الفنُ القصصيّ في القرآن الكريم

د. عبدالجبار الرفاعي
قدّم بعضُ تلامذة الخولي في جماعة “الأمناء” كتاباتٍ شديدةَ الإثارة، فقد ترسّم نهجَ الخولي في التفسير من مدرسة الأمناء محمدُ أحمد خلف الله في كتابه “الفن القصصي في القرآن الكريم”، وكان هذا الكتابُ من أبرز عناوين الضجة لجماعة الأمناء. ومن الجيل التالي لجماعة “الأمناء” كتب نصر حامد أبوزيد “مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن”، وحاول فيه كما يقول: “إعادة ربط الدراسات القرآنية، بمجال الدراسات الأدبية والنقدية، بعد أن انفصلت عنها في الوعي الحديث والمعاصر، نتيجة لعوامل كثيرة، أدت إلى الفصل بين التراث وبين مناهج الدرس العلمي” (1). وصار كلٌّ من الكتابين مثارًا للجدلِ واتهامِ صاحبه بالمروق، وتأليبِ الرأي العام ضدّ الكاتب والكتاب.

ثلاثةُ كتبٍ هي الأشدُّ إثارةً في الحياة الثقافية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، أولُها: “الإسلام وأصول الحكم” الذي ألّفه الشيخُ علي عبدالرازق، وصدر سنة 1925، والثاني: “في الشعر الجاهلي”، الذي صدر سنة 1926 لطه حسين، والثالثُ: “الفن القصصي في القرآن الكريم”. والكتابُ الأخيرُ أطروحةٌ قدّمها محمدُ أحمد خلف الله في العام 1947 لنيلِ شهادة الدكتوراه بإشراف أمين الخولي، لكن لجنةَ المناقشة رفضتْها، وحجبت الدكتوراه عن كاتبها.

يشرح محمد أحمد خلف الله منهجَه في دراسة القصص القرآني بقوله أن من الخطأ: “ﺩﺭﺍسة القصص القرﺁني كما تدرس الوثائق التاريخية، لا كما تدرس الـﻨﺼﻭﺹ الدينية ﻭالـﻨﺼﻭﺹ ﺍﻷدبية الـﺒﻠﻴﻐﺔ ﺃﻭ المعجزة… لاحظت ﺃﻥ القرﺁﻥ لم يقصد ﺇلـﻰ الـﺘﺎﺭيخ من حيث هو تاريخ، ﺇﻻ ﻓﻲ الـﻨـﺎﺩﺭ الذﻱ ﻻيحكم لـﻪ، ﻭﺃنه ﻋﻠﻰ العكس من ﺫلك عمد ﺇلـﻰ ﺇبهاﻡ مقومات التاريخ من زمان ومكان، ﻭمن ﻫﻨـﺎ تبينت ﺃﻥ القوﻡ قد عكسوﺍ الـﻘﻀﻴﺔ حين شغلوﺍ ﺃنفسهم بالبحث عن مقومات ﻭﻫﻲ غير مقصودة، ﻭﺃهملوا المقاصد الـﺤﻘﻴﻘﻴﺔ للقصص الـقرﺁني. ﻭلو أنهم شغلوا ﺃنفسهم بتلك المقاصد الـﺤﻘﺔ ﻷﺭاحوا ﺃنفسهم من ﻋﻨﺎﺀ كبير، ﻭﻷبرﺯﻭﺍ الجوانب الدينية ﻭﺍﻻجتماﻋﻴـﺔ من الـﻘﺼـص الـقرﺁني ﺇبرﺍﺯًا ملموساً يثير الـﻤﺸﺎﻋﺭ ﻭالـعوﺍطف، ﻭيؤثر ﻓﻲ الـﻌﻘﻭل ﻭالقلوب، وعند ذلك كانوﺍ يمكّنون للدين وقضاياﻩ، ﻭيسيرﻭﻥ ﻭهدﻯ القرﺁﻥ الـﻜﺭيم”(2). ويحدّد خلفُ الله ما يرمي إليه بقوله: “ولقد قلت في الرسالة إن قصد القرآن من قصصه لم يكن إلا العبرة والعظة، وليس منه مطلقًا تعليم التاريخ أو شرح حقائقه. ومن المعروف دينيًا ألا نستنتج من نص قرآني أمرًا لم يقصد إليه القرآن”(3).

