لماذا أخوض في حادثة السقيفة مرة أخرى؟

الزمان: القرن اﻷول الهجري
– المكان : سقيفة بني ساعدة
– الحدث : اختيار خليفة للمسلمين
– الشخصيات : أبو بكر ، عمر ، أبو عبيدة بن الجراح ، سعد بن عبادة ، علي بن أبي طالب ، قبيلتي اﻷوس والخزرج .
– لاشك، وأن التاريخ الإسلامي ما يزال يضج بمجموعة من اﻷحداث التي تنتظر من ينقب وينبش التراب عنها من أجل تصحيح الواقع اﻵني واستشراف المستقبل المجهول ، ومن بين تلك اﻷحداث حادثة السقيفة المشهورة في أوساط المؤرخين وأهل الحديث على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، الفترة التي خلقت لغطا بين المؤرخين وبين من حضروها أنفسهم، بيد أن ما أثارني هو ما بعد هذه الحادثة التي ضج لها الكيان الإسلامي آن ذاك، وقبل الخوض في الحدث الذي استوقفني لعلي أستعرض جانبا من حادثة سقيفة بني ساعدة.
– بعد وفاة نبي الإسلام اجتمع الأنصار ” اﻷوس والخزرج ” في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة
قالوا : منا أمير ومنكم أمير
فقال أبو بكر : منا اﻷمراء ومنكم الوزراء
وإني رضيت لكم أحد هذين الرجلين يقصد عمر وأبو عبيدة بن الجراح لتبايعوه
فقالت الأنصار أو بعض اﻷنصار : لا نبايع إلا علي.
وقال الزبير : لا أغمد سيفا حتى يبايع علي .
وكان علي والعباس في تجهيز محمد نبي الإسلام، – والسؤال: كيف لم يتم استدعاؤهما لحدث بارز كهذا وهما من هما، ولعل هذا ما يفسر تخلفهما عن البيعة، قال ابن اﻷثير في الكامل: وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، وقال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة، وهنا سؤال آخر: هل كان لفاطمة يد في عدم مبايعة علي لأبي بكر خاصة بعد ما حدث معه ومعها هي أيضا حين حرمت من ميراث أبيها ؟! على العموم كان هذا الإقصاء اﻷول لعلي من الخلافة –
الشاهد أن الأصوات ارتفعت وكثر اللغط بين القوم إلى أن أخذ عمر بيد أبي بكر وبسطها فبايعه ، وبايعه اﻷوس أولا من اﻷنصار وفي هذه اللحظة اتقدت العصبية القبلية الأولى لتغلب الكفة لصالح أبي بكر، فقال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير وكان نقيبا: والله لئن وليتها الخزرج مرة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فكانت بذلك بيعة أبي بكر نكاية في الخزرج لا حبًّا في الرجل، وكانت فلتة كما وصفها عمر.
ثم بعد هذا تحول سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما وأرسل إليه ليبايع فقال: لا والله ، فلم يبايع إلى أن تم قتله غيلة في ملابسات غامضة لا مجال للحديث عنها في هذه السطور.
هنا بدأ مجرى اﻷحداث السياسية في التغير تولى أبوبكر الخلافة ولم يحاول تغيير الكثير على ما كان من العهد النبوي، وكانت لائحة الولاة في عهده على شاكلتها في العهد السابق، وإن لامستها بعض التعديلات في التعيينات فهي لم تطل اﻷنصار وآل البيت بل اقتصرت على بعض فروع القرشيين.
ثم بعد أن نزل بأبي بكر الموت دعا عثمان بن عفان وكتب بالخلافة لعمر دون حضور علي بن أبي طالب مرة أخرى، وخرج على الناس في المسجد وأخذ منهم البيعة لعمر ولم يكن بينهم علي ولا من ذكرنا سابقا ولعل هذا الإقصاء الثاني من الخلافة.
تولى عمر بن الخطاب اﻷمر بعد أبي بكر وفي تعيينات الولاة هنا وهناك في أطراف الدولة الإسلامية لم تطل تلك التعيينات اﻷنصار وآل البيت إنما اقتصرت على الفروع اﻷخرى من قريش.
وإنه، وبعد هذه الجولة القصيرة في دهاليز حادثة السقيفة أشير إلى أنه لم يكن من قبيل المصادفة غياب ” اﻷنصار وآل البيت” عن لائحة الولاة في خلافتي أبي بكر وعمر وحضورهم في لائحة الولاة في عهد علي بن أبي طالب، ولنراجع معا اللوائح المتضمنة للولاة في الفترات المذكورة:
لائحة الولاة في عهد أبي بكر رضي الله عنه :
ـ عتاب بن أسيد الأموي ، عثمان بن أبي العاص الثقفي ، العلاء بن الحضرمي ، حذيفة بن محصن الأزدي ، سمرة بن عمرو التميمي ، المهاجر بن أبي أمية المخزومي ، جرير بن عبد الله البجلي .

