كتاب “الشخصية المحمدية”: اضطراب منهج وتهافت فكر ؟!

عبد الرزاق الجباري
معلوم لدى القاصي والداني من مثقفي العرب، أن معروف الرصافي شاعر عراقي متفنن في الشعر وأوزانه، وله قصائد رائقة ذائقة في مختلف المجالات: الفلسفية منها، والكلامية، والسياسية، والاجتماعية.

وقد اشتهر، إلى جانب ذلك، ببعض كتاباته الفكرية التي اقتحم فيها عقبة قراءة الثرات العربي الإسلامي، فجمع شتاتها في كتابه الشهير الذي وسمه بـ: “الشخصية المحمدية”. وقد اهتم هذا المؤَلَّف، في كل مباحثه وقضاياه، بدراسة وبحث سيرة الرسول الأعظم سيدنا محمد (ص).

ومما يميز هذا الكتاب، هو المنهج المعتمد في تأليفه، والذي عبر عنه مؤلِّفه بقوله: “إننا نريد أن نعرف محمدا كما هو، وقد تقدم أن القرآن أصح ما بلغنا عنه، فيجب أن نعتمد عليه في معرفة محمد أكثر من غيره، أما كتب الحديث والسير، فلا يجوز الاعتماد عليها إلا بعد أن نضعها في غربال منسوج من المعقول ومن القرآن، فنغربلها فما سقط منها تركناه، وما بقي في الغربال أخذناه، وهذا ما نريد أن نعمله في هذا الكتاب”.
ولعل أجلى ما يستبطنه هذا الإعلان المنهجي، أمرين اثنين:

أولهما: أن القرآن، بحسب المؤَلِّف، هو أصح ما بلغه عن النبي (ص)، وبالتالي هو المعتمد الأساس في معرفة الشخصية المحمدية ؛
ثانيهما: أن كتب الحديث والسير، لا يجوز الاعتماد عليها إلا بعد عرضها على: القرآن، والعقل.

غير أن القارئ الحصيف للكتاب، المتأمل في ثناياه بعين الفاحص المتجرد، سيقف، لا محالة، على عدم التزام معروف الرصافي بالمنهج الذي أعلن عنه آنفا في جل مسائله وقضاياه، بل وتملصه من كل ضابط علمي قد يقيد نزعته الأدبية المنفلتة من كل القيود. وبيان ذلك على سبيل المثال من وجهين اثنين:

أولها: أنه ينكر الوحي والنبوة، ويجعل من القرآن كلاما خالصا للنبي (ص) كشخص فائق الذكاء، فيقول بشأن ذلك: “فعلى رأينا، يكون الوحي كله بجميع أقسامه وصوره كلام محمد، وليس كونه وحيا بمعنى أنه إلهام من الله، وإن زعموا أن ذلك كفر”. ثم لا يلبث أن يتراجع مضطربا في كثير من صفحات الكتاب، حينما يحيل على آيات من القرآن الكريم، ويوصفها بـ “النزول” من عند الله، من قبيل قوله في سورة الكوثر أن: “آخرها (إن شانئك هو الأبتر)، قد نزل في مكة، وكان سبب نزولها أن العاص بن وائل قال عند موت عبد الله بن محمد: قد انقطع ولده فهو أبتر، فأنزل الله: (إن شانئك هو الأبتر)”. مضيفا، أنه: “وإن صح الحديث أيضا علمنا أن الآية الأخيرة التي نزلت بمكة أكملت في المدينة فصار المجموع سورة” (ص 147).
وغني عن البيان هنا، أنه، وفضلا عن هذا الاضطراب، فإن في ذلك مخالفة صارخة للقرآن نفسه، وهو القرآن الذي دعا معروف الرصافي إلى الاعتماد عليه باعتباره أصح ما بلغه عن النبي (ص)، إذ قال الله سبحانه وتعالى في سورة النساء: “إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده (..)” (الآية).

ثانيها: أنه، يعتمد على آثار كثيرة مروية في السيرة الحلبية دون “غربلتها”، وذلك من قبيل الأثر الذي أورده استدلال على عدم أمية النبي (ص)، والذي جاء في مجمله كما يلي: “أن العباس عم النبي (ص) صحب أبا سفيان في سفر، وهناك سأله يهودي عما إذا كان النبي يعرف الكتابة ؟ فقال العباس، فأردت أن أقول نعم، فخشيت من أبي سفيان أن يكذبني ويرد علي، فقلت: لا يكتب”.

