نبي الله يونس لم يدخل بطن الحوت!

ابن الأزرق محمد الأنجري الطنجي
يعتقد عامة المسلمين – تبعا للمفسرين والمحدثين والإخباريين تقليدا للإسرائيليات – أن يونس النبي لبث في بطن حوت ضخم مدة من الوقت قبل أن يلفظه حيا !
وهذه خلاصة القصة الخرافية :
جاء في مصنف ابن أبي شيبة (6/338) بإسناد ضعيف – وعليه معوّل المفسرين – عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فِي بَيْتِ الْمَالِ عَنْ يُونُسَ، قَالَ: ” إِنَّ يُونُسَ كَانَ وَعَدَ قَوْمَهُ الْعَذَابَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، ثُمَّ خَرَجُوا فَجَأَرُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفَرُوهُ، فَكَفَّ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَعَدَا يُونُسُ يَنْتَظِرُ الْعَذَابَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَكَانَ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُتِلَ، فَانْطَلَقَ مُغَاضِبًا حَتَّى أَتَى قَوْمًا فِي سَفِينَةٍ فَحَمَلُوهُ وَعَرَفُوهُ، فَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ رَكَدَتْ، وَالسُّفُنُ تَسِيرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ: مَا لِسَفِينَتِكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَدْرِي؟ قَالَ يُونُسُ: إِنَّ فِيهَا عَبْدًا أَبَقَ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّهَا لَا تَسِيرُ حَتَّى تُلْقُوهُ، فَقَالُوا: أَمَّا أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَوَاللَّهِ لَا نُلْقِيكَ، فَقَالَ لَهُمْ يُونُسُ: فَأَقْرِعُوا فَمَنْ قَرَعَ فَلْيَقَعْ، فَقَرَعَهُمْ يُونُسُ فَأَبَوْا أَنْ يَدَعُوهُ فَقَالُوا: مَنْ قَرَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلْيَقَعْ، فَقَرَعَهُمْ يُونُسُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَوَقَعَ، وَقَدْ كَانَ وُكِّلَ بِهِ الْحُوتُ، فَلَمَّا وَقَعَ ابْتَلَعَهُ فَأَهْوَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ يُونُسُ تَسْبِيحَ الْحَصَى {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] ظُلُمَاتٌ ثَلَاثٌ، ظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ، وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قَالَ: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] قَالَ: كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ الْمَمْعُوطِ، لَيسَ عَلَيْهِ رِيشٌ وَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ كَانَ يَسْتَظِلُّ بِهَا وَيُصِيبُ مِنْهَا، فَيَبِسَتْ فَبَكَى عَلَيْهَا حِينَ يَبِسَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: تَبْكِي عَلَى شَجَرَةٍ يَبِسَتْ، وَلَا تَبْكِي عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ أَرَدْتَ أَنْ تُهْلِكَهُمْ، فَخَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِغُلَامٍ يَرْعَى غَنَمًا فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: مِنْ قَوْمِ يُونُسَ، قَالَ: فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ قَدْ لَقِيتَ يُونُسَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: إِنْ تَكُنْ يُونُسَ فَقَدْ تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنْ يُقْتَلَ، فَمَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فَقَالَ لَهُ يُونُسُ: يَشْهَدُ لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ، وَهَذِهِ الْبُقْعَةُ، فَقَالَ الْغُلَامُ: مُرْهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا يُونُسُ: إِنْ جَاءَكُمَا هَذَا الْغُلَامُ فَاشْهَدَا لَهُ، قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْغُلَامُ إِلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ لَهُ إِخْوَةٌ وَكَانَ فِي مَنَعَتِهِ، فَأَتَى الْمَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي لَقِيتُ يُونُسَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، فَأَمَرَ بِهِ الْمَلِكُ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ لَهُ بَيِّنَةً، فَأَرْسِلْ مَعَهُ فَانْتَهَوْا إِلَى الشَّجَرَةِ وَالْبُقْعَةِ، فَقَالَ لَهُمَا الْغُلَامُ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ أَشْهَدَكُمَا يُونُسُ، قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْقَوْمُ مَذْعُورِينَ يَقُولُونَ: يَشْهَدُ لَهُ الشَّجَرُ وَالْأَرْضُ، فَأَتَوَا الْمَلِكَ فَحَدَّثُوهُ بِمَا رَأَوْهُ “، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ” فَتَنَاوَلَهُ الْمَلِكُ فَأَخَذَ بِيَدِ الْغُلَامِ فَأَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَكَانِ مِنِّي ” قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «فَأَقَامَ لَهُمْ ذَلِكَ الْغُلَامُ أَمْرَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً»

وتعتبر تلك الحادثة المتخيّلة من أعظم معجزات الأنبياء .

