تركيا وأوهام إحياء الخلافة العثمانية

سعت تركيا، وتسعى دائماً، إلى الترويج لفكرة الخلافة العثمانيّة “المشوّهة” صورتها عربيّاً عبر قنوات ومراكز أبحاث واستراتيجيّات سياسيّة ونفوذ في العالم العربيّ. بالطبع، لاقى هذا التوجّه قدراً كبيراً من الترحيب من الباحثين المحسوبين على الإسلامويّة، الذين وُظِّفوا، بوعيٍ أو بدون وعي، للترويج للاستراتيجيّة العثمانيّة الجديدة باعتبارها إصلاحاً لصورة قديمةٍ قاتمة.

اليوم، نجدُ تركيا تكسبُ شيئاً فشيئاً هذا الرهان. ولكنه كسب محدود. فمقاومو الإمبراطوريّة كثر منذ القرن الثامن والتاسع عشر حتى يومنا هذا.
ومحاولة التتريك، وتصدير النسخة الأردوغانيّة للعمل السياسيّ والتصور الإسلامويّ قوبل بكثيرٍ من المجابهة، وكُشفت أجنداته، سواء في الخطابات اليوميّة أو العلميّة.

لكن، ما نجده اليوم هو مراكز مشرقيّة ممولّة تركياً تلعب الدور نفسه بطرقة ‘‘علميّة‘‘. الحقيقة التي لا أجدُ غضاضةً في الإفصاح عنها هي أنّ تركيا تستثمر في الوجود العربيّ بالترويج للماضي العثمانيّ ‘‘المجيد‘‘، لاعبةً على أوتار نوستالجيا إسلامويّة للخلافة، التي تصوّر أنها كانت خلافة العدل والعلم.

والغريب أنّه ليس هناك موقف ‘‘عربيّ‘‘ واضح من هذه العثمنة على المستوى النظريّ. فالأمر ليس صراع قوى. بل هو أيضاً صراع معرفة، وصراع تاريخ، ومن يقصّه ومن يكتبه. تحويل الساحة العربيّة، والوجود العربيّ نفسه، إلى مختبر للعثمنة والتتريك وتوظيف عرب فاعلين لمشاريع معرفيّة فيما يخصّ الخلافة العثمانيّة وتصدير أردوغان كرئيس إسلاميّ ‘‘ديمقراطيّ‘‘، وتكريس موظفي معرفة ضد الكُرد وضدّ الأرمن، وغيرهما، أمر لا يمكن الإغفال عنه، والسكوت عليه.
محمد كريم. باحث ومترجم مصري