ويذهب خلف الله إلى أن القرآنَ الكريم انما يورد هذه القصصَ بوصفها أمثالا، كما نصّت على ذلك الآيةُ: “وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ”(4). “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ”(5). وفي محاولةٍ للتدليلِ على صحة موقفه ينقل خلفُ الله رأيًا للفخر الرازي يبين فيه أغراضَ القصص في سياق تفسيره للآيتين: “إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ”(6). “وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ”(7)، فقد ذهب الرازي إلى أن: “القصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الحق، وأمر بطلب النجاة. أما الحق فهو إشارة الى البراهين الدالة على العدل والنبوة”(8).

تعرّض خلفُ الله وأطروحتُه إلى حملة عنيفة، كما أشار إلى ذلك توفيقُ الحكيم بقوله: “لقد طالب البعض بحرق الرسالة، على مرأى ومشهد من الأساتذة، وطلبة كلية الآداب، وطالب الآخرون بفصل الأستاذ خلف الله”(9). وتعرّضت أطروحةُ خلف الله إلى حملةِ تحريضٍ واسعة، فقد وصفها بعضُ رجال الدين بأنّها: “أشدّ شناعة من وباء الكوليرا”. وتناولها جمعٌ من الكتّاب في مصر بالنقد اللاذع. ونَقَدَها كبارُ العلماء مثل الشيخ محمد الخضر حسين، الذي نشر عنها مقالةً في إحدى المجلات، أشار فيها إلى التقرير الذي قدّمه أحمدُ أمين إلى لجنة المناقشة(10). وكان يورد مقاطع من الرسالة وينقدها، فهو مثلًا ينقل هذا المقطع لخلف الله: “القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاص لحوادث وقعت من بطلٍ لا وجودَ له، أو لبطلٍ له وجود، ولكن الحوادث التي ألَمَّت به لم تقع أصلاً، أو وقعت ولكنها نظمت على أساس فني، إذ قدم بعضها وأخر بعضها، أو حذف بعضها وأضيف إلى الباقي بعض آخر، أو بولغ في تصويرها إلى حد يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون حقيقيَّة إلى ما يجعلها في عداد الأشخاص الخيالية، وهذا قصدنا في هذا البحث من الدراسة القرآنية”. ثم يردُ عليه الشيخ الخضر حسين بقوله: ” هذا الذي يقوله الكاتب إنَّما ينطبق على القصص التي يقصد من تصنيفها إظهار البراعة في صناعة الإنشاء، أو في إجالة الخيال، أو بعث الارتياح والمتعة في نفوس القارئين؛ مثل مقامات بديع الزمان، أو مقامات الحريري، أو القصص التي تنشر اليوم في بعض الصحف السائرة، أما قصص القرآن فهي من كلام رب العزة، أوحى به إلى الرسول الأكرم؛ ليكون مأخذ عبرة، أو موضع قدوة، أو مَجلاة حكمة، وإيمان الناس بأنه صادر من ذلك المقام الأسنى يجعل له في قلوبهم مكانة محفوفة بالإجلال، ويمنعهم من أن يدرسوه كما تدرس تلك القصص الصادرة من نفوس بشرية تجعل أمامها أهدافًا خاصَّة، ثُمَّ لا تبالي أن تستمد ما تقوله من خيال غير صادق، أو تخرج من جِدٍّ إلى هزل، وتضع بجانب الحق باطلاً”(11).

وكان أحمدُ أمين كتب تقريرًا شديدًا ضدّ أطروحة خلف الله،كان التقريرُ تحريضيًا، يجامل المؤسّسةَ الدينية الرسمية، وينتاغم مع ذوقِ الجمهور. وكان لهذا التقرير أثرٌ كبيرٌ في رفض لجنة المناقشة للرسالة. بدأ أحمدُ أمين التقريرَ بقوله: “وقد وجدتُها رسالة ليست عادية؛ بل هي رسالة خطيرة، أساسها أنَّ القَصَص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار، من غير التزام لصدق التاريخ، والواقع أنَّ محمدًا فنَّان بِهذا المعنى… وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها”(12).