واختلفوا في مدة مكثه على أقوال تكشف التخرّص والتخمين وتصديق الرواة المخادعين !
في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (7/127) للسيوطي : أخرج الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: مكث يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام فِي بطن الْحُوت أَرْبَعِينَ يَوْمًا .
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن جريج قَالَ: بَقِي يُونُس فِي بطن الْحُوت أَرْبَعِينَ يَوْمًا .
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي مَالك رَضِي الله عَنهُ قَالَ: لبث يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام فِي بطن الْحُوت أَرْبَعِينَ يَوْمًا .
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رَضِي الله عَنهُ قَالَ: لبث يُونُس فِي بطن الْحُوت سَبْعَة أَيَّام فَطَافَ بِهِ الْبحار كلهَا ثمَّ نبذه على شاطىء دجلة .
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ : {فالتقمه الْحُوت} يُقَال لَهُ نجم وَإنَّهُ لبث ثَلَاثًا فِي جَوْفه . هـ
وعَنِ الشَّعْبِيِّ: «أَنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى الْتَقَمَهُ الْحُوتُ ضُحًى وَلَفَظَهُ عَشِيَّةً» المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 639)

فنحن أمام مدد متفاوتة !

وقد جاء تحديد مدة مكث يونس ببطن الحوت ثلاثة أيام في إنجيل متّى / الإصحاح 12 .

قصّة يونس في القرآن الكريم :

تناول كتاب الله قصة يونس في أربعة مواضع / سور :
الموضع الأول : في سورة يونس : ( فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98) .

الموضع الثاني : في سورة الأنبياء : ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) .

الموضع الثالث : في سورة الصافات : ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148)
الموضع الرابع : في سورة القلم : ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) .

لا توجد في هذه الآيات أي حجة على أن الحوت ابتلع يونس ، وأنه مكث في بطنه وسط البحر لا ساعة ولا أقل ولا أكثر !
فإن احتجوا بقوله تعالى : ( فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ) ، كان جوابنا أن ” التقم ” لا تستلزم ابتلع ، إذ يكفي أن يدفعه بفمه ليخرجه إلى البرّ.

فاللغويون غير متفقين على أن الالتقام هو الابتلاع :

جاء في تصحيح الفصيح وشرحه (ص: 60) لابن المرزبان ت 347 : وكذلك قولهم: لقمت ألقم؛ وهو وضع اللقمة في الفم خاصة، دون البلع، وهو مأخوذ من لقم الطريق، وهو فوهته…

وقد جاء الفعل في بعض الأحاديث على معان غير البلع :
في حديث جَابِرٍ وأبي سعيد الخدري وابن عباس : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَهُ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى بِسَمْعِهِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ» ( مسند أحمد ح3008 و ح 11039 و ح11696 ، و سنن الترمذي ت بشار ح 2431 و ح 3243 ، وصحيح ابن حبان (3/105) ، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (4/603) ، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 189 و7/ 130) وشعب الإيمان (1/ 532)

وفي سنن أبي داود ح 4794 عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ» .

فالملك المكلّف بالنفخ في الصور يلتقمه ولا يبتلعه ، والصحابي يلتقم أذن النبي ص بمعنى يكلمه في أذنه كناية عن شدة القرب .

فلماذا الإصرار على أن الحوت ابتلع يونس إن كانت اللغة العربية تجعل فعل ” التقم ” ذا دلالات متنوعة ؟

كما يلتقم الملك الصور دون تحطيمه ، التقم الحوت رجل أو يد نبي الله يونس ليجذبه أو يدفعه نحو اليابسة وينقذه من الغرق .

وإن تمسّكوا بقوله سبحانه : ( للبث في بطنه ) ، قلنا :
تحتمل هذه الجملة عدّة معان ، وهي :
1 لأكله الحوت ، فكان بطنُه قبرَه إلى يوم القيامة ، وهذا بعيد ، لأن الله يعلم أن الحوت ذاته سيموت ويكون البحر قبره .
2 لغرق وبقي في بطن البحر إلى يوم القيامة ، وليس بطن الحوت ، وهذا هو المقصود .
3 للبث في بطن الحوت حيا إلى يوم القيامة ، وهو محال ! لكن اللغة تحتمله .

