لماذا قتلوا نوال السعداوي بالإشاعة

ما أكثر شيوع الإشاعة في مجتمع أزرق مشاع أكثر من الشيوعية نفسها ، وما ألعن الأخبار الصفراء والزرقاء تلك التي تميت وتحيي كما لو كانت رب العزة يوزع صكوك الحياة والموت على العباد !

مناسبة هذا المقال ما تناقلته بعض المنابر المصرية أولا ثم المغربية ثانيا عن خبر وفاة الكاتبة والمفكرة والناشطة الحقوقية نوال السعداوي إثر ” مرض نادر” لم ينفع معه علاج.

وقد سبق لمثل هذه الإشاعة أن تناسلت حول نفس الشخصية ، وها هي اليوم تتكرر لتحث كل ذي عقل أن يتساءل : لماذا ينتظرون موت نوال السعداوي ؟ وماذا يعني رحيل إمرأة مشاكسة مشاغبة مثل نوال السعداوي من مسرح الأحداث ودنيا الأدب والفكر؟ وما دلالة ورمزية موت ” إمرأة ليست كالنساء ” في مجتمع عربي ذكوري؟

لا بد لنا لكي نفهم رمزية موت مفكر أو كاتب ذي جرأة وذي قلم نوعي ، وذي قدرة على الصمود في وجه جميع أنواع السلطات ؛ في ثبات منقطع النظير على المبدإ وعلى الموقف ؛ علينا أن نستحضر بعض المميزات التي تجعل شائعة وفاة نوال السعداوي ؛ دون أن تكون توفيت ؛ تحظى بكل هذا التفاعل الذي يصب جله في اتجاه التشفي ، وكأن الموت عقاب ! والحال أنه قدر وأننا كلنا لا محالة ميتون .

وربما ما يجعل من الموت كإشاعة يذب في كيان الجماعة نوعا من أنواع الشر المعبر عنه بخبث ، وحين ينسب سبب الوفاة إلى مرض نادر لم يتم التعرف عليه ؛ كما جاء في خبر الوفاة المكذوب ذاك ؛ هو تحدي نوال السعداوي للموت نفسه ببقائها فاعلة فوق مسرح الحياة الأدبية والفكرية والإعلامية رغم تقدمها في السن ، إذ تجاوزت كتبها العدد الخمسين فما كلت وما تعبت من القراءة ومن الكتابة ومن النشر.

بالأمس تحدت نوال السعداوي السلطة السياسية فنالت غضب الحكام الثلاث من جمال عبد الناصر حين كتب وزير داخلية مصر وقتذاك شعراوي جمعة حول ما تكتبه : ” تجرؤ غير مطلوب ” ، وانتهت في السجن في عهد السادات ، وعوقبت في عهد حسني مبارك بأن منعت من الإعلام المصري لسنوات إلى حين سقوط مبارك فبدأت المنابر الإعلامية والفضائيات تتهافت عليها.

واليوم تتحدى نوال السعداوي كل من يترجى موتها ، وكأن بموتها الجسدي سوف تموت كل الأفكار التي أنجبها عقل امرأة رفضت أن تكون سيدة على مقاس الذكورة ، وزوجة خادمة للزوج في البيت ، وكاتبة تؤطرها القوالب الجاهزة التي فصلت مقاساتها على نساء العرب تفصيلا ذكوريا يصعب تمزيقه واختراقه ، حتى جاءت نوال السعداوي فوجهت له نقدا موجعا وفككت مقولاته وسخرت من تهافته في عصر الحداثة وعصر العولمة.

إن الإشاعة جبن وضعف وهروب إلى الأمام بعد فشل أصحابها من النيل من الشخص موضوع الإشاعة.

فبعد صمود نوال السعداوي في وجه كل الذين ناصبوا العداء لفكرها ولقلمها برفع دعاوى عدة ضدها ، وبعد نجاح هذه الكاتبة في إلهام جيل جديد من النشطاء والناشطات ، ومن المثقفين والمثقفات العرب الذين تنبوا طروحاتها واستلهموا الصمود والشجاعة من شخصيتها ، لا يمكن للإشاعة أن تنوب عن القدر الذي أمهل هذه المرأة العربية الجسورة كل هذا العمر كي تذكر العرب والمسلمين بخيبة طروحاتهم المتقادمة حول العلاقة غير المتكافئة بين المرأة والرجل.

لقد أضحكي كثيرا مثلما غاظني أن الذين روجوا للإشاعة ربطوا يوم وفاة السعداوي المكذوب بيوم عيد المرأة العالمي فماذا كانوا يقصدون بذلك ؟

وبالعودة إلى رمزية الموت وحتميته التي ستنال منا جميعا ؛ كل حسب توقيت سقوط ورقته في متاهة العود إلى العدم الذي منه جاء ؛ فقد سبق لنوال السعداوي أن وجه لها سؤال عن الموت فقالت : حين نموت لا نكون هنا لنحس به فكفانا خوفا منه . واستطردت قائلة : إنها لا تخشى الموت مثلما لا تخشى السجن ، مثلما لم تعد تخشى شيئا في الحياة ، لأن السلطتين السياسية والدينية تخوفان الناس بالسجن وبالموت والنار…

لكل من يروج الإشاعات عن المفكرين والكتاب والعلماء والمثقفين الوجهاء أقول لهم : حتى لو رحل عن دنيانا أمثال هؤلاء ، فسيبقى أثرهم حيا ، وستحيا أفكارهم رفرافة أبد الدهر لأنهم دخلوا التاريخ.

فماذا فعلتم أنتم سوى أنكم أفنيتم أعماركم في صنع الشائعات التي تموت قبلكم ، وحين تنتهون النهاية التي سيستريح فيها الناس من شائعاتكم ، تكونون قد أصبحتم بعد سرادق العزاء نسيا منسيا.
بقلم : محمد علي لعموري