لم يشأ الشيخُ أمين الخولي التنصّلَ من اجتهاد تلميذه، ولم يتراجع، بل وقف بشهامةٍ يذود عن خلف الله ويثني على جهوده، بعد أن حجبوا لقبَ الدكتوراه عنه، ولم يتنازل مقابل أولئك الذين وصفهم بـ “الآثمين في هذا السبيل والغافلين المخدوعين”، ودعا أن يعفو اللهُ عنهم. إذ كتب في مقدّمة الطبعة الثالثة لكتاب “الفن القصصي في القرآن الكريم”، لتلميذه محمد أحمد خلف الله ما يلي: “أستطيع أن أقول إن رسالة الفن القصصي قد أدت تلك الضريبة في سنتي 1946 – 1948، وتقاضتها منها عامية فاسدة، في ظن من ظن لهم خطأ وخداعاً أنهم أصحاب وعي. واليوم صارت الرسالة ووجهتها كسبًا غنيًا، ووجهاً من الاعجاز القرآني عند أصحاب الدين والأدب. فإني أقول بالأصالة والنيابة: عفا الله عن جميع الآثمين في هذا السبيل والغافلين المخدوعين… وتحية لمؤلف الفن القصصي، الذي أشهد الله أنه كان في صدقه وصدره مثلاً من الشباب، إذ ذاك يطمئن به المستقبل”. وكان إصرارُ أمين الخولي في الدفاع عن تلميذه حازمًا صلبًا عنيدًا، حتى أنه قال: “فلو لم يبق في مصر والشرق واحد يقول إنه حق، لقلت وحدي وأنا أُقذف في النار، إنه حق، لأبري ضميري”(13).

وكان طه حسين قد سبق خلفَ الله في كتابه “في الشعر الجاهلي” في الإشارةِ إلى أن القصصَ القرآني لم ترد في سياق الحديث عن التاريخ، عندما كتب: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى”(14).

وقبل طه حسين تحدّث الشيخُ محمد عبده عن أغراض القصص القرآني فقال: “بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار، لا لبيان التاريخ، ولا لحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وأنه ليحكى من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار. فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة، ولا تتجاوز مواطن الهداية، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح”(15).

وتمسك بهذا الموقف خلفُ الله في جوابه عن الضجة التي أُثيرت حول رسالته، عندما كتب مقالةً في مجلة “الرسالة”، تحدّث فيها عن أنه لم يكن أولَ من تبنّى هذا الموقف، بل سبقه إليه الشيخُ محمد عبده كما ورد في تفسير المنار، إذ يكتب خلفُ الله: (على أن هذا القول قد قال به الأستاذ الإمام، وقد نقله عنه صاحب المنار فى مواطن كثيرة من كتابه فقد جاء فى الجزء التاسع، ص 374 طبع سنة 1342هـ ما يأتي: “إن الله تعالى أنزل القرآن هدى وموعظة، وجميع قصص الرسل فيه عبرة وتذكرة لا تاريخ شعوب ومدائن ولا تحقيق وقائع ومواقع”. وجاء في الجزء الثاني ص 205 طبع سنة 1350هـ ما يأتي: “فإن قيل إن التاريخ من العلوم التي يسهل على البشر تدوينها والاستغناء بها عن الوحي فلماذا كثر سرد الأخبار التاريخية في القرآن وكانت في التوراة أكثر؟ والجواب ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها، وإنما هي الآيات والعبر تجلت في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم لبيان سنن الله تعالى فيهم إنذاراً للكافرين بما جاء به محمد وتثبيتًا لقلبه وقلوب المؤمنين به. وسترى ذلك في محله إن شاء الله تعالى. ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها وإنما يذكر موضع العبرة فيها… هذه هي نظريتي في القصص وهي نظرية تعتمد على طريقة الخلف ومذهب الأستاذ الإمام)(16). ولم يقبل عدةُ كتّاب ما نسبه خلفُ الله لمحمد عبده ورشيد رضا، واتهموه بالجهل وسوء الفهم(17).