بيد أن ما يثار بخصوص هذا الأثر من تساؤل، هو: كيف لمن يسلك منهج “الغربلة” أعلاه، أن يورد هذا الأثر مع أن غربلته بغربال المعقول والقرآن تقتضي القول بأنه غير صحيح، أو على الأقل يتطلب توجيها معينا، وذلك من عدة زوايا:

أولها: أن القرآن واضح جلي في كون النبي (ص) كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وهو ما جاء في سورة العنكبوت، إذ قال الله عز وجل: “وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ” ؛ فهذه الآية تنفي حالة التعلم عند النبي (ص)، وأنه لو كان متعلما لارتاب وشك المشركون في أن ما جاء به هو من جنس ما كان متلواً من قبل.

ثانيها: أن من مقتضيات المعقول، أن يذكر لنا التاريخ كيف كان تعلم النبي (ص) للقراءة والكتابة، ومن هم معلموه وأساتذته، وما هي مكتوباته التي خلفها، وهو ما لم يثبت إطلاقا، بينما الثابت لدى مؤرخي الحقبة النبوية، أن الأغلبية الساحقة من سكان مكة حيث مولد ومعاش النبي (ص) قبل البعثة وبعدها بقليل، كانوا في أغلبهم أميين لا يقرأون ولا يكتبون إلا سبعة عشر منهم، وهو نفس الأمر بالنسبة لسكان المدينة، حيث لم يتجاوز عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة اثني عشر منهم فقط، وليس من بينهم النبي (ص)، وهو ما يتأكد بقوله تعالى: “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم”.

ثالثها: أن الرواية التي استدل بها الرصافي كانت ناقصة، وإلا فتتمتها هي كما رواها المقريزي في “إمتاع الأسماع”، إذ جاء في ختام كلام العباس عم النبي (ص) أعلاه، ما يلي: “إنني في الجواب عن سؤال اليهودي بشأن قدرة النبي على القراءة والكتابة، ظننت لو قلت إنه أمي لا يعرف شيئا من الكتابة، فإن ذلك سيكون دون شأن النبي الأكرم، فأردت أن أقول نعم، فخشيت من أب سفيان أن يكذبني ويرد علمي، فقلت: لا يكتب، فظننت أنه خير له أن يكتب له”. ولا ندري لماذا غض الرصافي الطرف عن هذه الرواية وأورد الرواية الأولى فقط ؟!

وإذا كان لافتا من هذه النتف الأنموذجية اضطراب منهج معروف الرصافي في كتابه “الشخصية المحمدية”، فإن الألفت من ذلك، هو تهافت فكره من خلال إيراده لكثير من أحكام القيمة العارية عن الدليل، سواء من العقل أو النقل، والتي تأباها الطبيعة العلمية للخوض في مثل هذه المسائل الثاوية في كتابه، من قبيل توصيفه للحالة التي يكون عليها النبي (ص) لحظة نزول الوحي بـ “النوبة العصبية” ليس إلا، كما لو أنه –أي معروف الرصافي- طبيبا نفسيا عاش تلك اللحظة مع النبي (ص)، وقام بتشخيصها بكل دقائقها وجزئياتها، إذا قال عنها: “ويدل على شدتها سماعه فيها صوتا كصلصلة الجرس، فإن هذا الصوت ناشئ من شدة تهيج أعصابه فيها، كما أن ثقله في أثناء الوحي ناشئ من شدة تشنج أعصابها وتوترها”.

وما قيل عن هذا الحكم النفسي، يقال أيضا عن حكم قيمي آخر له عارٍ عن الدليل، حيث جعل النبوة كلها مجرد فكرة افتكرها النبي (ص)، وقام بتمثيلها خير تمثيل، إذ عبر عن حكمه ذاك بخياله القائل: “وهنا يتجلى لك دهاء محمد وما له من فطنة وذكاء، حيث لم يجعله شعرا يروى وينشد، بل جعله قرآنا يقرأ ويحفظ (..). ولعمري إن محمدا أصاب فيما افتكر فيه، وقد نجح كل النجاح، إذ جاء بقرآن لا هو من الشعر المنظوم كشعر المتألهين، ولا هو من الكلام المسجوع ككلام الكهان”.