فالصيغة ليست قطعية ولا صريحة ، والعقل يحيل نجاة الإنسان وبقاءه حيا لو ابتلعه حوت ضخم وأبقاه في بطنه لدقائق معدودة ، فكيف إن بقي أكثر!؟

ثم إن نبي الله يونس كان في منطقة الشرق الأوسط ، وليس في بحارها نوع من الأسماك الكبيرة كالحوت الأزرق / ” البالين ” حتى يبتلع رجلا ويبقى في بطنه حيا سليما !

ومن تمسّك بكلمة ” الحوت ” الواردة في قصة يونس عليه السلام ، على أنه حوت ضخم كبير ، فقد أخطأ في حق القرآن الذي استعمل الاسم ذاته مريدا الأسماك التي يصطادها الناس لأكلها عادة :

قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام : ( فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً . فَلَمَّا جاوَزا ، قالَ لِفَتاهُ : آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَباً . قالَ : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ، وَما أَنْسانِيه إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) سورة الكهف .

وفي سورة الأعراف عن أصحاب السبت : ( إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) .

فقد كان مع موسى حوت ، فهل كان عملاقا !؟

وكان أصحاب السبت يصطادون الحيتان ، فهل كانت من جنس ” البالين ” الحوت الأزرق !؟

إن المصيبة في الروايات والأخبار لا في كتاب الله .

كيف نفهم القصة إذن ؟

( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) ، تمرّد وعصى أمر الله وحاول الهروب عبر البحر .

وكان من عادتهم أنهم يقترعون حين يخشون الغرق للإنقاص من الأثقال ، فجاءت القرعة في يونس وآخرين ، وذلك قوله تعالى : ( فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) .
ولم يكن يونس وحده الذي قذف بنفسه إلى البحر كما تقول الخرافة !

فربنا يقول : ( فكان من المدحضين ) ، أي من جملة من خرجت فيهم القرعة .

وفي تفسير الطبري : وقوله (فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) يعني: فكان من المسهومين المغلوبين، يقال منه: أدحض الله حجة فلان فدحضت: أي أبطلها فبطلت، والدَّحْض: أصله الزلق في الماء والطين، وقد ذُكر عنهم: دَحَض الله حجته، وهي قليلة. هـ

لكنهم يصرون على أن يونس وحده الذي خرجت فيه القرعة اغترارا بالإسرائيليات !

وقبل الارتماء في البحر ، أي حين وقع الهيجان ، أو بعد ظهور نتيجة القرعة ، أو عند الارتماء في البحر والسباحة ، كان يونس يتضرّع إلى الله في ظلمات البحر معترفا بخطئه مستغفرا : ( فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) .

ظلّ يسبح ويقاوم ، فسخّر له الله حوتا ، قد يكون هو الدلفين ، فالتقم رجله أو يده أو ثيابه: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ) ، وصار يدفعه أو يجره نحو اليابسة .

وليس بعيدا أن يكون الحوت من النوع المفترس للبشر ، لكنه كان شبعانا ، وبإلهام من الله وهداية ، قام بإنقاذ يونس .

إذ تحدث في الطبيعة أحداث مشابهة ، كالمقطع الذي يصور أسدا يعطف على عجل صغير بعدما كان عازما على افتراسه … وكل ذلك يقع بإلهام من الله وعناية ، لكنه مستساغ عقلا وعلما .

وقد رأينا في عصرنا مقاطع مصوّرة لقدرة أشخاص على النجاة من القروش المهاجمة ، وسمعنا عن أشخاص كثيرين بقوا أحياء بعد تحطم سفنهم أو سقوط طائراتهم في البحر …
أما أن يبتلع الحوت رجلا ويغوص به في أعماق البحر مدّة ليست بالهينة ، ثم يخرج منهما حيا ، فمشهد خيالي لا دليل عليه من كتاب الله !

لسنا ننكر عناية الله بيونس عليه السلام ، فهي حاضرة في جميع الأحوال ، ولكن وفق السنن الكونية ، فلا مجال لغض الطرف عن قوله سبحانه : ( فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) وقوله : ( فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ، وقوله : ( لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ) .

بعدما نجَا سيدنا يونس إلى البرّ ، كان سقيما متعبا : ( فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ )

وبقي نبي الله يونس في المنطقة التي خرج إليها مدة قبل أن يشفى ويهتدي إلى الطريق لقريته ، كنى الله عن ذلك بقوله : ( وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ، وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) .