ﻻئحة الولاة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
ـ محرز بن حارثة ، قنفذ بن عمير التميمي ، عثمان بن أبي العاص الثقفي ، العلاء بن الحضرمي ، نافع بن الحارث الخزاعي ، سفيان بن عبد الله الثقفي ، خالد بن العاص المخزومي ، عياش بن أبي ثور ، قدامة بن مظعون ، أبو هريرة ، عمرو بن العاص ، يعلى بن أمية الثقفي ، عبد الله بن ربيعة المخزومي ، يزيد بن أبي سفيان ، معاوية بن أبي سفيان ، شرحبيل بن أبي سفيان ، عياض بن غنم الفهري ، سعيد بن عامر الجمحي ، عمير بن سعد اﻷنصاري ، أبو عبيدة بن مسعود الثقفي ، سعد بن أبي وقاص ، شريح بن عامر ، عتبة بن غزوان ، المغيرة بن شعبة الثقفي ، أبو موسى اﻷشعري ، عمار بن ياسر ، حذيفة بن اليمان ، سلمان الفارسي ، عتبة بن فرقد السلمي .

لائحة الولاة في عهد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :
ـ الحارث بن ربعي ، قثم بن العباس ، أبو أمامة سهل بن حنيف اﻷنصاري ، تمام بن العباس ، أبو أيوب اﻷنصاري ، النعمان بن العجلان اﻷنصاري، عبيد الله بن العباس ، عمر بن أبي سلمة النخزومي ، قدامة بن العجلان اﻷنصاري ، سعيد بن سعد بن عبادة اﻷنصاري ، اﻷشتر النخعي ، قيس بن سعد بن عبادة اﻷنصاري ، محمد بن أبي بكر ، عثمان بن حنيف اﻷنصاري ، عبد الله بن العباس ، أبو اﻷسود الدؤلي ، زياد بن أبيه اﻷموي ، عبد الرحمن بن أبزى ، جعدة بن هبيرة المخزومي ، عبد الرحمن الطائي ، ربعي العنبري ، الأشعت بن قيس ، سعيد بن سارية الخزاعي .

من الملاحظ أن في خلافتي أبي بكر وعمر لم تطل التعيينات لمناصب الولاة صفوف اﻷنصار وآل البيت، والملفت للنظر أن عمر وعلى كثرة ولاته في مختلف اسقاع الدولة الإسلامية والبالغ عددهم ثلاثون واليا وطيلة العشر سنوات التي قضاها في الخلافة لانجد سوى عمير بن سعد اﻷوسي اﻷنصاري، مع التسطير على “اﻷوسي” فكما ذكرآنفا أن اﻷوس خالفو الخزرج وبايعوا لأبي بكر وبعده عمر، على العكس من الخزرج الذين ظلُّوا بعيدين، إضافة إلى الغياب التام لآل البيت في تعيينات الولاة وحضور بارز للأمويين في كل فترات مدة الخلافة إلى أن تسلموا مقاليد اﻷمور بأنفسهم، ولعل هذا نرده إلى أمرين اثنين:

إما أن الأنصار وآل البيت كانوا ينأون بأنفسهم عن ذلك بسبب الخلافات السياسة. وإما أن عمر بن الخطاب كان يخشى توليتهم خصوصا آل البيت اﻷمصار فيلتف حولهم الناس ويطالبوا بخلافة علي.

المهم أنه إن نظرنا في الجانب الآخر أي خلافة علي نجد أن الولاة من اﻷنصار وآل البيت كان لهم نصيب من التعيينات يصل إلى إحدى عشرة واليا من أصل ثلاث وعشرين واليا، ومنهم سبع ولاة من اﻷنصار وهم: أبو أيوب الخزرجي اﻷنصاري ، النعمان بن العجلان الخزرجي اﻷنصاري ، أبو أمامة سهل اﻷوسي اﻷنصاري ، قدامة بن العجلان الخزرجي اﻷنصاري ، سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي اﻷنصاري ، قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي اﻷنصاري ، عثمان بن حنيف الأنصاري، فنجد الخزرج قد آووا إلى علي بن أبي طالب وآواهم إليه، وولاهم اﻷمصار حتى أن ابني سعد بن عبادة كانا من ولاته بعد الإهانة التي تعرض لها والدهما في حادثة السقيفة ما جعله لم يبايع إلى أن قتل، ثم إننا نجد أربعة ولاة من آل البيت وهم: قثم بن العباس، تمام بن العباس، عبيد الله بن العباس، عبد الله بن العباس، وهم أبناء العباس بن عبد المطلب عم علي، والحليف اﻷساسي له في كل الأطوار واﻷحداث حتى أنه يوم أن اشتد اﻷمر على على نبي الإسلام نصح العباس عليا بأن يسأله أن أن يكون اﻷمر فيهم لكن عليا رفض على أساس أنه إن منعها عنهم لن يعطيها الناس لهم ولعل هذا ضمنيا يحمل في طياته أمل علي والعباس في أن تكون الخلافة في بني هاشم، لكن تم الإستلاء عليها من لدن آخرين.
بقلم: أحمد المهداوي، باحث في الدراسات الإسلامية