العرب ظاهرة صوتية

استلهمت هذا العنوان من كتاب لامع للكاتب السعودي المشاغب عبد الله القصيمي ، الذي تمرد على ثقافة ” مدن الملح ” وخرج على أوفاق ما تسلكه بلاده والبلاد المحيطة بها من ثقافة دينية مستهلكة بغباء سلفي متحجر ، قبل أن تنقلب ( أي السعودية اليوم ) في تيرموميتر مواقفها السياسية/الدينية بوتيرة سريعة شد انتباه الوطن العربي ، مع ولي العهد السعودي الجديد الذي تحرك على رقعة شطرنج بنفس ظاهره حداثي وباطنه إرضاء للحليف الذي يحمي ظهر السعودية : ماما أمريكا التي يرأس ولاياتها اليوم تاجر محنك أشبه بزعيم سوق نخاسة كبير يبتز الحلفاء قبل الأعداء ويمتص ثروات مدن الملح ثمنا لحماية أمريكية لأنظمتها الفاقدة للشرعية.

لعل العنوان يعبر عن هوان عربي معاصر بدأ منذ تهور الرئيس العراقي المشنوق صدام حسين ذات يوم وقرر اجتياح الكويت ، فكانت بداية نهاية محور الممانعة العربية.

فبعد سقوط العراق ، كان لا بد من تفعيل مخطط الفوضى الخلاقة غير الأخلاقية منذ عام 2011 ، فسقطت ليبيا وتم تدمير سوريا ، كما أوكل للسعودية تدمير اليمن بدعوى محاربة ” الإرهاب الإيراني ” الذي يهدد المنطقة !

العرب ظاهرة صوتية أكدتها مؤخرا قمة تونس العربية ، ولو شيء لعبد الله القصيمي أن يعيش حتى يرى هذا التشردم العربي لألف كتابا آخر ينعي فيه العرب يكون عنوانه ” الإنتحار الذاتي للعرب ” ، ولا عزاء لمن يصم أذنيه عن هذه الحقيقة.

تنبأ الشاعر نزار قباني يوما بمصير ما ستؤول إليه الأوضاع عندنا حين طرح قصيدة بسؤال استنكاري : ” متى يعلنون وفاة العرب؟ “.

العرب طبعا لم ولن يموتوا ولكن النوم والخمول والهوان أشبه بالموت ، ولكن بهذا التشردم وبهذه الفرقة سيقتل بعضهم بعضا ، ولن يستفيقوا من سباتهم؛ الذي يجسده قادتهم في القمم ؛ حتى يقع الحرد ويجربوا كل إمكانية للإقتتال ، فيفنى فيهم من يفنى ويسحق فيهم من يسحق ، وتظهر فيهم بوادر التعلم من أخطائهم ، وتستفيذ الشعوب من صمتها على الظلم فتسترد مشعل الزعامة لتصبح تعبيرا عن إرادة أمة تسير ؛ بعد توقف طويل ؛ نحو نهضة كانت دوما مؤجلة.

ففي قمة تونس الأخيرة كان القادة العرب نائمين ، وكأن النوم في العسل داخل القصور ليس كافيا ، فجاءت القمة العربية الدافئة لترسل عليهم سكينة بين خطاب وخطاب وكأن القمة غرفة نوم فسيحة فيها الصوت العربي الذي يهمس والذي يجعجع والذي يبعث على الإستسلام للنوم..بعدها يعود القادة العرب إلى بلادهم وقد عادوا إلى مراكز قرارهم يتآمر بعضهم على بعض..

العرب بحكم الضعف الذي ألم بهم باتوا مجرد مختبرات لتجريب الوصفات الغربية في : الحرب على الإرهاب ، الحرب ضد إيران ، مقاومة وقمع معارضة الداخل حفاظا على المصالح المشتركة بين الحكام والحلفاء الأجانب…

إن الشعوب العربية منكوبة بحكامها وبجهلها وتجهيلها ، وبتدينها السطحي والزائف الذي يجعل المسلم مثلا يفكر في تطبيق الحدود ولا يفكر في كسر القيود…

إن العرب ظاهرة صوتية بالفعل لأنهم فاشلون عن تحويل كل طاقة لديهم من الحرب إلى الحب والسلم ، واستثمار الجهد في بناء أوطانهم بمشاريع ملموسة يمضون فيها بصبر يتطلب بعض الوقت لكن بلا هوادة ولا تسامح مع الفساد ومع الغش ومع الكسل ومع النهب..

فمتى يعلنون استفاقة العرب ؟ ومتى ينام القادة العرب جيدا داخل قصورهم قبل ذهابهم إلى القمم ؟ ومتى يتماهى صوت الشعوب مع صوت القادة ؟ ومتى تبنى الأوطان بهمم النساء والرجال على السواء ؟ ومتى يتفق العرب على شيء جامع مانع يقوي مناعتهم الداخلية فلا يستطيع العدو الخارجي لاختراقها سبيلا ؟
بقلم : محمد علي لعموري