لماذا هاجم بيان “اتحاد علماء المسلمين” زيارة البابا للمغرب مع أن بيان القدس يصب في خدمة القضية الفلسطينية؟

سعيد جعفر
بدخول صفقة القرن التي تشرف عليها الإدارة الأمريكية حيز التنفيذ تكون معها القضية الفلسطينية والدول المجاورة لفلسطين وإسرائيل ونعني بها الأردن وسوريا و مصر و نسبيا لبنان في وضع سيادي وسياسي صعب.

الهدف الإستراتيجي هو فك الطوق المجالي والسياسي على إسرائيل بإطلاق يدها في الجولان وشبعا وسيناء بعد أن تفرغ من غزة والضفة الغربية. والمؤكد أن الرئيس الأمريكي بدأ في تنزيل الصفقة بعد تحويل السفارة الأمريكية إلى القدس وإعلانه الجولان أرضا إسرائيلية.

سفارة ملك الأردن عبد الله الثاني للمغرب كشفت حجم الضغوط التي تتعرض لها بلاده لقبول تسوية مالية لقبول استيطان فلسطينيي الشتات واستقرارهم النهائي بالأردن، وهو نفس الضغط الذي تتعرض له مصر.

الدولتان ترفضان كلاهما لحد الساعة العرض/الضغط الأمريكي و تتحركان من أجل حشد الدعم حتى لا يتم عزل فلسطين وقتل القضية الفلسطينية.

المغرب كدولة وفية لإلتزاماتها تجاه القضية الفلسطينية تتحرك في حدود إمكاناتها وفي حدود صعوباتها وموازين القوى في دعم القضية الفلسطينية.

قبل أسبوعين أعلنت الخارجية المغربية عن تأجيل زيارة وزير خارجية رومانيا بعد أن أعلنت رئيسته نية حكومتها في نقل سفارة بلدها إلى القدس.

بعد ذلك استقبل العاهل المغربي رئيس لجنة القدس الملك عبد الله الثاني ملك الأردن ليؤكد الإثنان رفضهما للصفقة.

وقبله على هامش مؤتمر وارسو أكد المغرب صراحة على لسان وزير خارجيته السيد ناصر بوريطة عن تحفظ المملكة على مضامين صفقة القرن.

ونجح المغرب عبر بيان مشترك مع قداسة البابا الزعيم الروحي لمليار ونصف مسيحي عبر كل قارات العالم في أن يحشد الدعم للقضية الفلسطينية والقدس عاصمتها الدائمة.

سؤال يطرح بقوة في هذا الصدد.

إذا كان بيان القمة بين العاهل المغربي أمير المؤمنين وقداسة البابا يخدم كليا القضية الفلسطينية ويحشد الدعم لها في لحظة صعبة من مسارها، وإذا كان المغرب يجازف دفاعا على فلسطين قياسا على صعوبة موقفه في الصحراء، فلماذا هاجم بيان اتحاد علماء المسلمين زيارة البابا و وقائعها ومخرجاتها؟ ولماذا تم تصيد جزئية الآذان فيها؟

لقد قلنا دائما أن التاريخ معيار حاسم لفهم الأشياء، وخروج اتحاد علماء المسلمين بقيادته الجديدة لا ينفصل عن الخروج الكبير لنفس الإتحاد بموازاة مع الحراك العربي في 2011 والذي أفرز حكومات إسلامية بسياسات نيوليبرالية متوحشة طبقت حرفيا توصيات مؤسسات النقد الدولي.

ومن دون شك فدور هذا الإتحاد أكيد في إضعاف خصوصا الدولة السورية عبر إعطاء الشرعية الدينية لعمليات القتل الكبرى التي كانت تقوم بها الجماعات الدينية المتشددة من قبيل النصرة والجماعة الإسلامية المقاتلة و داعش ضد المدنيين والجيش العربي السوري.

لقد أصدر هذا الإتحاد و علماؤه وعلى رأسهم القرضاوي وحسان والعودة و السديس وغيره عشرات البيانات والنداءات للإلتحاق بالجهاد في أراضي الشام والحجاز، والذي كانت نتيجته في المحصلة إضغاف الجيش العربي السوري والنظام السوري مما سيسمح لاحقا بتجرؤ دونالد ترامب على تجاوز كل الإتفاقيات الدولية وإعلانه الجولان إسرائيلية.

لا نحتاج ذكاء كبيرا لأن نقول أن هذا الإتحاد المسمى ظلما اتحاد علماء المسلمين يعطي شرعية دينية ضمنية لكل محاولات إضعاف ما تبقى من مناعة الأنظمة العربية ولا سيما سوريا ومصر اللتان هزمتا اسرائيل في يوم ستة يونيو 1973 بعد الوحدة المصرية السورية المباركة والتي أركعت إسرائيل ومعها عراباها أمريكا وانجلترا اللتان قبلتا قرار وقف إطلاق النار و ترسيم الجولان وسيناء منطقتين عازلتين ومنزوعتي السلاح بعد أن كانت اجتاحتهما إسرائيل.

في العمق إذن تحرك هذا الاتحاد ضد بيان قمة أمير المؤمنين وقداسة البابا هو ليس ضد شكلية الآذان، ولكن هو تحرك لنسف مخرجات البيان وآثارها على عرابي ووكلاء صفقة القرن في المنطقة.

نعرف أن الداعمين التقليديين منشغلين جدا بأوضاعهم الداخلية، العربية السعودية الداعم المالي الأكبر للسلطة الفلسطينية مغلوب عليها منذ مدة نتيجة الضغوط الأمريكية، وأن الإمارات العربية المتحدة ثاني أكبر داعم مالي للسلطة الفلسطينية منخرطة في تقوية أمنها القومي عبر دعم الأنظمة المستبدة،
ومصر الداعم السياسي المباشر والوسيط المباشر مع إسرائيل منشغلة بأمنها الداخلي و بسيناريوهات إمكان نسب ترامب سيناء لإسرائيل،

إذن ننتظر ردود فعل قطر وتركيا مؤسسي اتحاد علماء المسلمين.

لكن لا نظن أن يصدر عنهما ما يساند القضية الفلسطينية في هذا المنعطف الحاسم لا سيما أن الاتحاد الذي يملكان توجهاته هاجم بيان القدس كمبادرة كبيرة للفت انتباه العالم ولا سيما حكومات وشعوب أوربا لما يحاك الآن من خطط ضد القضية الفلسطينية.