مناهج تدريس الأديان بين مؤسسة دار الحديث الحسنية ومؤسسات تدريس الأديان بالغرب

نادية الشرقاوي
في سياق البرنامج الثقافي السنوي لمؤسسة دار الحديث الحسنية، نظمت المؤسسة في 30 أبريل يوما دراسيا حول: “مناهج تدريس الأديان بين مؤسسة دار الحديث الحسنية ومؤسسات تدريس الأديان بالغرب”، وفي كلمة ترحيبية ألقاها السيد المدير الدكتور أحمد الخمليشي، بحضور ضيوف هذا الحفل الفكري المتميز والأول من نوعه في المؤسسة، أكَّد فيها على أن هذا اليوم الدراسي يعدُّ لبنة من لبنات البحث في هذه المؤسسة، وموضوعه في الوقت الحاضر له أهمية قصوى في الدراسات الدينية، خصوصا وأنه من الموضوعات الدقيقة التي لا تزال مهملة من الجانب النقدي والعلمي في أغلب مؤسسات الدراسات الإسلامية في العالم الإسلامي.

وإذا كانت هناك دراسات من هذا النوع في الجامعات الغربية فإنها لم تنتقل إلى جامعاتنا، لأن هذه الأخيرة لا تزال مكبلة بهاجس النقل، وما تزال أمينة لهذا النوع من التكوين، وتعاني من غياب النقد وغياب التأكد من الروايات.

وفي السياق نفسه، أشار الدكتور الخمليشي إلى أن إعادة هيكلة المؤسسة كان بهدف تدشين مرحلة جديدة، يرجى من ورائها أن تكون خطوة رشيدة لتجاوز هذا الوضع، وتكون محاولة لتلقي المعلومات والروايات بحاسة النقد واستعمال المنطق، ومن هذا الباب أدرج في برامج المؤسسة مادة مقارنة الأديان إلى جانب العلوم الاجتماعية والإنسانية، باعتبار هذه المواد قادرة على تزويد الطالب بحاسة النقد والتأكد من المعلومات التي يتلقاها، فهي خطوة أساسية ترتقي بالدراسات الدينية حتى تكون في مستوى نظيراتها التي نشاهدها في العالم، ليست الخاصة بالإسلام، ولكن بالأديان عموما التي قطعت أشواطا كبيرة في تحليلها وغربلتها من الكثير من الروايات التي تسيء إليها ولا يقبلها العقل وتؤثر على العقيدة الدينية بذاتها.

وفي كلمة اللجنة التنظيمية، قال الدكتور يوسف الكلاّم أستاذ التعليم العالي وأستاذ مقارنة الأديان بالمؤسسة، أن دراسة الأديان أصبحت من الدراسات الأساسية في الجامعات الغربية والإسلامية على حد سواء، غير أن هذه الدراسات الدينية تختلف من حيث المناهج المتبعة فيهما، ففي الوقت الذي تعتمد فيه الجامعات الإسلامية المناهج الأصيلة التي وضعها علماء الإسلام بمختلف تخصصاتهم الكلامية والأصولية، اتبعت الجامعات الغربية مناهج البحث في العلوم الإنسانية، غير أن ما يميّز الجامعات الغربية في دراستها للأديان وللإسلام، اعتناؤها الكبير بالنصوص المؤسسة، سواء الديني منها أو التاريخي، هذا من جهة، من جهة ثانية عدم تسليم باحثيها بالأحكام السابقة التي توصل إليها الأولون إلا بعد إخضاعها للنقد والتمحيص والمراجعة العلمية، وهذا ما تحتاجه مراكز البحث والجامعات في العالم الإسلامي.

أما عن تنظيم مؤسسة دار الحديث الحسنية، لهذا اليوم وفي هذا الموضوع، وهي من مؤسسات جامعة القرويين العريقة، فيرجع إلى الدور التاريخي الذي لعبته جامعة القرويين منذ تأسيسها قبل 12 قرنا، والتي كانت عبر التاريخ تعنى بتدريس العلوم المختلفة، الإسلامية والإنسانية والدقيقة، من أصول وفقه وحديث وتفسير ومنطق ولغة وفلسفة ورياضيات وفلك، كما احتضنت مختلف فئات طلبة العلم من المسلمين واليهود والمسيحيين، في جو من التعايش والتسامح التام، وبعدما تولت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تدبير جامعة القرويين، سعت من خلال النصوص المنظمة لها وللمؤسسات الجامعية الأخرى التابعة لها، إلى العمل على الجمع بين المناهج الأصيلة والمناهج الحديثة والانفتاح على مختلف المقاربات المعرفية التي تحقق مبادئ القيم الإسلامية السمحة. فهذا يجعل جامعة القرويين بمؤسساتها المختلفة، وعلى رأسها دار الحديث الحسنية، مؤهلة أكثر من غيرها لتحتضن مثل هذا اليوم الدراسي للنظر في مدى إمكانية الجمع بين مناهج تدريس الأديان في الغرب، ومناهج تدريس العلوم الإسلامية وعلم الأديان بجامعة القرويين.

شارك في هذا النشاط العلمي ثلة من المتخصصين من داخل المغرب وخارجه، وهم، البروفيسور الدكتور عبد العالي العمراني جمال المتخصص في الفلسفة الوسطوية من جامعة السوربون والمدير السابق للبحث العلمي بالمركز الوطني للبحث العلمي بباريس وأستاذ زائر بمؤسسة دار الحديث الحسنية، والبروفيسور stefan scheriner أستاذ الدراسات الدينية المقارنة والدراسات اليهودية بجامعة توبنغن الألمانية، والدكتور محمد أديوان نائب رئيس جامعة القرويين وخريج جامعة سترلين باسكتلندا، والدكتور سعيد شبار أستاذ التعليم العالي بجامعة المولى سليمان ببني ملال ورئيس مركز دراسات المعرفة والحضارة، والدكتور أحمد شحلان الخبير في اللغات الشرقية وأستاذ اللغة العبرية بجامعة محمد الخامس سابقا، والدكتور إبراهيم رضا أستاذ التعليم العالي وأستاذ مقارنة الأديان والفكر الإسلامي بجامعة القاضي عياض بمراكش، والدكتور سيدي محمد زهير أستاذ التعليم العالي في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، والدكتور يوسف الكلام أستاذ التعليم العالي وأستاذ مقارنة الأديان، وختم هذا اللقاء العلمي بتوصيات مهمة ستسعى المؤسسة إلى تفعيلها لتطوير البحث في علم مقارنة الأديان.