جاء رمضان فما معنى الصيام ؟

لن نخوض في المستوى اللاهوتي لرمضان باعتباره أحد أركان الإسلام الخمسة ، فقد شبعنا من هذا القول المكرور حد التخمة ، وكأن التكرار الببغائي لهذه الأسطوانة المشروخة من طرف الفقهاء ورجال الدين عندنا يروم تذكير الناس بشكل فج ومستهلك بشيء أصبح في حكم المألوف ويحظى بقدسية شهر يتكرر كل عام ويعيشه المسلمون بعقلية تسليمية باعتباره فرضا دينيا وطقسا مقدسا وشهرا كريما يحمل معه الخير والخيرات لمن يؤمن به ويحترم مواقيت الصوم فيه والأكل..الخ
رمضان هذا الذي أصبح مع مرور السنين طقسا دينيا يمارسه المسلمون في كل بقاع العالم حيث تتواجد الأغلبية أو الأقلية المسلمة هو ذو معان في تدريب الذات على الزهد والتخلي.
ليس لأن الله أمر به ، ولكن لأن محطته تحتاجها الذات البشرية لتجديد نظام الجسم وتطهيره وطرد فضلات العام وإراحة بعض الأعضاء التي لا تتوقف عن مجاراة أهواء صاحبها مثل البطن ( الجهاز الهضمي ) والفرج ( الجهاز التناسلي ).
كلاهما ضروري في حياة الإنسان ، ومنا من يستهلك الأكل فلا يقيم وزنا لصحته حتى يقع في المحظور ، وكذلك الشأن بالنسبة للغريزة الجنسية التي توقع صاحبها فيما يعود على صحته بالوبال والسقم والعلل…
طبعا هناك قاعدة تقول : الأشياء إذا زادت عن حدها انقلبت إلى ضدها ، فمن شأن الإفراط أن يضع الجهاز الهضمي للإنسان في ورطة الثخمة ويلحق الضرر بالمعدة والقولون والأمعاء الدقيقة والمعي الغليظ..الخ وبالتالي تحدث انتفاخات وانقباض وعدم خروج الفضلات لأيام مما ينتج عنه تسمم داخل الجهاز الهضمي.
ومن شأن التفريط في الأكل أن يضعف جسم الإنسان ويصيبه بفقر الدم وتدهور الحالة الصحية باتجاه السقم والهبوط الحاد في الضغط الدموي أو في السكر داخل الجسم مما ينتج عنه دخول الإنسان في غيبوبة وانهيار الجسم أمام وطأة الإحتياج إلى تغذية مناسبة ومتكاملة في مواد أساسية تحمل للجسم ما يحتاجه من بروتينات وفيتامينات وذهنيات وسكريات الخ حتى يحافظ على صلابته وتماسكه.
وبهذا كان التوازن والإعتدال في تناول الماكولات هو السبيل إلى تحقيق جسم سليم خال من الأمراض والعلل.
ولما كان الإنسان يغفل عن هذا المطلب في الإعتدال والحفاظ على توازن الجسم ، فإن محطة الصوم تنوب عن ذلك داخل أيام رمضان مما يعطي للجسم فرصة كي يتعافى ويستريح ويرمم ما تلف من خلايا وتطهير ما تسمم وتعفن من أعضاء في الجسم.
إن الطابع الصحي للصوم له مكانته ولا يجادل فيه أحد ، باستثناء أولئك الذين لهم أمراض مزمنة تحول دون قيامهم بهذه العملية طيلة شهر بأكمله… وهنا وجب عدم التقيد بهذا الطقس السنوي حتى بالنسبة للذين يعتقدون بفريضته عليهم كمسلمين.
فالأصل في الأشياء الإباحة ، والصوم هو الإجازة الدينية التي تتوافق وما ينصح به الأطباء من أجل التخلص من بعض المشاكل الصحية وإعادة بناء الجسم.
هذا من الناحية الصحية ، أما من الناحية الإجتماعية ، فإن الصوم باعتباره فريضة أو طقسا جماعيا يحقق خاصية التضامن بشأن الشعور الجماعي بالجوع والحاجة والحرمان والفقر والضعف والفاقة التي هي شعار الكادحين ونمط عيش الفقراء والمعوزين.
