الصّومُ والبرمجةُ العقليّة

زعيم الخيرالله
كثيرٌ من الناسِ يَصعُبُ عليهِ الخُروجُ من عاداتِه التي اعتادَها ، ومألوفاتهِ التي أَلِفَها ، وَرُوتينِ الحياةِ الذي أَدمَنَ عليه ؛ فيأتي الصومُ لِيَكسِرَ العادةَ والمألوفَ والروتينَ.
نَحنُ كَبَشَرٍ تَتَحَكَمُ فينا (الصورةُ الذِّهنِيَّةُ) ، وقد تكونُ هذهِ الصورةُ الذهنية مطابقةً للواقع فتكون حقيقة ، وقد لاتكون مطابقةً للواقعِ فتكون انطباعاً خاطِئاً او (اعتقاداً خاطِئاً) (Misbelief) .
كيف يمكن للصوم ان يغير الصورة الذهنية؟

للصوم ثلاثةُ مُستَوَياتٍ :
1- الصوم الفقهي : وَيُعَبَّرُ عنهُ بصومِ العَوام ، وهو صيامُ عامَّةِ الناسِ وهو : صيامٌ عن امورٍ مُحَدَدَةٍ ، ذَكَرَتها المُدَوَّناتُ الفقهيةُ منها : الاكل والشُرب والجماع …. وهذا الصوم أدنى مراتب الصيام ، ويتعلقُ بالجانب الجسدي من الإنسان.
البعض من الناس الذي اعتاد الأكل والشرب والعلاقات الأخرى يتصور انه ليس بإمكانه ان يصوم ؛ لأنه لايقوى ان يترك الطعام والشراب ، وهذا ناتج من الصورة الذهنية الخاطئة . قبل شهر رمضان اعتاد هذا الشخص ان يأكلَ ويشربَ بمواقيت محددة … ولكنه بممارسته للصيام يكتشف انه بإمكانه ان يصوم والسبب انه كانت لعقله قبل شهر رمضان برمجة مختلفة ، وفي هذا الشهر تَتُمُّ برمجةَ عقلهِ بطريقةٍ مُختلفةٍ، فتتغير الصورةُ الذهنيةُ السابقة التي كانت اعتقاداً خاطئاً بعدم قدرته على الصوم ، إلى صورة ذهنية تعبر عن الواقع وهي : قدرته على الصوم .المهمُّ ان يستبدلَ الانسانُ الأوهامَ والانطباعاتِ الخاطِئةِ التي تعشعش في عقله بالحقائق . وهذا مايقومُ به الصومُ.
الصوم محاولة لاكتشاف الذات ، واكتشاف قدرات الانسان ، وإرادته القوية على التحمل والصبر ، حتى تتحقق ملكة التقوى عند الانسان وهي الحكمة من الصوم كما يقول الله تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)، سورة البقرة .

2- صوم الجوارح: وهو ان تصومَ كلُّ جوارحِ الإنسان ، تصومُ عينُهُ عمّا لايحل النظر اليه ، ويده عن البطش والاعتداء والتجاوز على الآخرين ، وتصوم رجله عن العدوان وعن السير في دروبٍ يحرمُها الله على عباده. هذا الصوم هو صومُ الخواص. الصيام الشائع عندنا هو الصوم الأول ، اما الثاني فقليل من الناس يصومون هذا المستوى من الصوم .
البرمجة العقليّة لها دور في رفع مستوى الصوم عندنا ، حينما نبرمج عقولنا على أن لانقترب من محرمات الجوارح ، كمحرمات اللسان : الغيبة والنميمة .
البرمجة العقليّة تعتمد على كسر الصورة الذهنيّة السائدة بعدم قدرتنا عن الكف عن محرمات الجوارح ، هذه الصورة قائمة على اعتقادٍ خاطئ ، على اوهامٍ بعدم القدرة على ترك معاصي الجوارج ، واستبدالها بصورة ذهنيّة مطابقة للواقع تعبر عن ( الحقيقة) ، وهي : قدرتنا على اجتناب معاصي الجوارح .

3- صوم الجوانح: هي صوم دواخل الإنسان فكره ونفسه وأعماقه عن مجرد التفكير بالمعصيّة . في قِصَةِ يوسُف جاءت الآيةُ تُعَبِّرُ عن امرأة العزيز : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ ) ، فقد تحققَ الهَمُّ منها : فالآية استخدمت الفعلَ الماضيَ الدالَّ على التحقق ، وقد التي تفيد التحقيق واللام ، وهي لاتمتلكُ غطاء ربانيّاً كغطاء يوسف (ع) يعصمها عن الهم ، وهذا الغطاء هو البرهان الإلهي الذي أراه الله لنبيه يوسف (برهان ربه ) ، اما بالنسبة ليوسُف فقد نفت الآية الهَمَّ لوجودِ برهانِ ربه: وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ
ابتعد يوسف (ع) عن الهَمِّ بها لوجود برهان ربه ؛ لأن لولا حرف امتناع لوجود .
كل الهواجس الشيطانية والنفسية يصوم عنها أولياء الله تعالى. وهنا أريد ان اتحدث عن دور الصيام في معالجة الغضب. المستوى الثالث من الصوم بإمكانه ان يعالج الغضب من خلال كسر الصورة الذهنيّة التي تصور الانسان الواقع في قبضة الغضب وأسره ؛ بأنه غيرُ قادرٍ على ان يتخلص من غضبه . هذا وهم ومعتقد وانطباع خاطئ ، فالانسان بإمكانه ذلك ، وصوم الجوانح ، الصوم عن كل فكرة شيطانية أو هوىً نفساني ، يساعد الانسان ان يتخلص من غضبه وعقده وكآبته ، انه صومٌ يستهدف تطهير الأعماق ، صوم يصوغ الانسان من داخله صياغةً جديدةً .الغضب طاقة كامنة بامكان ان يتحكم فيها اذا أراد ، اما اذا استسلم لهذه الطاقة الهوجاء ، فإنها ستدمرُ وتحيلُ حياتَهُ جحيماً لايطاق.
قد يقول قائل : ولماذا صومُ الجوانح ؟ اذا كان الانسان قد ضبط نفسه وضبط جوارحه عن ارتكاب المعصية ، فماذا يؤثر التفكير بها في دواخل الانسان ، والمطلوب ان لاتقع المعصيةُ خارجاً؟ والجواب هو : ان التفكير بالمعصية يترك اثاره السلبية على النفس والعقل . الأفكار السلبية تشوه روح الإنسان واعماقه ، كما يشوه الدخان منظر البيت الجميل حتى لو لم يقع حريقاً يتلفُ البيت.
كل ذلك يتُمُّ من خلال البرمجةِ العقليّةِ التي يسهم بها الصيامُ في هذا الشهر المبارك.
اتمنى للجميع صياماً مقبولاً ، وان يحققَ الصوم اهدافه وغاياتِهِ.