوة للإنفاق والعفو عن المدين الفقير والإحسان إليه ، للمسارعة إلى الجنة والنجاة من النار ، مباشرة بعد النهي عن أكل الربا .
فهل يمكننا أن نستنتج الآتي : الربا الذي حرمته هذه السور : الروم والبقرة وآل عمران هي الزيادات التي يفرضها الأغنياء الدائنون / المقرِضون على المدينين العاجزين عن سداد الدين الأصلي ؟ وأنها لا تتعلّق من قريب أو بعيد بالأرباح التي يأخذها المقرِض / الدائن ممن يقدر على الوفاء بها وبالدين الأصلي مقابل إقراضه ؟
السيد فوزي : أوافق على هذه النتيجة ، لكن هناك موضع آخر من القرآن يشوّش على هذه النتيجة الظاهرة ، إذ يقول الله جلّ جلاله في سورة النساء المدنية : ( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) .
فكيف ترفع هذا التشويش ؟
الأنجري : يا سيد فوزي ، هذه الآيات تتعلّق باليهود وليس بنا نحن المسلمين ، وعلى ذلك ، فإنها تؤكد النتيجة من وجهين ولا تشوش عليها :
الوجه الأول : هذه الآيات تقارن بين صنفين من اليهود وتقابل بينهما :
صنف الكافرين الجاهلين الظالمين المرابين أكلة أموال الناس بالباطل ، وصنف المؤمنين العالمين المصلين المزكّين .
فالزكاة / الصدقة جاءت في مقابلة الربا وأكل أموال الناس بالباطل ، والربا هو ما يفرضه الدائن على المدين العاجز من زيادات مقابل تأخير السداد ، والأكلُ بالباطل يشمل الربا وغيره من الطرق المحرّمة لاكتساب المال كالسرقة والغصب والغش في البيع والشراء …
فالسياق هنا شبيه بسياق الروم والبقرة وآل عمران .
الوجه الثاني : بالعودة إلى السفر الثالث من الكتاب المقدّس عند اليهود ، فإن كلمة ” الربا ” ترجع إلى إقراض الفقراء والمُعدِمين، بينما يمتد المعنى في السفر الخامس ليشمل كل أنواع الإقراض .
ونجد أن الربا حُرم على اليهودي وأحل لغير اليهودي ، أي أنه لو أقرض يهوديا فلا يأخذ ربا، وكذلك لا يدفع المدين اليهودي ربا على قرضه الذي اقترضه من اليهودي ، ولكن إذا اقترض أجنبي من يهودي فيجب أن يأخذ اليهودي من المدين غير اليهودي ربا.
فهم يعترفون بحرمة الربا كما أخبر القرآن ، لكنهم تحايلوا عليه باستحلاله في أموال غير اليهود فقراء وغير فقراء .
وبذلك ينتفي التشويش الذي توهمته .
السيد فوزي : والله يا أستاذ لا أجد ما أقوله إلا أن أشكرك إذ رفعت الغشاوة عن عقلي وقلبي ، وليتني أقدِر على البوح بما دلّ عليه كتاب الله في خطبي ودروسي .
وأنتما أخواي أحمد ورشيد ، إنني أتوب أمامكما من التحريم الذي أفتيتكما به ، فامضيا لما عزمتما عليه ، لكن استراني فعقلية الناس والمجتمع لا تستسيغ .
الأنجري : يرجع إليك الفضل سيد فوزي في ارتفاع الغشاوة عنك لأنك تخلّصت من التعصّب وتحرّرت من عقدة تقديس الفقهاء والمفسرين لتتعامل بحرية عقلك وسلامة قلبك مع آيات الكتاب المحكم الحكيم .
وإنني أتفهّم تخوّفك وعدم قدرتك على الإعلان بما وقرَ في عقلك ، فالإرهاب الفكري لا يرحم ، وقد عُزلت عن الخطابة بسببه كما تعلم .
بارك الله فيكم جميعا ، فقد كانت مناقشة هادئة مفيدة ، وإلى مجلس آخر نتجاذب فيه أطراف الحديث .