الرحمةُ مفتاح فهم القرآن في كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

أحمد رمضان الديباوي ـ باحث مصري في الفكر الإسلامي

أسئلة يجيب عنها كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي:
كيف تناول عبد الجبار الرفاعي مفهوم الرحمة ودلالاته في القرآن الكريم؟
بماذا امتاز القرآن، كونه كتابا وحيانيًّا، عن التوراة والإنجيل، وما دلالة اتّساع فضاء الرحمة فيه؟
لماذا يحتكر أغلب المفسرين والفقهاء والمتكلمين مفهوم النجاة؟
ما فائدة فهم القرآن الكريم في سياقاته الظرفية؟

درَج مؤلّفو كتب الفِرَق والمِلَل والنِّحَل، على اختلاف معارفهم ومذاهبهم وأيديولوجياتهم، على استفتاح كتبهم بحديث غدَا مشهورًا حتى بين العوام، وهو ذلك الحديث الموسوم بحديث الفرقة الناجية، الذي ورَد في معظم السنن والمسانيد، كسُنن أبي داوود والترمذي والنَّسائي وغيرهم، ولفظه: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة”، وهو حديث يتّكئ عليه النّصيون؛ اعتمادًا على تصنيفه في المدوَّنة الحديثية كحديث صحيح، حتى صار حديثا مهيمِنًا، يحتكر النجاة والرضا الإلهي في فرقة واحدة دون غيرها، كأن الإله الخالق لا يعرف غيرها، ولا تتجلّى صورته إلا في مخيالها، فهو ليس إلهًا لغيرها، ولا يمنح من سواهم حق النجاة مطلقا، مهما عبدوه، ومهما اجتهدوا في إرضائه والتزلُّف إليه، بل مهما كان اجتهادهم وعبادتهم، فهو – تأسيسًا وبناءً على هذا الحديث – إلهٌ قومي، طائفي، مذهبي، وليس إلهًا للعالمين.

يضع عبد الجبار الرفاعي، في كتابه المهم “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، يده على هذ الأمر، فيرصد في الفصل الأول منه مفهوم الرحمة، ومدى انحساره وتهميشه على أيدي المفسرين والفقهاء والمتكلمين، على الرغم من أن لفظة “الرحمـة” ذُكرَت في القرآن 268 مرة، كما ورَدت، أيضا، تلك اللفظة ومشتقاتها في القرآن أكثر من 330 مرة، بخلاف تكرار البسملة – التي تتضمّن كلمتي “الرحمن الرحيم” – في مفتتح سور القرآن كلها، ما خلا سورة براءة / التوبة، لكنها وردت في سياق سورة النمل، فكانت 114 مرة، الأمر الذي يثير تساؤلًا مهما، وهو: إذا كان الحال كذلك، فلمَ تقلّص مفهوم الرحمة في مدونات التفسير والفقه والكلام والحديث؟ ولماذا توارى ذلك المفهوم حتى “تغلّبت في تاريخ الإسلام لغة العنف على لغة الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسري القرآن وفقهاء الإسلام كل هذا الرصيد الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعلية دلالة آية السيف (الآية الخامسة من سورة براءة/ التوبة)، هي الأشد أثرا والأوسع حضورا في القول والفعل في الحياة السياسية لمجتمعات عالم الإسلام”؟، يتساءل معنا، هكذا، الدكتور عبد الجبار الرفاعي.

الإجابة عن هذا التساؤل المهم تقتضي أن نُدرك أبعاد حقيقة ينبغي ألا نهملها أو نتعامى عنها، وهي أننا مقصّرون في فهم معاني وأي القرآن فهما عميقا، يتّسم بالجدّة والديناميكية والتأويل والتاريخانية، لا فهما جامدا، سطحيا، مؤدْلَجا، ظاهريا، ولعل هذا هو ما جعل الدكتور الرفاعي يقرّر أنه ينبغي علينا أن نبنيَ “علم كلام جديد”، يتيح للمسلم الاحتفاظَ بإيمانه من جهة، ويُمكّنه من العيش في عالم يسوده التنوعُّ والاختلافُ من جهة أخرى، ولا سيما أن علم الكلام الإسلامي، منذ قرون، يرزح تحت نِير المنطق الأرسطي الصوري الذي لا يعترف بنسبية المعرفة، كما يقرّر أننا بجاجة ماسّة إلى منهج بديل وجديد لفهم القرآن؛ بحيث نحرّره من “أسوار الأفق التاريخي التكراري المغلَق للمفسرين”، وهو ذلك الأفق الذي قضى تماما على إدراكنا لأي معانٍ جديدة للنص القرآني، خصوصا ما يتعلق بمعاني الرحمة والأخلاق، فالمسلم اليوم أسيرٌ لدى تراث السابقين، “ضائع في كهوف التراث، التي لا تقوده إلا إلى مزيد من الضياع”، على حدّ تعبير الرفاعي.