واليقطين كما في تفسير الطبري : ( كل شجرة لا تقوم على ساق كالدُّباء والبِطِّيخ والحَنْظَل ونحو ذلك، فهي عند العرب يَقْطِين ).

وقد أنبت الله تلك النبتة اليقطينية لأن يونس عليه السلام كان مجروحا أو منهكا لا يستطيع الوقوف وبلوغ الأشجار الضخمة ، فكان منها طعامه حتى شفي وعوفي .

ويكفي ذلك آية ومعجزة إذ نجاه الله بواسطة الحوت دون غيره من الذين قذفوا بأنفسهم إلى البحر .

وليس من شرط الآية أن تكون خرافية بحيث يلزم أن يبتلعه الحوت أياما ثم يخرج به إلى اليابسة !

إبطال حديث مرفوع في الموضوع :

هناك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحتجون به على أن الحوت ابتلع يونس إلى مستوى بطنه ، وهو ما رواه يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” دَعْوَةُ ذِي النُّونِ الَّتِي دَعَا بِهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ فِي كُرْبَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ .
تفسير يحيى بن سلام (1/ 338) ، ومسند أحمد ح 1462، والسنن الكبرى للنسائي ح 10417 ، وسنن الترمذي ح 3505 ومسند البزار = البحر الزخار (4/ 14)
والمستدرك على الصحيحين للحاكم (1/684 و2/637)
قال الحاكم : «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»
ووافقه الذهبي وغيره .

والواقع أن عبارة ” في بطن الحوت ” محرّفة عن صيغة ” في الظلمات ” كما جاءت في القرآن الكريم ، ثم في هذه الرواية من طريق أبي إسحاق السبيعي أيضا بإسناده عن سعد بن أبي وقاص : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ دَعْوَةٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ قَالَ: فَاتَّبَعْتُهُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَبُو إِسْحَاقَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَهْ» أَوْ فَمَهْ، فَقُلْتُ: ذَكَرْتَ أَوَّلَ دَعْوَةٍ ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَكَ، قَالَ: ” نَعَمْ دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا فِي الظُّلُمَاتِ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا عَبْدٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ ” ( الآداب للبيهقي (ص: 308 ح 762 وشعب الإيمان 12/459 ح 9744 ) .

ومما يدلّ على أنها محرّفة أو مقحمة ، عدم وجودها في هذه الرواية من غير طريق السبيعي :

عن مُحَمَّد بْن مُهَاجِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ، أَوْ أُحَدِّثُكُمْ، بِشَيْءٍ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرْبٌ أَوْ بَلَاءٌ مِنَ بَلَاءِ الدُّنْيَا دَعَا بِهِ فُرِّجَ عَنْهُ؟» فَقِيلَ لَهُ: بَلَى، قَالَ: ” دُعَاءُ ذِي النُّونِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ” ( السنن الكبرى للنسائي ح 10416 والمستدرك على الصحيحين للحاكم (1/685) .
بل وردت في رواية من طريق السبيعي بدونها في مسند أبي يعلى الموصلي (2/110) ، وقال حسين سليم أسد : إسناده صحيح . هـ

فمن أين جاء الخلل ؟

إنه من يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، فإنه وإن كان ثقة ، لكنه مجروح في حفظه وضبطه :

قال أحمد بن حنبل: يونس بن ابى اسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس. قلت : يقولون إنه سمع في الكتاب فهو أتم قال: إسرائيل ابنه قد سمع من أبى اسحاق وكتب فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس.
وقال مرة : حديثه مضطرب.
وقال يَحْيَى بن معين مرة : وكَانَتْ فِيهِ غَفْلَةٌ.
وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقا الا انه لا يحتج بحديثه.
انظر : الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (9/244) ، والكامل في ضعفاء الرجال (8/ 525) وتهذيب الكمال في أسماء الرجال (32/ 491)

وقد اضطرب في حديثه هذا كما تقدم ، وخالف القرآن ، وله وجه آخر من الاضطراب فيه : قال الترمذي بعدما روى له حديث يونس في بطن الحوت: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَى بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ يُونُسَ، فَقَالَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، نَحْوَ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ. وَكَانَ يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ رُبَّمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِيهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ. هـ

قلت : فسقط أصحّ حديث مرفوع يمكن الاحتجاج به ، فلست أدري كيف صححه بعض الكبار وحسنه آخرون !

وحتى لو صحّ سندا ، فهو خبر آحاد منكر المتن لمخالفته القرآن ومناقضته العقل والحس .