اللغط الإخواني على هامش زيارة سماحة البابا للمغرب

في بلادنا العربية ابتلانا الله بجراثيم الفكر تفتك بجسد الأمة بما تنفثه من سموم الأفكار الشاذة والخارجة عن المنطق ، والتي تغرد خارج سرب الحمام الداعي إلى السلام ، والذي يمد يده نحو الحب والتسامح والتطلع إلى خير البشرية بعيدا عن نزاعات إيديولوجية تدكي دوما نعرات الكراهية وتقتل الإنسان معنويا وماديا.

إن السلفية المتطرفة والحركة الإخوانية المتطلعة إلى السلطة والحكم عبر بوابة الدين هما لعنتان أبتليت بهما الأمة العربية والإسلامية ، فقد عاتتا فسادا في أرض الإسلام بتبنيها لخطاب التجييش ضد ” الآخر ” منذ كان الإستعمار سيد الموقف ، ثم امتد نفس الخطاب يحرض ضد السلطة الحاكمة ، وينهل من فكروية خرافية تلك التي تريد إحياء ما تدعوه هاتان الجهتان ( السلفية والإخوانية ) بدولة الخلافة !

ومنذ امتداد الصراع على السلطة بين الإخوان وأنظمة الحكم في مصر وفي بلاد عربية أخرى ، وهذا المنطق النابع من تسفيه مشروعية الحكم القائم والمزايدة عليه في الدين من طرف تلك التيارات الدينية المتشددة ، ينخر بناء الدولة الحديثة بمعايير عصرية حداثية ، ويستنزف طاقة من التجييش والتخندق من خلال المراهنة على استعطاف إيمان الناس وجعله حكما بين الأنظمة القائمة والمعارضة الإسلاموية.

وبالعودة إلى زيارة سماحة البابا فرنسيس إلى المغرب بدعوة من الملك محمد السادس باعتباره حسب دستور المملكة أميرا للمؤمنين ، نجد جهات معينة لا تخرج عن نطاق الأفكار التي تروج لها سلفية متحجرة ترفض تلاقي الأديان على أرضية التسامح ، وحركة إخوانية تستهدف كل نشاط سياسي أو ديني لا يستجيب لمطامحها ويهدد كيانها ويدحض خطاب الكراهية تجاه الآخر الذي تتبناه.

فزيارة البابا ؛ وقبل أن يكثر اللغط على القداس الكبير الذي أقيم والتجمهر الغفير الذي اجتمعت فيه ملحمة التعايش بين الأديان السماوية الثلاث عبر تلاوة ترانيم الحب والسلام وقبول الإختلاف ؛ كانت محط امتعاض من طرف المنغلقين على أنفسهم ممن لا ينظرون سوى إلى حدود أنوفهم ، ولا يشتمون إلا رائحة آباطهم التي تفوح منها رائحة العصور الوسيطة ، هناك حيث توقف عقل أجدادهم فأغلق عليه برتاج الدوغمائية.

وأما الذين رفضوا زيارة البابا من الأساس فمنهم الواعي بما يرفضه لأنه تهديد لخطاب الكراهية الذي يقتات منه كي يبقى على قيد الحياة يتنفس صراعا وهجوما واستعلاءا على قيم العصر وفق قاعدة ( نحن أصحاب الدين الحق وهم أصحاب الديانة المحرفة ) !! ، ومنهم الإمعة الذي ينساق وراء خطاب الكراهية ويشجب بالتالي كل مناسبة عالمية مثل هذه ؛ قلما تتكرر ؛ لكي ينقض عليها سبا وشتما..

وهناك نوع آخر من الإمعات الذين يهللون لكل ما يصدر عن الدولة بتصفيق وترحيب أعمى أخرق يبعث على السخرية والإمتعاض .

لكن دعونا نقول شيئا على هامش هذه الزيارة التاريخية ونرد برأي على بيان ما يسمى ظلما وزورا ب ( الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ) والذي يوجد على رأسه رأس حربة الإخوان المسلمين ( فرع المغرب ) أحمد الريسوني عالم المقاصد وداعية إسلامي من طينة المشاكسين برأي لا يقل هجومية عن أسلوب يوسف القرضاوي ، والذي يتهم اللوحة الفنية البديعة الباعثة على الإعجاب بشتى النعوث القبيحة التي تدكي خطاب الكراهية وتقطع السبيل على كل محاولة لتلاقي وتعانق الأديان ، ما دامت هذه الأخيرة جاءت ليس لتفرق بين الناس فوق الأرض بل جاءت لتوحدهم على كلمة سواء ألا نعبد إلا الله الواحد الذي يؤمن به اليهودي والمسيحي والمسلم.

لقد سال كلام كثير على جنبات اللقاء الذي جمع الديانات الثلاث في حلة بديعة من ترانيم السلام والتعايش ، وشجب الكثير ممن لم يستطيعوا التفرقة بين صيغة الآذان وبين مدخل التوحيد الذي لهج به لسان ذلك المنشد ، وهم في ذلك معذورون لأنهم لم يعتادوا على مثل هذا التلاقي بين الأديان في حاضنة واحدة تجمعهم على ذكر الله بالطريقة التي تحقق هدف التصالح والتقارب ونبذ الفرقة وتقريب فكرة أننا أبناء ديانة حنيفية واحدة دين إبراهيم أب الأنبياء.

وطبيعي أن تصدر الممانعة عمن يقصر فهمه في تلمس مرامي وأبعاد مثل هذا اللقاء.

إن بيان هيئة دينية ؛ وإن اكتست صفة العالمية ؛ وبما أنها ممولة من جهات تتبنى الطرح الإخواني بعد دحر هذا الأخير في قلب حاضنته الأم مصر، لا يمثل إلا نفسه ولا يعبر عن رأي عالمي استحسن ورحب بهذه الزيارة وبكل مراسيمها ، كما لا يرقى مثل هذا الرأي النشاز إلى مستوى ما يرنو إليه المغرب من تعايش وسلام وحب بعيدا عن كل خطاب تحريضي يكرس المزيد من الحروب الصليبية في حلتها الجديدة في عالم اليوم.
بقلم : محمد علي لعموري