ففي رمضان يفترض أن تكثر سبل التضامن مع الفقراء من طرف أغنياء البلد في تناغم ما بين خاصية الصيام التي ليست من اختصاص الفقراء وحدهم بل هو فرض عين على الجميع في إطار العلاقة الوثيقة بين المؤمن وربه. وطبعا يستثنى من هؤلاء من لا يؤمن بتلك العلاقة ويعتبرها ضربا من التجويع والقهر والحرمان.
طبعا يحق لمن كان هذا هو تفكيره واقتناعه أن يرى في الصوم حكما جائرا ، لأنه لم ير جور المجتمع في عدم الإحساس بجوع الفقير ، فإذا لم يكن للصيام سوى هذا الإحساس الذي يراود من لا إيمان له ، فإنه يكون قد ذكر الجميع بضرورة التفكير في جوع الفقراء وفاقتهم التي لا يلتفت إليها أحد.
فالصيام ليست مجرد محطة لتنظيم الجسم بل فرصة كذلك لتنظيم المجتمع وجعله أكثر إنسانية وأكثر تضامنا وأكثر تقيدا بواجب فعل الخير بين الناس سواء من باب الطاعة والتقرب من الخالق ، أو من باب أداء الواجب الإنساني وعدم ذفن الرأس في الرمل في أنانية وفردانية قاتلة.
فالصيام الجماعي يؤسس سنويا لطقس سوسيولوجي لا يقاوم ، فيه يتجدد الإيمان بقضية الله وقضية الإنسان وكلاهما يتظاهران لخلق أجواء روحية لا يشعر بمعانيها سوى من يؤمن بالمطلق وبالغيب وبنسبية الهنا والآن ومطلق الخير كأفق لتحقيق راحة الضمير الحي.
إن للصيام طابعه الإقتصادي الذي تنتعش فيه الحركية الإقتصادية وخاصة الإقتصادات العائلية والشعبية التي تنشط بسبب حضور منتجات ذات نكهة رمضانية ، وكذلك التهافت الكبير على الأسواق الكبرى الرأسمالية التي تروج لمنتجاتها وتبيع بتسويق يستغل الطقس الرمضاني لزيادة الأرباح…
وهنا تدخل الذات الصائمة في صراع مع نفسها الأمارة بالسوء ، فالحرب الخفية بين ذات زاهدة في الشيء لتحقيق التوازن والتعبد الروحي ، وبين سوق جشعة كلها إغراء يفسد على المرء خطته في كسر العادة والتمسك بالزهد مما يخلق حالة من الفوضى في جسم الإنسان ، لأن تهافت الإنسان على اقتناء ما لذ وطاب وإعداد مائدة متنوعة وغنية ، وإقبال الصائم عند الإفطار على إلحاق الضرر بجسمه ومعدته بشراهة الصائم جوعا لا تطوعا وتضرعا ، بحيث يكون لجام شهوته هو المبدأ وليس التقيد بالجوع ، ثم الهجوم على الأكل مساءا فلا يحدث الفارق المطلوب لجعل الذات تعيش روحانيتها الحقة القائمة على الزهد وعدم الإفراط ، كل ذلك يجعل منطق السوق الراسمالي هو الغالب والمنتصر على خطة الفرد في مقاومة إغراء الشهوة والرغبة.
ولهذا كان الصيام عدو الراسمالية الجشعة المتوحشة التي لا يروق لها إمساك الإنسان عن استهلاك المواد الغذائية ، ولهذا يوظف التسويق التجاري الجوع كماركة رمضانية لممارسة الإغراء بواسطة التخفيضات والتحفيزات والمسابقات وتسويق ما يحتاجه الصائم في شهر الصيام.
ولهذا فإن هدف الصيام هو الدخول في تحد مع الذات من جهة ، وتحدي إغراء الوجود والسوق من جهة ثانية. فهل يفلح المرء في امتحان الشهوة المكبوثة طيلة شهر كامل لتحقيق التوازن وتغليب منطق الربح مع الذات ومع الله ؟
بقلم : محمد علي لعموري