يمتاز القرآن، كونه كتابا وحيانيًّا، عن التوراة والإنجيل، باتّساع فضاء الرحمة فيه اتساعا لا وجود له في ذيْنك الكتابيْن، حتى إن القرآن هو الكتاب المقدس الوحيد الذي تُفتَتح سوره بالبسملة التي فيها (الرحمن الرحيم)، وإذا نحن اتفقنا مع بعض الآراء والمرويات التي تؤكد أن البسملة آية منفردة مستقلّة تتكرر مع سور القرآن، باستثناء سورة براءة / التوبة، فإننا سنُدرك عظمة مفهوم الرحمة ووجودها الكثيف في القرآن دون غيره من الكتب الإبراهيمية الأخرى، وهو أمرٌ التفت إليه، جيدا، الرفاعي، إذ هو يقرّر أن “افتتاحَ كلِّ سورة بالبسملة يعني أن الرحمةَ الناطقةَ بها البسملةُ مهيمنةٌ على المدلول العام للسورة، وحاكيةٌ عن أغراضها، فإن كان مضمونُ السورة أخلاقيا فإنه يكون متقوّمًا بالرحمة، وهكذا لو كان المضمونُ عقائديا أو تشريعيا يكون متقوّمًا بالرحمة أيضًا، فتقديمُ نصّ كلِّ سورة بما تشتمل عليه البسملةُ من رحمةٍ يشي بأن المضامينَ المسوقةَ في آياتِ القرآن كافةً تتحدّث لغةَ البسملة”.

وفي الوقت الذي شهد فيه القرآن الكريم حضور مكثّفا للفظة الرحمة ومشتقاتها، إذا بالمفسرين، أغلبهم، يضربون عنها صفحا، فينسخون ذلك الحضور اللافت للأنظار والأفهام بآية السيف، وهو ما اعتمدته بعد ذلك التنظيمات الإرهابية؛ لذلك لم يكن غريبا أن نسمع في خُطبهم ونقرأ في كُتبهم ألفاظا على شاكلة: السيف، ظل رمحي، الرعب، الرهبة، القتل، الجهاد، ضرب الرقاب، وغير ذلك من كلمات وألفاظ تشي بإهمالهم أي معنى للرحمة والسماحة في معاملة الآخَر، لأنهم يعتقدون أن الله هو إلههم وحدهم دون سواهم، وأنهم وحدهم الناجون ومن سواهم من الهالكين، فطَغَت وسادت لغة العنف على تاريخ الإسلام، وزخرت مدوّنات الفقه والتفسير وعلم الكلام بكل ما هو بعيد عن معاني الرحمة، وذلك لأن “اللاهوتَ والفقهَ الصّراطي” على الضدِّ من منطقِ الرحمة، فقد أضحى صوتُ من يدعو لإيقاظِ الرحمةِ وما يؤول إليها في بيئاتِ التديّن هذه نشازًا أحيانًا، وربما يُتهم بالجبنِ والخوفِ والهوانِ فيُدان دينيًا ومجتمعيًا، يقول الرفاعي.

إن أبشع آفة من آفات تهميش مفهوم الرحمة في المحيط الإسلامي وتراثه، هو تأميم حرية الإنسان في الاعتقاد والإيمان؛ فمعنى أن ترى فرقة من الفِرَق، أو جماعة من الجماعات، أو تنظيم من التنظيمات، أنها – وحدها – هي الناجية، وما سواها في نار جهنم، فإن هذا يعني أنّ حرية الإنسان معطّلة، وإرادته مهمّشة مبتورة، لذلك كان السائد حتى الآن أن آية “لا إكراه في الدين”، وما يماثلها في القرآن من آيات حرية الاعتقاد، منسوخة عند جمهرة المفسرين والفقهاء والمحدّثين، لا لشيء سوى لأنهم يتكئون على حديث الفرقة الناجية، كأنه قطعة من القرآن الكريم!