في النصف الأول من القرن الماضي يدعو خلفُ الله إلى إعادةِ النظر في التعاطي مع لغة القرآن، وفقًا لمفهومه لـ “لغة الدين”، ويدعو لضرورةِ فهم القصص الورادة بلغة الدين في سياق المعنى الرمزي الذي تقرره هذه اللغة، لأنه يرى أن القصص في الكتب المقدسة لا ترد بوصفها تقريرًا لحوادث تاريخية. لغةُ الكتاب المقدس غرضُها المعنى الذي ترمز إليه القصة وهو الهداية، كما هو الغرضُ من ضرب الأمثال. إلا أن هذه الدعوةَ مازالت غيرَ مقبولةٍ حتى اليوم، ذلك أن أكثرَ الدراسات القرآنية أسيرةُ علومِ القرآن وقواعدِ التفسير التي أنتجها المفسرون في الماضي، ومفهومهم للغة الدين، المشتق من رؤيتِهم وقتئذ للعالَم، وعلومِ ومعارفِ عصرهم. ولم تنبثق هذه الدراساتُ من رؤيةٍ حديثةٍ للعالَم، ولم تنفتح على المكاسب الراهنة في علوم الإنسان والمجتمع، التي كان يشدّد على توظيفها أمينُ الخولي في الدراسات القرآنية.

كان كتابُ “الفن القصصي في القرآن الكريم” منعطفًا رائدًا في تطبيق مفهوم مختلف للغة الدين، وتوظيفها في الدراسات القرآنية والتفسير، لكن مازال الباحثون في هذا الحقلِ البالغِ الأهمية يحذرون الاقترابَ من ذلك، حتى بعضُ تلامذة الشيخ الخولي الذين كتبوا في الدراسات القرآنية والتفسير كانوا يتهيبون اقتحام هذا الدرب المخيف، فقد أخفقت تلميذة الخولي وزوجتُه عائشة عبدالرحمن في أن تسير على هذا النهج، فلبثت كتاباتها، في الدراسات القرآنية والتفسير، داخل أسوار الأفق التاريخي التكراري المغلَق للمفسرين، كما أشرنا لذلك فيما مضى.

لغةُ الدين هي حكايةٌ عن عوالم الغيب، مدلولاتُها تحكي موضوعاتٍ مفارقةً للمادة خارج عالمها الحسّي، إنها تنشد تمثّلَ المطلق في النسبي، وترجمةَ المحدود للامحدود، وتجليَ الإلهي في البشري، وحضورَ عالم الغيب في عالم الشهادة، وتجسيدَ المقدّس في الدنيوي، واستيعابَ اللامحسوس في المحسوس، واتساعَ ما هو مادي لما هو لا مادي، وتصويرَ ما لا صورة له، واستكناهَ ما لا يُكتنه، ورؤيةَ ما لا يُرى، ومعرفةَ الحواس بما لا يمكن التعرفُ عليه بها. إنها رؤيا عابرةٌ لرؤيةِ العين البصرية، ومعرفةٌ حدسيةٌ عابرةٌ للعقلِ وطرائقِه ومحاججاتِه، وضربٌ من الصلةِ الأنطولوجيةِ التي يتجلّى فيها الغيبُ بصورة يستطيع معها أن يتذوقه من يؤمن به، إذ يتمكّن من خلال هذه اللغة أن يحقّق شكلًا من الاتصالِ بعوالمه.

لغةُ الدين تتكشّف بها مراتبُ أعمق من الوجود لا تتكشّف للإنسان باللغة العادية. وتشير الى معانٍ متعاليةٍ على الواقع المادّي المحسوس الذي يعيشه الإنسان، تضيق بها اللغةُ العادية. لغةُ الدين هي اللغةُ الوحيدةُ القادرةُ على التعبير عن حقائقَ العالم الأخرى بنحو تعجز فيه كلُّ أشكالِ اللغة الأخرى عن التعبير عنها. لا تنشد لغةُ الدين التطابقَ بين الدالِ والمدلول، وبين اللفظِ والمعنى، لضيقِ الدالّ وقصورِه، إذ يفتقر اللفظُ لأن يتسعَ لما لا يمكنه الاتساعُ له، ويستوعبَ ما لا يمكنه استيعابُه، ويتمثّلَ ما لا يمكنه تمثّله، ويفشلُ في نقلِ ما يضيق به ظرفُه، واحتضانِ ما يعجز عن استيعابِه.

