لماذا كان اهتمامي بمولانا جلال الدين الرومي والمولوية؟

خالد محمد عبده
يمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:

أولاً: نظرًا للمكانة المتميزة التي يحظى بها الرومي وطريقته الصوفية في الشرق والغرب جميعًا، وإن كان الاهتمام الغربي به أكبر وأعمق. ومن هنا فسوف نحاول التعرف على هذا الصوفي الكوني الذي استطاعت كلماته أن تخترق حجب المسافات وتقرب العوالم وتصبح جسرًا للحوار بين الحضارات ومادة خصبة للإبداع في فنونٍ شتى.

ثانيًا: العودة إلى صوفيٍّ فارسي مسلم من القرن السابع الهجري فيها التماس لمعاني الجمال والروحانيات التي زخرت بها الثقافة الإسلامية، ومحاولة للاقتراب من تراث الصوفية الفارسي الذي ظلّ مجهولاً فترة كبيرة عند المتلقي العربي، فما تُرجم من هذا التراث في بدايات القرن الفائت لم يعد يلقى اهتمامًا ودرسًا كما كان، فإذا قارنّا ما أنتجه أعلام الدراسات العربية بالأمس وما أنتج حاليًا وقفنا على هوة كبيرة في الاهتمام الأكاديمي العربي برموز العرفان الإسلامي.

ثالثًا: إعادة قراءة الرومي اليوم ومحاولة التعرف على حضوره العربي تجعلنا نعيد رسم خريطتنا المعرفية بشكل صائب، فإذا كان تقييم الرومي من المحبين يقتصر على ترديد أحكام العظمة والمبالغة في التبجيل، ومن المخاصمين يقتصرُ على القدح في مكانة الرومي، فإننا من خلال القراءة نستعيدُ موقعنا الثقافي من جديد.

رابعًا: من خلال قراءة النصوص المولوية نرى كيف يعيد الرومي بناء الذات وتأسيسها من خلال التقاطه لمظاهر الجمال والفن من صور الحياة اليومية ونشاطات أهل الحِرف والصّناعات والباعة والمهمّشين رادًّا إياها إلى أصولها الإلهية ومذكّرًا بالأصل الإنساني المغيب اليوم، فالغالب على أهل التدين ما يُنشر من صور العنف والانغلاق، لذا فإن استحضار نموذج الرومي يصبح ضرورة ملحة اليوم.

خامسًا: وإذ يجمع المفكرون والمحققون – كما يقول المخلصون لنقل تعاليم الرومي إلى العربية – على أن كتاب المثنوي يُعدُّ في طليعة المأثورات الأدبية العالمية، وقد علت مكانته، وذاعت شهرته في كلّ مكان، حتى لا تكاد تخلو لغة من اللغات الحية من ترجمة للمثنوي، وقد سيطرت ألوانه الفنية على القلوب منذ مئات السنين، وقد كان الرومي صورة مجسَّمة للعشق الإلهي من الرأس إلى القدم، وكلماته هي التعبير عن رسالة العشق من البداية إلى النهاية، وعلى حدِّ تعبيره: لو خلا قلب الإنسان من العشق لم يبق من آدميته، إلا صنم من لحم ودم بدل الحجارة، والشعب الخالي من العشق لا يعدو أن يكون أكواماً من التراب.

سادسًا: فقد قدَّم الرومي رسالته في صور من القصص والحكايات، وتناول معالجة الأسرار الخلقية، وحلَّ رموز التصوف الدقيقة، يقول العلامة شبلي النعماني في كتابه «سوانح مولانا روم»: إننا لو تصفحنا الآداب الفارسية منثورها ومنظومها، فإننا لا نجد مثيلاً لهذا الإبداع الذي استفاض به المثنوي في حل الرموز وكشف الأسرار، والإبانة عن الخفايا من الحكم والعظات البالغة.

من هنا رأينا أن نقدّم لقارئ العربية جملة من دروس مولانا التي لخّصت جملة من المعارف الدينية الإسلامية في صورة جمالية قلّ أن نجد لها نظيرًا في الكتابات القديمة أو المعاصرة..

أضف تعليق

Click here to post a comment