لقد فطن الدكتور الرفاعي وهو يتحدث عن مفهوم الرحمة وهيمنة حضوره الكثيف في القرآن الكريم، إلى أن جماعات الإسلام السياسي وحلفاءها هم الذين يستغلّون تقلّص مفهوم ودلالات لفظة الرحمة في التراث الإسلامي كافة، فهم على الرغم من ادّعاءاتهم بأنهم يؤمنون بالدولة المدنية الحديثة، ومفرداتها السياسية الحداثية المعاصرة، بيْـد أنهم ملفّقون، يعتمدون التمويه حتى يصلوا إلى أهدافهم، يقول الرفاعي: “من المؤسف أن أدبياتِ الجماعات الدينية تتحدّث عن الديمقراطيةِ وحرياتِ الإنسان وحقوقِه بأسلوب تلفيقي ذرائعي، فهي من جهة تدعو لدولةٍ مدنية حديثة، وتصوّت على دستورٍ يكفل المساواةَ بين المواطنين، ويمنحهم حريةَ الاعتقادِ والتعبيرِ عن معتقداتهم، لكنها من جهة أخرى تتبنّى ما ورد في المدونة الكلامية والفقهية، ومقولاتِها التي تشدّد على انحصارية عقائدية، من دون أن تتدبّر التناشزَ الصريحَ بين المبادئ الدستورية للدولة المدنية الحديثة وما تتشبّث به من مقولات صراطية تحصر المعتقدَ بلون واحد تفرضه على الكلّ، بل تتهم أيةَ محاولة لاستئناف النظر في المدونة الموروثة بالعداء لتراثِ الأمة ودينِها وقيمِها”.

وربما كان لحضور التصوف الفلسفي في فكر عبد الجبار الرفاعي، أثرٌ جدّ عظيم في تقريره وجود حلّ لتلك المعضلة، أعني معضلة تغييب مفهوم ودلالات الرحمة في التراث الإسلامي، في نظرية المعرفة في التصوف الفلسفي؛ فالرجل يؤكد أن التصوف الفلسفي لا يحتكر طريق الوصول إلى الله، كما هي الحال عند المتكلمين، فالمتصوفة يؤمنون بتنوّع طرق الوصول إلى الله، الأمر الذي يؤسّس لحق الاختلاف في المعتقَد، وهذا هو أساس التعددية الدينية والعيش المشترَك بين الناس على اختلافهم فيما بينهم، ولا أدلّ على ذلك من أن علَمًا صوفيا كبيرًا مثل الشيخ محيي الدين بن عربي كان يستهجن تكفير الناس بعضهم بعضا؛ فهو يقول في (الفتوحات المكية): إن التكفير “ردّ على كتاب الله، وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله”.

وأخيرًا، فإن العودة إلى فهم معاني الرحمة في القرآن الكريم، والإحساس بمدلولاتها، والاغتراف من فيضها، والاعتقاد بأن الرحمة أصل يستوعب أي أحداث في أي زمان ومكان، لن يتمّ سوى بفهم آي القرآن في رحاب التأويل، لا الظاهر، وفي رحاب الظرف التاريخي الذي كان موجودًا وقت تنزّل وحي السماء إلى الجزيرة العربية، ففهم القرآن في رحاب التاريخ وسياقاته والظرف الزمكاني، يجعلنا على يقين بأن الرحمة هي الأصل، وأما القتال والاقتتال والعنف، فكل أولئك معانٍ فرضها الزمان والمكان، آنذاك، كما فرضها سياق نزول الآيات في الجزيرة العربية، ما يجعلنا نؤكد مع الرفاعي أنّ قراءةُ النصوص المقدسة في ضوء أدوات ومناهج الهرمنيوطيقا ضرورةً يفرضها تحريرُها من الاغتراب عن الواقع، وتحقيقُ الانسجام بين هذه النصوص والقارئ.

يقينا، يصدق عبد الجبار الرفاعي حين يقول: “الرحمة صوت الله… السلام اسم الله… المحبة ضمير الأديان”.