لغةُ الدين ضربٌ من الترجمةِ لإشاراتِ الغيبِ ورموزِه، ومحاولةُ رسمِ صورةٍ عنه في قوالب لغتنا البشرية، وتجلٍّ لكلمةِ الله من خلال كلماتِ البشر. والترجمةُ لا تطابق الأصل، ولا تعكس صورتَه كما هي، ولا تكشف كلَّ ملامحِه، إنها توميءُ إليه، وتشيرُ إلى شيءٍ من ملامحِه.
لغةُ الدين يتنزّلُ بها المعنى من نشأةٍ أعلى إلى نشأةٍ أدنى، ذلك أن اللغةَ البشريةَ من شؤونِ العالم المادي، وليستْ من شؤونِ عوالمِ الغيب، وظرفُها لا يتسع لمعاني تلك العوالم، وإن السعةَ الوجوديةَ للغيب يضيقُ بها كلُّ ما ينتمي للعالم المادي. إن هذه اللغةَ لا يتجلّى فيها المعنى إلّا بكيفيةٍ تماثل حقيقتَها البشرية، وهو نحوُ تنزّلٍ على شاكلتها.

في ختام حديثنا عن الشيخ أمين الخولي وجدنا أجملَ من يرسم صورةَ أمين الخولي “الإنسان” هي تلميذتُه وزوجتُه عائشةُ عبدالرحمن المعروفةُ ببنت الشاطئ، في الشهادة التي كتبتْها لإهداء كتابها “القرآن وقضايا الإنسان” إليه، إذ تقول:
“إلى أمين الخولي الإنسان… صحبتُه في رحلة الحياة فتجلّت لي فيه وبه، آيةُ الإنسان بكل عظمته وشموخه وكبريائه، وجبروت عقله، ومرهف حسه، وعزة ضميره.
ثم مضى… فعرفتُ منه وفيه، مأساة الإنسان، بكل هوانه، وضعف حيلته، وقصور طاقته.
وفيما بين حياته وموته، أرهف إحساسي بقصة الإنسان من المبدأ إلى المنتهى.
عائشة. مارس 1969 – المحرم 1389 “.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ نصر حامد أبوزيد. مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن. القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، ط1، 1990، ص 21.
2 ـ محمد أحمد خلف الله. الفن القصصي في القرآن الكريم. شرح وتعليق: خليل عبدالكريم. بيروت: الانتشار العربي، 1999، مقدمة المؤلف.
3 ـ مجلة الرسالة، العدد 743، “حول جدل في الجامعة”، الصادرة بتاريخ: 29 – 09 – 1947.
4 ـ يس، 13.
5 ـ التحريم، 10.
6 ـ آل عمران، 62.
7 ـ هود، 120.
8 ـ محمد أحمد خلف الله. الفن القصصي في القرآن الكريم. ص 24.
9 ـ توفيق الحكيم. يقظة الفكر. القاهرة: مكتبة الآداب، 1986، ص 10 – 11.
10 ـ مجلة “الهداية الإسلامية” الجزآن 7-8، المجلد 20، محرم وصفر1367، والجزآن 1-2، المجلد 21، رجب وشعبان عام 1367هـ.
11 ـ المصدر السابق.
12 ـ المصدر السابق.
13 ـ الفن القصصي في القرآن الكريم. شرح وتعليق: خليل عبدالكريم. بيروت: الانتشار العربي، 1999، ص 7.
14 ـ طه حسين، في الشعر الجاهلي، القاهرة، طبعة 1، ص 26.
15 ـ الفن القصصي في القرآن الكريم. شرح وتعليق: خليل عبدالكريم. ص 28.
16 ـ محمد أحمد خلف الله، “حول جدل في الجامعة”، مجلة الرسالة، العدد 743، الصادر بتاريخ: 29 – 9 – 1947.
17 ـ عبد الفتاح بدوي، “حول جدل في الجامعة”، مجلة الرسالة، العدد 749، الصادربتاريخ: 10 – 11 – 1947. والعدد 751 الصادربتاريخ: 24 – 11 – 1947.